Showing posts with label ما يشبه قراءات في كتب. Show all posts
Showing posts with label ما يشبه قراءات في كتب. Show all posts

Sunday, May 07, 2017

أهمية أن لا تلتئم

أهمية أن لا تلتئم


لعل أجمل ما في كتاب "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" الصادر حديثا للشاعرة إيمان مرسال هو ما لم يقله عن الأمومة (والأبوة في نظري على الأقل، أو في تجربتي على الأقل): أنها حوار. أخذ ورد. تعلم بالتجربة والخطأ. ذلك ما لم يقله الكتاب نصا، لكنه كانه من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة. حوار متصل مع قصائد من بولندا ومن سوريا ومن مصر، ومع الفوتغرافيا، ومع الذات بالطبع، ومع الأم ومع الابن، مع اليتم، ومع النمط.
الأمومة في شكلها البيولوجي البحت تفتح الجسد نفسه للآخر، تسخِّره له يستعمله استعمالا. الأمومة بهذا المعنى (ومهما يكن ضغط النمط هنا) لا تعني إلا الانفتاح على الآخر والانفتاح للآخر، لكن هذا الكتاب يبيِّن كيف أن الأمومة تعني أيضا استعمال الآخر لمصلحة فهم الذات.
حضور عشرات الأسماء والأفكار في الكتاب (الذي افترضت قبل قراءته وأحببت أن يكون تجربة امرأة/شاعرة مع الأمومة) لا يساوي بين الخاص (تجربة أمومة معينة) والعام (تجارب الأمومة الكثيرة المختلفة)، فيسقط التجربة الشخصية على تنويعة التجارب العامة الإنسانية، بل ربما يفعل العكس، أي أنه يتصالح مع العالم، ويعتبره طريقا إلى فهم الذات. أو هو ببساطة استغاثة من الذات بالعالم، فكأن إيمان مرسال وهي تحاول أن تفهم الأمومة، تعترف ببنوتها هي للعالم، وتطلب أن يعينها على فهم ذاتها.
كفرد يقرأ الكتاب، شعرت للوهلة الأولى أن تلك الجولة في عالم مترام من الأفكار قد لا تكون إلا مهربا من مواجهة التجربة الشخصية مواجهة مباشرة لعلها مخيفة، خاصة وأن التجربة الشخصية (أعني أمومة إيمان نفسها كما تظهر في فصل اليوميات مثلا) تنطوي على خصوصية تجعلها بالفعل تبدو ـ لي ـ مخيفة، لكن قليلا قليلا تبيَّن لي أن هذا الدوران كله كان يرمي إلى محاصرة التجربة الفردية لفهمها، أو هو ببساطة إظهار عملي لما تفعله الأمومة في الإنسان: توسِّع ذاته مثلما لا يفعل شيء آخر.
لعل الأمومة بانتهاكها جسد المرأة جرح فعلا، جرح فيزيقي لا يخلو قطعا من ألم ومن دم ومن حاجة إلى الشفاء. لكنه جرح قد لا يلتئم إلا بالاعتراف بوجوده، والتسامح مع دوامه، والإيمان بضرورته، جرح دواؤه التعايش معه، ومحبته، ربما شأن أي جرح.



Wednesday, March 19, 2014

القراءة من على مقعد الكاتب

القراءة من على مقعد الكاتب

مرة، كنت أقرأ قصيدة لواحد من المصريين القدماء، ربما يكون الشاعر "حلمي سالم" هو الذي ترجمها. ربما لا تكون قصيدة، بل صلاة، أو دعاء. كان المصري القديم يطلب من ربه أن يجعله في الحياة الأخرى، يزرع ويحصد، ولكن بيسر.
فهمت أن جدنا المسكين ذلك كان يشقى في غيطه في الدنيا، ولكني فهمت أيضا أنه لم يكن يتصور حياة بلا عمل، ولو في الجنة. وفهمت، وهذا ما يعنيني هنا، أنه لا يتصور الجنة انقطاعا تاما عن الدنيا، أو يراها شأنا آخر غير الذي عرفه كل يوم على الأرض. سيكون الأمر نفسه هناك، فالملك المعبود على الأرض ملك معبود في السماء، والفلاح على الأرض فلاح في السماء، ولكن ثمة، فيما يرجى، لمسة يسر تضاف إلى كل حياة، وهذا في نظر ذلك المصري القديم كافٍ كجنة.
كان جدا بسيطا، لو أوتي ملكة الكتابة، ما أظنه كان ليضيّع حلمه في دعاء أو صلاة، ولا عمره في انتظار جنة لن توجد إلا على جثته. أحسب أنه كان ليكتب رواية عن فلاح مصري لا ينازع الشادوف، ولا يصارع الأرض، بل يصعد الماء طوعا إلى زرعه مهما ارتفع غيطه، وتلين لفأسه الأرض لا تقابلها بعناد وتمنع. كان ببساطة ليكتب جنته، وقد علم أن له من دون السماء البعيدة، "سماء أقرب".
 نعم. هكذا أفهم عنوان رواية "محمد خير" الصادرة في 2013. وبهذا ربما أوجز قراءتي للرواية كلها.
***

خطر لي مرة أن ما نشاهده في المرة الثانية التي نشاهد فيها فيلم "الحاسة السادسة" لـ "نايت شايملان" ليس الفيلم نفسه. نحن في المشاهدة الأولى نرى بالفعل طبيبا نفسيا يعالج صبيا موهوما بقدرته على رؤية الأشباح. "أرى بشرا موتى" هكذا يقول الولد في جملة تبقى راسخة. في المشاهدة الأولى، نتعرض لواحدة من أبرع خدع الأفلام على الإطلاق، إذ نكتشف، قرب نهاية الفيلم، أن الولد لم يكن موهوما بالمرة، بل نحن الموهومون، بل الطبيب هو الذي لم يكن طوال الوقت إلا شبحا يحوم حول شخص تعرف الأشباح أنه القادر على رؤيتها دون كل عميان البصيرة في المدينة.
خطر لي أن المشاهدة الثانية لهذا الفيلم هي في الحقيقة مشاهدة أولى لفيلم ثان. ثم خطر لي ما أعتبره الأكثر صدقا: وهو أننا في المشاهدة الثانية نشاهد المشاهد الأول، نشاهد في أنفسنا المتفرج المخدوع، الذي انطلت عليه الحيلة. خطر لي أننا لا نشاهد الفيلم للمرة الثانية لنستمتع به هو نفسه، أو بنسخة جديدة منه، بقدر ما نشاهده توبيخا لأنفسنا، أو طمأنة لها بأنها بخير، وأن مستوى ذكائها لم يتدهور، وأن اكتشاف الحقيقة في المرة الأولى لم يكن ممكنا. أو لعلنا نشاهده وقد بدّلنا موقعنا، فلم ننتقل مثلا من صف إلى آخر أقرب إلى الشاشة في صالة العرض، بل لعلنا انتقلنا انتقالة هي في راديكالية القيام من أمام الشاشة إلى الجلوس وراء الكاميرا، على مقعد يحمل اسمنا مثلما يحمل مقعد صانع الفيلم اسمه.
***
ليس هذا بالضبط ما فعله "محمد خير" في "سماء أقرب". صحيح أن في الرواية هذه الخدعة الختامية التي قد تغرينا بمعاودة قراءة الرواية كلها من جديد، ولكنها ـ أي الخدعة ـ ليست موجودة لمجرد إثبات البراعة التقنية وإن أثبتتها، أو لتنتزع من قارئ الرواية شهقة كالتي ربما تنتزعها مشاهدة "الحاسة السادسة" للمرة الأولى، فليس وقع المفاجأة هنا كوقع اكتشافنا أن من ألفنا بشريته طويلا لم يكن غير شبح. لا أحسب اللعبة الروائية هنا تستهدف القارئ بقدر ما تستهدف إنشاء النص نفسه. لا أحسبها تستهدف التصفيق أو الإعجاب، بقدر ما هي طريقة هذه الرواية في أن توجد. نعم، للعبة الروائية هنا في تصوري معنى لا تكتمل بدونه الرواية، بل ربما لا تكون هناك رواية أصلا.
***
في القراءة الثانية  لـ "سماء أقرب" لا يقرأ القارئ الرواية الأولى. لقد انتقل الآن من مقاعد الدرجة الثالثة إلى المقصورة، من وراء اللاعب بالجيش الأبيض ليجلس وراء اللاعب بالجيش الأسود، من شقة مشجعي الأهلي في العمارة إلى شقة مشجعي الزمالك، من شخص يعرف أن أكرم هو الكاتب إلى شخص يعرف أن أكرم هو المكتوب. وهو ما صنع ـ في حالتي ـ بالفعل رواية أخرى صفحتها الأولى تحمل الرقم 106.
تبدأ الرواية الأولى بـ "أكرم"، شاب يترك عمله للتو، محدود المدخرات، يقابل حبيبة قديمة بعدما تزوجت، يبحث عن عمل وحب وسفر، ويكتب رواية عن شخص لا يعاني أيا من هذه المشكلات.
أما الرواية الثانية فتبدأ بشخص ميسور الحال، لا يعمل في وظيفة ليتركها، يسفر أول احتكاك له بالواقع إلى فقدانه عينه (حيث ينتقل من التصوير الفوتوغرافي الفني إلى تصوير فعالية انتخابية كخدمة عابرة يسديها لصديق له) ويكتب رواية عن شخص ألصق منه بالواقع، عنده علاقات مباشرة مع التاكسي فالميكروباص، وحينما يترك عمله في القاهرة يتحتم عليه أن يبحث عن عمل في الخليج. و"أهلا بكم في صحراء الواقع".
ليس أي من أكرم ومازن كجدنا المصري القديم إذن. فليس أي من الروايتين، التي يكتبها أكرم أو التي يكتبها مازن، عالما فردوسيا يفر إليه مؤلفه. مازن لا يمكن أن يكون بعينه المفقوءة جنة أكرم، وأكرم بفقدانه الوظيفة والحبيبة وتدهوره من التنقل بسيارة خاصة إلى تاكسي إلى ميكروباص وإدانته نفسه في جريمة قتل مزدوجة لا يمكن أن يكون جنة مازن. فهل كل منهما للثاني عقاب ينزله بنفسه؟ هل السماء إذن ليست مرادف الجنة بالضبط، بقدر ما هي ربما مرادف للجحيم، أو أنها ساحة للجنة والجحيم معا، لزواجهما على رأي "وليم بليك"، أو قرانهما كما أحب أن أترجم عنوان كتابه الجميل؟ أم تكون السماء، ببساطة، ومصداقا للشائع عنها مكانا لقدرة أعلى، حيث يمكن لأكرم فعلا أن يسيطر على حياته ويوجهها ويرسم لها مسارا جديدا ولو تحتّم عليه في سبيل تحقيق ذلك أن يسميها باسم جديد؟ وما يقال في أكرم يصدق على مازن.
***
لعل الأمر ليس عقابا، بقدر ما هو محاولة أخرى للتعامل مع الواقع. لعل ما يفهمه أكرم الآن أن إدخال عنصر إلى حياته لن يحل المشكلة، ولعل مازن يفهم أن نزع عنصر من حياته لن يحل المشكلة. فليس الحل في أن تكون الغرفة التي يجافينا فيها النوم مكيفة الهواء أم لا؟ أو تكون الحانة التي نهرب فيها من الواقع على سطح فندق في وسط البلد أم داخل فندق أرقى؟ المشكلة ربما تكمن في أن يعجز حتى الخيال الذي طالما طار بالبشر عن تدبير وسيلة لسكان الواقع يحتملون بها سكناهم. لعل المشكلة لا تحل إذا أضفنا عينا أو فقدناها، ما دامت العيون كلها ستبقى ترى شيئا واحدا في كل الحالات.
***
وليس هذا فقط ما قرأته ـ أنا على الأقل ـ في الرواية الثانية. كان هناك شيء آخر أوثق علاقة بنفسي من رواية. نعم، مثلما ينظر مشاهد "الحاسة السادسة" في المرة الثانية إلى نفسه القديمة والجديدة، كنت أقرأ في المرة الثانية نفسي. ما الذي يجعل للواقع المعيش ـ في نظري ـ كل هذه الأهمية حتى أعتبر أن الانتماء إليه قيمة في ذاته؟
لقد بدا لي في القراءة الثانية أن "أكرم" انخفض درجة أمام عيني. فما كاد يظهر احتمال، محض احتمال، لم أجد سبيلا حقيقيا للتثبت من صدقه أو زيفه، ما كاد يظهر هذا الاحتمال بأن أكرم قد يكون شخصية مؤلَّفة حتى بدأت أتعامل معه كمخلوق. بدأت أرى أن الهروب إلى الحانة حل ابتذلته السينما، وأن قصة الحب الجامعية حلقة في مسلسل تليفزيوني، وأن ظهور الحبيبة القديمة ثيمة أليق بسهرات الإذاعة، وأن النهاية المأساوية للحبيبة وزوجها ربما تكون مرت بي كثيرا في صفحات الحوادث. كان انتقال أكرم من مقام الخالق إلى درجة المخلوق يعني سقوطه، وكأنني لا أحترم المخلوقات، وكأنني لست منها.
وكان مازن في القراءة الأولى هو الذي احتمل مني ذلك كله، فهو الذي بدا شخصية روائية نمطية، فنانا مترفا ينزل إلى الشارع مرة فيفقد عينا ثم يمضي بقية الرواية يتسول بها تعاطفي، في حين أنه لا يزال يجد بعد العشيقة حبيبة، ولا يزال ينتابه الضيق في مدينة فيبدّلها، وبمصادفة شديدة السينمائية يعثر على فتاة تساعده على تجاوز أزمته بالكتابة، بينما هو في ثنايا ذلك كله يشرب نوعيات أفضل من الخمور.
***
تجربتي في قراءة "سماء أقرب" تقول إن هذه الرواية أحدثت تغييرا في قراءتي للرواية. فطالما فهمت أن التواطؤ مع اللعبة الروائية شرط لازم تقريبا للاستمتاع بالرواية، والتواصل معها، وتخيلوا حال قارئ لا يسلّم ابتداء بتحول "جريجور سامسا" دونما أي سبب مذكور إلى خنفساء، أو قارئ لا يقبل بالصعود الفقاعي للجميلة "ريمديوس"، هل كان هذا القارئ ليكمل من "التحول" لكافكا أكثر من سطرها الأول، أو ينتقل من صفحة إلى صفحة في "مائة عام من العزلة" لماركيز إلا انتقال الهازئ؟

أما في "سماء أقرب"، فبدا لي أن المشاركة في لعبتها مخاطرة. إذ أنها توقفنا عند باب عالم هذه الرواية ندقه إلى أن تكل أيدينا ولا ينفتح. نظل ننقِّل أعيننا بين أكرم ومازن، نتساءل أيهما الواقعي وأيهما الخيالي، أيهما الخالق وأيهما المخلوق؟ ومع كل قراءة للرواية لا نخرج بأكثر من التساؤل، في حين ينبغي أن ننبه أنفسنا إلى أن الاثنين شخصيتان في كتابة اسمه "سماء أقرب"، وعندئذ، عندما نتعالى على السؤال، عندما نبتعد عن هذه الدوامة، ربما نكون أقرب بخطوة إلى الحصول على مقعد في السماء، ربما يكون بمثل علو مقعد الكاتب، وكم هو عالٍ مقعد "محمد خير".

Thursday, January 23, 2014

حبا في التنوع والمقالة وياسر عبد اللطيف

حبا في التنوع والمقالة وياسر عبد اللطيف


في الوقت الذي يبدو فيه كل كاتب مستقتلا على شقة الإيجار القديم التي سكنها منذ أول عهده بالكتابة، أو مستميتا على البقاء في قطعة الأرض التي نالها بوضع اليد، يبدو ياسر عبد اللطيف مسرفا في التنقل بين شقق بالإيجار الجديد، يطل كلَّ حين من شرفة غير الشرفة على أفق غير الأفق. وفي الوقت الذي يبقى فيه أغلب الكتاب محاصرين كلٌّ في الحي الذي ولد فيه، أو بالتعبير العامي، في الحتة بتاعته، التي عرفها وألفها وبات هو نفسه من جملة الراكورات فيها،  يتنقل ياسر عبد اللطيف في الكتابة من حي إلى حي، مثلما تنقل في القاهرة بين وسط البلد والمعادي، ثم في العالم، بين بلدين.
ولماذا هذا التشبيه كله؟ لأن التشبيه الآخر مبتذل، أعني التشبيه الخاص بالفراشة والزهور، أو النحلة التي تنهل من رحيق كل زهرة بعضه، ولأن تشبيهي الفراشة والنحلة ينطويان على عيبين جسيمين يفتقر إليهما ياسر عبد اللطيف، فالنحلة تتنقل بين الزهور، صحيح، وتنال من كلٍّ بعض رحيقها، نعم، لكنها في النهاية تقدم منتجا واحدا، عسلا، قد يكون بنكهة زهر البرتقال مرة، أو بنكهة براعم البرسيم مرات، لكنه في النهاية عسل النحل نفسه، أما الفراشة فلا تنتج من تجوالها بين الزهور أي شيء، اللهم إلا المزيد من الزهور، فهي تساعد على الإنتاج بدلا من أن تنتج. في حين لياسر رواية وشعر وقصص، وعما قريب، كتاب مقالات.
نمط غريب في هذه الآونة ذلك الذي يمثله ياسر عبد اللطيف. نمط الكاتب الذي لا يراكم الطوبة فوق الطوبة أو الكتاب تلو الكتاب في قالب أدبي معين يألفه ويؤلف به، بقدر ما يتوسع أفقيا. تشبيه آخر من عالم العقارات والأراضي هذه المرة، ولم لا؟ ولكنه ـ أي النمط ـ ليس غريبا إلا في هذه الثقافة وفي هذه الأيام (باستثناءات قليلة منها يوسف رخا، وأنا، ومن أيضا؟). أما في الأدب العالمي فالأمثلة أكثر من أن تحصى: الروائي الشاعر كاتب المقال المخرج السينمائي الرسام، كل هذا في واحد. لبول أوستر مثلا، وهو حي يرزق، روايات، وشعر، وترجمات، ومقالات، وسيناريوهات، وأفلام أخرجها، وبرامج للإذاعة، ويعلم الله ماذا أيضا. سوزان سونتاج أيضا، ولم ترحل عنا إلا قبل سنوات قلائل، ناقدة روائية مخرجة سينما ومسرح وناشطة سياسية. ولكن الأهم من النماذج العالمية أن لدينا نحن في الثقافة العربية إرثا من هذا الكاتب متعدد المواهب. ألا يذكركم بشيء مثلا صلاح جاهين؟ أليس مثالا ناصعا على فنان تفيض طاقته على حدود نوع كتابي معين؟ ألم يكتب الأغنية والقصيدة والأوبريت، ويرسم، ويمثل، ويلحن؟ ألا تعرفون يوسف إدريس إلا بقصصه؟ وماذا عن مسرحياته ومقالاته وروايته ونوفيلاته؟ طه حسين؟ أهو طه حسين الشعر الجاهلي فقط؟ أما من مؤرخ فيه؟ وروائي؟ وناقد؟ وتوفيق الحكيم؟ ألا تقول "يوميات نائب في الأرياف" شيئا غير الذي تقوله المسرحيات الكثيرة؟ وما الذي يقوله مثلا "حمار الحكيم"؟ وماذا عن لويس عوض؟ صحيح أنني لن أتكلم عنه شاعرا فقد كان ـ في رأيي ـ شاعرا لا يطاق. ولكن العنقاء؟ أليس رواية كبرى من رواياتنا؟ ثم لماذا لم يعد أحد يكتب سيرته الذاتية فيمنحنا مثل ما تمنحنا أوراق العمر؟ ولماذا لم يعد أحد يرى في حوادث حياته ما يمكن أن ينتج كتابا أعتبره أساسيا مثل "مذكرات طالب بعثة"؟ وهذه الكتب جميعا كانت بجوار ـ وليست على هامش ـ كونه في الأساس ناقدا ومترجما ومؤرخا ومفكرا. ولا أريد أن أستشهد بأنيس منصور؟ فالشائع أن الإشارة إليه تنال من كل اسم آخر في هذه المقالة. لكنه يبقى مترجما جيدا، وقاصا ومسرحيا لا بأس به، وكاتب مقال من طراز رفيع وكاتبا آسرا في أدب الرحلات، ولولا باعه الطويل في كتب الخرافات والماورائيات والمواقف السياسية التي تخالف المواقف السياسية المعتمدة في صفوف الأدباء لكان له شأن آخر بيننا. ولكن ما الذي يجعلني أشير إلى أنيس منصور وهناك يحيى حقي؟
***
في تسعينيات القرن الماضي، راج مصطلح استحدثه الروائي "إدوار الخراط"، أو استعمله لا أدري، هو مصطلح الكتابة العابرة للنوع، وقيل "الكتابة عبر النوعية" وهو ـعلى ركاكته ـ عنوان الكتاب الذي ألّفه الخراط في المصطلح وأدبه.
يقول الخراط في حوار منشور في العدد الرابع والأربعين من مجلة نزوى إن المبدع قد يقحم "إحدى [كذا] منجزات أو تقنيات فن ما أو نوع أدبي ما بجانب الأنواع الأخرى بحيث ينشأ نوع من التجاور فقط أو النتوء أو النشاز" فلا تكون هنا الكتابة عبر النوعية قد تحققت، ولكن قد يحدث "تمثل واستيعاب [لـ]هذه المنجزات المختلفة من الأنواع الأخرى ومن الفنون الأخرى تمثلا واستيعابا تامين ثم صهرها وإدراجها في هذه الكتابة بحيث يتكون منها شيء لا أدري هل أسميه نوعا جديدا؟" ويمضي فيقول إنه إذا غلبت السردية بعد هذا على الكتابة فهي تنتمي إلى القص، وإذا غلبت عليها الإيقاعية فهي شعر، وإذا غلبت المشهدية فهي سينما. "ولكن قد يحدث، وهذا أمر نادر جدا وصعب جدا، أن تتوازن هذه المقومات وتتكافأ، بين الايقاع والسرد والحوار... الخ. كلها أو بعضها.. عندئذ، في هذا النوع النادر من التكافؤ أو التوازن تصبح الكتابة "عبر نوعية" بالمعنى الدقيق للكلمة".
***
لا أميل إلى الزج بأدب ياسر عبد اللطيف في ركام الأدب العابر بين الأنواع، وذلك لفارق جوهري بين أدبه وأدبهم: هو أنني لم أحب أكثر أدبهم وأحببت أدبه.
كان الأدب العابر للنوع في الأغلبية الكاسحة من نماذجه يميل إلى توشية الكتابة القصصية والسردية عامةً بنفحات من الشعرية أرى الآن أنها لم تكن تضيف إلى تلك الكتابات إلا الترهل، والتهويم، ولم تكن تزيدها وزنا بل ثقلا، إذ تحيلها إلى كيان كتابي عجيب يوقف القارئ مثلا من الرواية وقفته من القصيدة، فإذا هو مكرَه على القراءة السلحفائية، لتدبر الإعجاز في المجاز، وتذوق القيم الصوتية ـ أو الإصاتية بلغة الخراط، والنفاذ إلى أغوار الاستعارات والخيالات والرموز، وهذا نهج في القراءة قد يكون ممتعا في قراءة القصيدة أو حتى لازما في بعض الأحيان، لكنه لا يكون إنسانيا أصلا في قراءة رواية لها أن تمتد على مدار مئات الصفحات.
غير أنها وصفة وراجت في زمان قد يكون غير بعيد عنا، لكنه يبدو الآن نائيا، مثلما تبدو الوصفة نفسها بائدة.
ياسر عبد اللطيف لا يفعل هذا، لا يقترض للرواية أو القصة من جماليات الشعر مثلا، وهو شاعر، بل يمزج بين القص والمقال. فثمة إذن عبور بين نوعين، ولكنه ليس العبور السهل، فالانتقال هنا ليس من فن ذي جماليات مستقرة إلى آخر غني بالجماليات، بل هو عبور من الفن إلى جنس طالما قيل في حقه إنه يتنافر مع الفن، فطالما اعتبرت "المقالية" عيبا في القصة أو الرواية ـ ولو على المستوى المحلي البائس. (أما في العالم، فيكاد كونديرا مثلا ألا يوعز إيثاره الرواية الأوربية على الأمريكية إلا إلى سبب واحد هو ترحابها بالتفلسف والتأمل والمقالية).
ليس العبور الذي يقوم به عبد اللطيف في كتابته هو العبور الانتهازي بحماقة، فالمقال ليس أول مغارة ينبغي أن يبحث عنها الراغب في السطو على جواهر الجماليات، فليس فيه مشهدية السينما، أو غنائية القصيدة، أو إيقاع الموسيقى، ولكن فيه ما ينبغي أن يثير لعابا معينا فيمن يملك القدرة على إفراز هذا اللعاب: فيه الأفكار، فيه فسحة التأمل، وفيه أيضا أداة للتخفف من السنتمنتالية التي قد تلوث كاتب القصة مثلما قد تلوث الشاعر، لكن كاتب المقال يبقى الأقل احتمالا للتلوث بها.
وأحسب أنه لولا قيم المقال لتحولت "قانون الوراثة" ـ وهي باكورة سرديات عبد اللطيف ـ إلى بكائية، لكن التأمل ودرجة من التوثيق والتأريخ كبحا ما كان يمكن أن يثيره موضوع الرواية من نزوع إلى النوستالجيا والنواح. والمقال يحقق للكاتب انفصالا عن الموضوع قد يستعصي على كثيرين من الكتاب، لا سيما حينما ينهلون في كتبهم من حياتهم الخاصة، أو حياة من يكونون قريبين منهم.
***
دأب "ياسر عبد اللطيف" على كتابة مساهمة أسبوعية لملحق شرفات الثقافي الذي يصدر مع جريدة عمان، وكنت الوسيط بينه وبينه الملحق، أتلقى هذه الكتابات وأحولها إلى الزملاء، ولم يحدث مرة أن مررتها دون قراءة، ولم يحدث مرة أن صدر العدد دون أن تعاودني الرغبة إلى معاودة قراءتها، ولما تحولت المساهمة الأسبوعية تلك إلى كتاب، أرسله لي ياسر ضمن برنامج الكتاب المصريين المغتربين لتبادل الكتب إلكترونيا، وهو برنامج، لو تعلمون، ضرورة.
لا أعرف هل سيكون هذا الكتاب الوشيك لا يزال وشيكا أم سيكون قد صدر عند نشر هذه السطور. عنوان الكتاب على أية حالة هو "في الإقامة والترحال"، وبه يستكمل عبد اللطيف تقليدا كتابيا مصريا أحياه قبل سنوات قليلة الراحل ابراهيم أصلان في بعض كتبه الأخيرة، وكان لدينا من قبل في هذه السكة كتب لعشرات الكتاب أبرزهم بالنسبة لي يحيى حقي، ولويس عوض، وكثيرون غيرهم.
لا أقصد كتب السيرة الذاتية بالضبط، لكنني أقصد ما يعرف بـ المقال الشخصي. وأنا ـ بصفة شخصية ـ تسهل عليّ التفرقة بين المقال الشخصي وبين المقال السيري. ففي الأخير ثمة قصة تروى، وفي الأول ثمة فكرة تبتغى، لكنها على عكس أفكار المقالات لا تطرح بغرض إثباتها، فليس في الأمر حجج، ولكنها تجربة تصفى إلى جوهرها أو تقلب على أوجهها، ثم توضع بين يدي القارئ في تواضع.
في المقال الشخصي، حسب ما أسميه، أو حسب ما يسمى، لن تجد الكاتب الحكيم بل الكاتب السائل، ولعل السائل لا سواه هو الحكيم. في المقال الشخصي، لن تجد الكاتب المتباهي بمعارفه، بل الكاتب المستمسك في معارفه، لا ليقينه بها بل لأنها ما لديه. ثمة في المقال الشخصي لون من التواضع يذكرك بأن من وراء السطور التي تطالعها إنسانا مثلك لا كاتبا يمتاز عنك بثقافة وقلم وحق في أن يحيل ما يعبر في ذهنه إلى سلعة بل إلى ثقافة. تقرأ المقال الشخصي فتجد من ينبهك إلى أن حياتك ببساطة ثرية، صالحة كما هي لأن تكون مصدرا للمعرفة.
في الكتاب، أي "في الإقامة والترحال"، وعلى سبيل الاختيار العشوائي، مقالة عنوانها "فيتامين د"، يستهلها الكاتب بمعلومة استقاها من لقاء مباشر مع طبيبه، وهي أن المهاجرين من البلاد الحارة إلى كندا غالبا ما يعانون من نقص فيتامين د لافتقادهم الشمس. تصحبه هذه المعلومة، أو هي تؤرقه، ولكنه لا يكشف لنا عن هذا، سيتضح في نهاية المقال أنها بقيت كامنة في رأسه طول الوقت. ينتقل من حيث يقيم إلى حيث يقصف، في برد كندا، وفي البار يتعرف بفاطمة المنتمية إلى الجيل الثاني من مهاجرين أفارقة هنود، فاطمة التي فقدت لكنة المهاجرين الأوائل، والتي لعلها أيضا استعادت النسبة الطبيعية لفيتامين د في جسمها.
بين قوسي الفيتامين هذين، ثمة حانة، وحوار مع نادل أبيض، ومع نادلة سمراء، وإشارة إلى طقس قديم منسي منذ سنوات هو "تدوين هذا الكلام بالقلم في دفتر".
"هذا الكلام". التسويد والإمالة من عندي. لا ادعاء هنا. بل أقل وصف ممكن من الكاتب لكتابته. الكلام. لا الخواطر، ولا المشاهدات، ولا التأملات، ولا الأفكار بطبيعة الحال. إن هو إلا كلام، وإن هو إلا تدوين. ولكن هذا التواضع خادع أيضا. لأن ثمة وصفة، أو بالأحرى معادلة يعرفها ياسر عبد اللطيف فيحيل بها ما يمر في ذهنه إلى ما يجب أن يبقى في أذهاننا.
هو مكوِّن كالذي عرفه يحيى حقي من قبل فجعل قراءة مقدمته لرباعيات صلاح جاهين ممتعة مشبعة مدهشة بقدر ما في قراءة "دماء وطين" أو "خليها على الله" من إمتاع وإشباع وإدهاش. مكوِّن لعله يسمى الأسلوب، ويا لها من كلمة غامضة لا أعرف لها أولا من آخر.
إنما أعرف، أن ياسر عبد اللطيف في كتبه الأخيرة، القليلة ولكن إلى حين (وهذه نبوءتي)، يمتلك هذا المكوّن الذي يجعل به ما يكتبه، مهما اختلفت أنواعه وقوالبه، أدبا. لعل هذا المكوّن ـ الذي يختلف بالطبع من كاتب لآخر ـ يتعلق بلغة الكتابة نفسها، بروح في الكتابة قد تكون خفة الدم الآسرة عند يحيى حقي، أو القدرة الملفتة على الملاحظة عند ياسر عبد اللطيف، وعلى صياغة الخاطرة الغائمة في فكرة بل وفي حكمة في بعض الأحيان. ولكنني أحسب أن ثمة ملمحا مشتركا ـ أو يجدر به أن يكون مشتركا بين كل الكتاب إن هم شاءوا أن يكونوا هذا النوع من الكتاب: أن لا يكون للمقال عند أحدهم قلم غير الذي للرواية أو للقصة أو للقصيدة، أن لا تكون للمقال غاية أدنى من غاية المسرحية أو الأغنية، أن يؤمنوا بأن الاسم الذي ينسب إليه المقال هو نفسه الاسم الذي تنسب إليه الرواية. هذا أمر يراعيه ياسر عبد اللطيف، وتغفل عنه الأغلبية الكاسحة من كتّاب ما يسمونه المقال والمقال منهم بريء.
***
لا أعرف من أي مصدر بالضبط بلغني أنه كان يقال ليوسف إدريس إن كثيرا من مقالاته الأسبوعية في الأهرام "قصص مجهضَة". لا أذكر أين قرأت هذا أو سمعته. أما ما أذكر أني سمعته من وحيد حامد في لقاء تليفزيوني معه فهو أنه نشر مقالا في  "روزااليوسف" وقرأه "شريف عرفة" فاتصل به يعنِّفه على أفكاره التي يهدرها في المقالات، قال له "هذا فيلم يا وحيد"، فلما أعاد حامد قراءة مقاله، شرع فيما أصبح لاحقا "الإرهاب والكباب".
كثير من "مقالات" ياسر في كتابه الوشيك هذا فيها بذور قصص قصيرة، أو هي قصص قصيرة لا ينقصها لكي تقرأ قراءة القصص أو تعامل معاملتها إلا أن توضع تحت هذه اللافتة. ربما لهذا السبب انسقت وراء فكرة الكتابة العابرة للنوعية، ربما لأن ما يكتبه ياسر عبد اللطيف في الإقامة والترحال كان يصلح فعلا أن يكون نواة سيرة ذاتية أو مجموعة قصصية أو رواية، ولعل من أصحاب ياسر من سيقرأ هذا الكتاب فيقول له "خسارة يا بِلْد، كانت مشاريع قصص ممتازة".
لكن مثل ذلك يقوله الراغبون في عمارة يتكرر فيها الطابق فوق الطابق فوق الطابق، في بلادة وسقم. دعوا هذا للمساكن الشعبية وبُناتها، ودعوا ياسرا ينثر بيوته، لكل بيت روحه وشخصيته ومكانه، فهذا بيت صغير في المعادي، وذاك بيت صغير في كندا.



Saturday, December 21, 2013

عن "نساء الكرنتينا": الواقع بعيرا والمعاكسة إذلالا


الواقع بعيرا والمعاكسة إذلالا

مع انتصاف ليل الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة 1999 انقسم العالم قسمين: قسم ارتحل إلى القرن الحادي والعشرين، وقسم بقي في القرن العشرين يلوح للراحلين، مستحلفا إياهم أن يحرصوا على سلامتهم في ذلك القرن المجهول، واعدا باللحاق بهم بعد عام واحد لا يزيد ولا يقل.
وفي صباح الأول من يناير سنة 2000، كان مواطنٌ صالح، يحمل كيسا فيه سندوتشات فول وطعمية ومسقعة وعلبة مخلل، يسير متجها إلى منضدة في مقهى يحتل أحد مقعديها مواطن آخر. استأذن أن يحتل المقعد الفارغ، فأومأ الجالس وفمه مترع بالبطاطس البوريه أن على الرحب والسعة. وها هما جالسان معا، مع أن بينهما ما هو أكثر بكثير من رخامة المنضدة؛ فكل منهما في قرن مختلف. وهذا هو قبول الآخر، وهذا هو التعايش.
لعام كامل ظل الكوكب مقسوما بين هذين الفريقين، ولكن، دوان أن تنشب حرب، أو يحتدم صراع، إن هي إلا مقالات صحفية، وملاسنات تليفزيونية، وسرعان ما سكت الجميع، وعاشوا الأيام والليالي.
لا أريد أن أطيل عليكم، قولوا أطل، ولكني أحدثكم عن رواية ظهرت في ذلك العام عنوانها "الـ 2000 .. قصة الحرب الكبيرة" وتتناول هذين الفريقين بالذات متصورة بينهما حربا ضروسا، ونشرت مقالتان عنها في عدد واحد من مجلة، وعلى صفحتين متقابلتين، إحداهما بعنوان: "نظرة سوداوية على الحاضر"، والأخرى بعنوان: "نظرة سوداوية على المستقبل". وليس هذا ببعيد عن رواية أخرى، أكلمكم عنها.
(ولكن، قبل أن أكلمكم عن الرواية الأخرى، أحب أن أسأل: في عام 2000، لماذا لم ننتبه إلى أننا جميعا متفقون على أنه عام 2000؟ لماذا لا نبحث عما هو مشترك بيننا، علينا اللعنة؟ ولماذا ـ وهذا هو السؤال المهم لأن السابق تافه ـ كنا نسلم أننا في عام 2000 برغم أن أغلبنا لا يعترف أصلا بالشخص الذي مر على مولده ألفا عام؟ نحن، لا أخفيكم، غرباء الأطوار.)
***
أكلمكم عن "1984" لـ "جورج أورويل".
لو اتفقنا على أن هذه الرواية تبدأ بالضبط بأولى كلماتها وتنتهي بآخر كلماتها، لو اتفقنا على أن هاتين الكلمتين هما الحدان النهائيان الثابتان لهذه الرواية، وأن أي معلومات أخرى من قبيل أن الرواية مثلا كتبت قبل سنة 1984 أو بعدها أو فيها، أو تأثرت كتابتها بغول الحرب العالمية الثانية، أو بغول الشيوعية، هي جميعا معلومات من خارج الرواية، من غير النص، لو أننا اتفقنا على هذا، فهل سيكون من الممكن أن نقرأ "1984" بوصفها استشرافا للمستقبل الأسود الذي سيكون في سنة 1984؟ أتصور أن ذلك سيكون أمرا شديد الصعوبة! سيكون بالفعل من الصعب أن نخلص إلى هذه النتيجة، خاصة والكتاب لا يقول مثلا: اعلموا يا أهل عام 1948 (السنة التي كتب فيها الجزء الأكبر من الرواية) أنه لن تحل على الإنسانية سنة 1984 إلا وقد استبدت بالعالم ثلاث دول صفاتها كذا وكذا، ومنها الدولة الفلانية، وفيها مدينة هي لندن يطغى عليها "الأخ الكبير" ويخضع أهلها جميعا لرقابة لا فكاك لهم منها وإلى آخره.
واقع الحال أن رواية 1984 التي تبدأ بأولى كلماتها وتنتهي بآخرها، إنما هي عن سنة 1984 خالدة ومؤبدة، لم تسبقها سنواتنا التي عشناها ولم تعقبها سنواتنا التي نعيشها، وحينما جاءت سنة 1984 على واقعنا، لم يبد أن مجيئها قد هز صفحة في الرواية.
***
هذا، وإن كوننا ـ أو اصطلاحنا على أننا ـ في سنة 2013، أنا وأنتم و"نائل الطوخي"، أمر لا ألاحظ إشارة إليه من قريب أو بعيد في "نساء الكرنتينا". ومن ثم، تعالوا ونحن نتكلم عن "نساء الكرنتينا" لا نتكلم عن المستقبل.
***
وأستقوي بالخارج:
أومبرتو إكو ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ في كتابه "ست نزهات في غابة السرد" (ترجمة سعيد بنكراد) يتكلم عن فارق بين نوعين من القارئ: أحدهما الفعلي، وهو تقريبا كل مجيد للقراءة تقع بين يديه نسخة من "نساء الكرنتينا"، وقارئ نموذجي أفهم أنه حاصلٌ من تعاون مع النص المكتوب بالذات، قارئ فعلي يقرأ الرواية أو هو يحاكمها بحسب معارفه هو، وقارئ نموذجي يتعرف على قوانين الرواية ويعملها في قراءته لها أو حتى في حكمه عليها. قارئ يرفض أن يتكلم الذئب، وقارئ يكون كله للذئب آذانا صاغية.
يستطيع القارئ الفعلي ـ وحده ـ أن يحكم على رواية "نساء الكرنتينا" بأنها تستشرف المستقبل، لأنها تدور في عقود من القرن العشرين تقع جميعها في مستقبله، أو يراها "سخرية" من "واقعه" لأن فيها إشارات إلى أشياء يعرفها في عالمه، ويصادفها فيه.  يستطيع أن يقدم على هذا، لأنه يستطيع أن يقرر في كل يوم من عام ألفين، أنه لا يزال في القرن العشرين، أو أنه سبق زوجته ـ المحظوظ ـ إلى القرن الحادي والعشرين.
وله، هذا القارئ الفعلي، وهو يقرأ "نساء الكرنتينا" أن يلاحظ ـ ما لم يكن أعمى ـ أن هناك "علي وإنجي" وكلنا نعرف من أي سينما رديئة جيء بهما، وخالد سعيد، ومنا من يعرف عن قضيته تفاصيل ربما لا يعرفها كل أهل الكرنتينا، ومفيد أبو الغار وكلنا رأيناه جالسا على الرصيف في نهاية المسلسل وقد رفع قميصه رايةً بيضاء بينما صوت فردوس عبد الحميد يدعونا إلى النزول في كل ميادين مصر يوم 28 يناير 2011 لمساندة الواقفين في وجه البلدوزر. كل قارئ منا لهذه الرواية قادر ـ ما دام مصرا على بقائه القارئ الفعلي ـ أن يلاحظ في "نساء الكرنتينا" بين الحين والآخر ما أحب أن أسميه بـ "معاكسة الواقع".
***
لا يعترف المعجم بالمعنى العامي المصري لـ "المعاكسة". أو هذا ما تبين لي وأنا أبحث في لسان العرب ـ على الإنترنت ـ فلا أجد للكلمة نفسها وجودا. هناك الكثير من الاشتقاقات من "عكس"، والكثير من المعاني الملهمة، ولكن "المعاكسة" غير موجودة بمبناها هذا، أو بمعناها: "التحرش" الرقيق، بل البريء ربما، الذي في أغلب الحالات لا يبتغي من وراء وجوده شيئا، والذي لا يتطور ليكون ما هو أكثر من نفسه، إلا بالكثير للغاية من الحظ السعيد أو التعيس.
ولكنني بحاجة إلى هذه المفردة، وهذا المعنى، إضافة إلى الإرث القاموسي القديم، لأصف ما تفعله "نساء الكرنتينا" مع واقعنا: تعاكسه.
يقول لسان العرب إن العكس هو رد آخر الشيء على أوله. ويأتي في "صحاح اللغة"، وتأملوا أرجوكم، أن العكس هو "أن تشد حبلا في خطم البعير إلى رسغ يديه" لماذا؟ "ليذل"، وإنني بحاجة أيضا إلى هذا المعنى: الإذلال. أن "تعاكس" الواقع بهدف إذلاله. الواقع بعيرا، والمعاكسة إذلالا. ألا يصلح هذا، والنبي، عنوانا لهذه القراءة؟
***
تعاكس الرواية واقعنا بتوسيعه، بالمساواة بينه وهو الملموس القائم وبين غير الملموس الخيالي، كالفيلم أو المسلسل، فكلاهما مصدر من مصادر نساء الكرنتينا، وكلاهما يمكن التلاعب به بحرية شديدة وكأنما ذاكرة القارئ ـ الفعلي، أكرر ـ ليست مرجعا جديرا بالاحترام على الإطلاق. تعاكس الرواية الواقع لا بأن تتعامل معه كخامة وحسب، بل بأن تراه خامة على رف مليء بالخامات التي لا يفضل بعضها بعضا.
تعاكس الرواية مفهوم البشر السائد عن التاريخ. فالذي يصنع التاريخ في هذه الرواية ليس حتى ذلك الشيخ الجالس إلى قنديل، بلحيته الطويلة المعرضة للاحتراق في أية لحظة، يسجل "الحقيقة". وإنما هو أحيانا امرأة في قعدة تحشيش مع بنتين، تصنع لهما التاريخ، وفي ثنايا ذلك تضرب عرض الحائط بما في واقعنا من جرائد وكتب ومحاضر. فصانعة التاريخ ـ "أم صلاح" ـ تغير على قصة نعرفها بقصة "ريا وسكينة" لتنسبها إلى امرأتين أخريين هما "نادية" و"اعتماد"، وهي لا تكتفي بذلك، بل تسلب قاتلتينا شرف القتلة، لتجعل منهما داعرتين في الأساس، وهو تبديل ربما يتجاوز معاكسة الواقع ليدخل في باب الإساءة لسمعة مصر.
وعلى ذكر التاريخ. ربما يكون التاريخ هو أكثر ما تلح عليه حلقات الملحمة جميعا. فثمة هوس لدى جميع شخصيات الرواية الرئيسية بصناعة نسخة من التاريخ تبرر الحاضر، وكأنما رغبة الفرد البسيطة في تغيير واقعه ومصيره لا تقوم مبررا كافيا لمحاولته التغيير، بل ينبغي أن يمتلك سردية تبرر وجوده نفسه. ولعل ذلك درس يخرج به قارئ الرواية إلى الواقع، فيفهم لماذا وضع حسني مبارك رأسه في الصورة الشهيرة في موضع رأس سعد الشاذلي.
وتعاكس الرواية اللغةَ المفترضة في الأدب. ولعل أول، وربما أكثر، ما يصدم القارئ في هذا الكتاب هو لغته. اللغة المغايرة بوضوح لما اصطلح عليه لغةً للأدب، اللغة التي لا هي بالعامية ولا هي بالفصحى، بل هي حرة في الانتقال حيثما شاءت، وبذلك يستحيل محاكمة هذه اللغة وفقا لأي قانون.
ولكن ما ينبغي ـ في تصوري ـ أن يلفت النظر أكثر من هجنة لغة الرواية هذه هو دلالة تماهى لغة السارد مع لغة الشخصيات، بحيث لا يكاد القارئ يلحظ فارقا في المستوى بين لغة السرد ولغة الحوار. فلعل ذلك التماهي ينبئنا بشيء عن موقع السارد، لعله يقول إن السارد يكتب من هناك، من الكرنتينا، من العشوائية، والخروج على القانون، من الأرض التي يبدو أنها مثلما رفضت سلطة الحكومة، رفضت أيضا سلطتي المجمع اللغوي و"المتن الأدبي".
بريئة للغاية مفردة المعاكسة. بريئة ربما أكثر مما ينبغي. ولعلها مستفزة مثلا لعالم الاجتماع حين يرانا نستخدمها لوصف شكل الأسرة الرهيب كما تقدمه الرواية، ومستفزة لرجل الدين حين يرى تصور أبطال هذا الكتاب عن الإسلام وطريقة استخدامهم له ويرانا نعتبرهما محض معاكسة، مستفزة للشعراء حين يرون ما في الرواية من أغنيات، وللنحاتين إذ يرون تمثال الفرخة، وللرسامين وهم يرون لوحات حمادة البنفسجية الرقيقة، ومستفزة للبشر، لأي إنسان ينتظر من إنسان مثله أن يحترم على أقل تقدير قيمة الحياة نفسها.
ولا تتوقف الرواية في صفحة واحدة عن معاكسة واقعنا ووعينا وما استقرت عليه حضارتنا. ولكن الرواية، من قبل ومن بعد، وكأي عمل فني يستحق هذه التسمية، تعاكس واقعنا المعاكسة الكبرى: باغتنائها عنه، ببقائها مغلقة دونه، بوجودها وجودا لا يعتمد على شيء فيه، برغم كل ما قد يتصور القارئ أنها إحالات إلى واقعه، غير منتبه إلى أنه قارئ عابر على الرواية هو وواقعه وتارخيه وفنونه.
***
طبيعي أن ينزعج كل هؤلاء: علماء الاجتماع والدين، والنحاتين والرسامين، والشعراء، والروائيين.
طبيعي تماما.
ووارد أيضا، على فكرة، ألا تجد القطط تسلية من أي نوع حينما تشاهد القط توم وهو يلحس الأرض تحت قدمي الفأر جيري. وارد أن تقول القطط لسنا بهذا الغباء فيعجزنا فأر، ولو حدث وأعجزنا المرة  تلو المرة تلو المرة فنحن أذكى من أن نستمر في محاولة النيل منه، أذكى من أن نبقى جامدين غير قادرين على تغيير اتجاهنا إلى وجهة أخرى، ولكن، لنكن واضحين: أفلام توم وجيري غير موجهة للحيوانات، لأن الحيوانات ـ ووالت ديزني يعلم هذا جيدا ـ لا تتكلم الإنجليزية.
فليغضب إذن البشر إن هم رأوا كيف يظهر أمثال لهم في رواية الكرنتينا تائهين مضحكين يتحاربون على التوافه، يتعصبون كل واحد لـ "منطقه" العبثي. ولكن لن تكون هذه مشكلة الكرنتينا، لأنها لم تكتب للبشر، إلا القادرين منهم أن يتعالوا على بشريتهم وأن يمارسوا السخرية من أنفسهم.
ولكنني لم أعمد إلى استخدام "المعاكسة" إلا رفضا لمصطلح "السخرية" من الأساس.
لقد بدا لي أن في اعتبار هذه الرواية "سخرية" عدوانا على قانون الرواية نفسه. الرواية التي تقدم الكرنتينا دون أن تزعم أنها أفضل من نموذج آخر، دون أن تزعم أنها بديل، أو هي ـ كما يثبت في النهاية ـ ليست البديل القادر على البقاء، فهي في النهاية تنهدم، وكل المجد والبطولة، وكل تفاصيل الحياة، وكل الشهد والدموع، وكل براءة الأطفال وطموح الملائكة، كله لا يبقى في النهاية إلا قمامة يجوع فيها الكلب.
تبدو لي السخرية ـ مقارنة مع ما تفعله الكرنتينا ـ أقرب إلى ما يعرف في أوساط المذيعات وصحفيي الرياضة والفن بـ "النقد البناء". تبدو شيئا شديد الرصانة بل القتامة، شيئا لا يستهدف ذاته، شيئا ناقصا لا يكتفي بمجرد وجوده، بل هو عالة على غاية خارجه، غاية قد يكون اسمها تحسين الصورة، وقد يكون وجودها نفسه قائما على تصور مثالي بديل للشيء موضع السخرية، أو منطلقا من مآخذ على الشيء موضع السخرية إن هي زالت لم يبق لوجوده هو أي معنى. في حين: لا الواقع الذي نعيش فيه يستحق هذه السخرية، ولا الرواية ـ في قراءتي ـ تفعله.
***
في فيلم "لخمة راس" (2006) ثمة بلطجي ظريف لعب دوره "أشرف عبد الباقي". اسم هذا البلطجي هو نخنوخ. بعد سنوات من عرض الفيلم، تقوم ثورة، ويحدث أن يتم إلقاء القبض على بلطجي اسمه نخنوخ، يتبين أنه كان صديقا لبعض الفنانين، وفي بيته تعثر الشرطة على أسد، وسلاح، ونساء، ويثور كلام عن علاقة بينه وبين كادر مهم في أعرق جماعات الإسلام السياسي في العالم، هذا الكادر بالذات هو الذي بعدما تتغير الدنيا، يجد نفسه في موقع يتيح له ـ فيما أشيع ـ أن يطلب مقابلة رئيس المخابرات الحربية، ويقابله، ويقابل معه وزير الدفاع، وهذا الكادر هو الذي بعدما تتغير الدنيا مرة ثانية، يتم إعلانه رئيسا لمصر القادمة فور أن تتغير الدنيا لمرة ثالثة، ويقولون إن "نساء الكرنتينا" تسخر من الواقع! إنما يسخر الواقع من نساء الكرنتينا. فما الذي يمكن أن يجمع بين بلطجي، وممثلين، وأعضاء جماعة إسلامية، وأسد؟ ماذا إلا أن نكون في غسالة كبيرة كما يرد في موضع ما من نساء الكرنتينا.
في نساء الكرنتينا، الجميع من طبقة اجتماعية واحدة، أو من شرائح متقاربة في طبقة واحدة، والعلاقات منطقية بين الجميع، فهم في النهاية داعرات وقوادون وتجار سلاح ومخدرات ورجال شرطة فاسدون، والطموحات منطقية: المال، السيطرة على حي صغير في مجرد مدينة. ليس في الكرنتينا بلطجي تعتقله الشرطة فيتبين أنه يمتلك صحيفة، ثم تدور الأيام فإذا بصديقه ـ كادر الجماعة الإسلامية ورجل الدولة القوي ـ يختبئ من شرطة الدولة، وجيش الدولة، وفي النهاية يُزَج به في السجن، كل هذا وهو مبتسم، ثم يخرج البلطجي ليتنفس مرة أخرى نسيم الحرية.
لا أريد أن أقول إن نساء الكرنتينا أكثر منطقية من الواقع أو أقل منطقية منه، أو أن لها منطقها المغاير عن منطق الواقع. أريد أن ننسى الواقع تماما، ونقرأ الرواية. أو نغلق الرواية تماما، ونعيش الواقع.
***
تبدأ نساء الكرنتينا في الثامن والعشرين من مارس 2064، وهو اليوم الذي تنتهي فيه الكرنتينا تماما على يد الشرطة، وكذلك على يد الصف الثاني من قيادات عصابتيها. تبدأ الرواية مع كلبين، كل يشمشم في زبالة جديدة تماما عليه.
ومن ثم تكون الرواية كلها فلاش باك بطول صفحات الكتاب كله. أو هي حكاية طويلة يحكيها لنا راو عليم قلنا من قبل إنه يحكي من داخل الكرنتينا، بلغة أهلها، وبتماه بين منطقه ومنطقهم. يحكي لنا، فنتعلم من حكاياته المتتابعة أن الحكي كل مرة ما هو إلا مقدمة لقتال ومسوغ له، ما هو إلا آلية لحشد أنصار حول سردية، ونتعلم أيضا أنه يكون متزامنا كل مرة مع حكي مضاد، مع تكوّن سردية مقابلة، يحتشد حولها أنصار آخرون. يحكي لنا الراوي، فإذا الكل أبطال، علي وسوسو وإنجي وحمادة ومنة وأميرة ولارا ويارا، والجميع، لأن الرواي منح كل واحد الفرصة لتأليف نسخته من التاريخ. والراوي ربما هو الآخر تعلم اللعبة. وهو بهذا الذي يرويه يختار أسلافه، ربما هذا الراوي المجهول ليس أكثر من ربيب امرأتين رأيناهما معا في نهاية الرواية: "أم صلاح" و"الشيخة صالحة". لعله يستعد لحرب كبيرة، تريد الاستيلاء على الإسكندرية وتغيير العالم ـ المخروم كما تنبئنا نساء الكرنتينا. ولعلنا لا نحتاج إلى ذكاء كبير، أو قدرة استثنائية على التنبؤ، لنعرف ضد من يحشد هذا الراوي الأنصار، ضد من خربوا الكرنتينا في النهاية، ضد الشرطة، والحكومة، ضد الذين انتصروا على الكرنتينا، ثم لم يسمح لهم بكتابة التاريخ الذي، فيما يبدو، ليس أحوج إلى كتابته من المهزومين.



نشرت اليوم في أخبار الأدب 

Tuesday, April 30, 2013

كلام عن الوكيل ومرسال ومكاوي



فى مديح الطبعة الثانية
كلام عن الوكيل ومرسال ومكاوي

صدرت مؤخرا الطبعة الثانية من رواية "فوق الحياة قليلا" للسيد الوكيل، وقرأت أن طبعة ثانية قد صدرت من ديوان "ممر معتم يصلح لتعلم الرقص" لإيمان مرسال، فى الوقت الذى أقرأ فيه كتاب "للحب والحرية" الصادر فى 2003 عن المجلس الأعلى للثقافة والذى أعاد فيه الأستاذ الدكتور عبد الغفار مكاوى نشر قصائد كان قد ترجمها فى كتابه الفذ "ثورة الشعر الحديث" وغيره من كتبه الرائدة.
حين صدرت "فوق الحياة قليلا" كنت ذلك المجذوب ـ ولا أزال ـ بنجيب محفوظ، كما كنت شغوفا بالغيطانى والبساطى وصنع الله والمخزنجى وابراهيم أصلان وابراهيم عبد المجيد، وصار علىَّ أن أضيف إلى قائمة المفضلين لدىَّ اسم سيد الوكيل. رغم أننى لم أكن قرأت له حتى ذلك الحين إلا تلك الرواية.
فى هذه الرواية صيد ثمين ظفر به الوكيل حين تناول حالة الكاتب العائش "فوق الحياة قليلا"، ليس بما له من إحساس مرهف ـ أو مفرط ـ بذاته، بل بما له من قدرة على رصد هذه الذات وتفاصيل حياتها كافة وكأنها حياة أخرى لكائن آخر. كانت الرواية أكبر من صيد، بدت لى تشخيصا دقيقا لمرض كنت أستشعر أنه تلبسنى منذ وقت مبكر من حياتى، من قبل أن أمسك قلما أو أخط حرفا، مرض جعلنى ـ ولا يزال ـ أتعقب ذاتى فى كل ما تفعل، أرصدها وأسائلها محاولا أن أعرف فى كل لحظة ما الذى أفعله ولماذا، هل أستمتع به، هل أنا صادق فى هذا الذى أفعله أو أحس به .... أسئلة طالما جعلتنى خارجا قليلا عن كل حالة أعيشها، كأنى ممثل دائم، يرتجل ربما، ولكن على خشبة مسرح أنا جمهورها الوحيد الذى يعرف أنها مجرد مسرحية، أم أنها ليست كذلك؟
هكذا كانت قراءتى للرواية، ولا أدرى إن كانت القراءة الثانية ستصل بى أيضا إلى تغليب هذا المستوى من القراءة على غيره أم سأنتبه إلى ألعاب أخرى أذكر أن الرواية تحفل بها؟
كنت كلما سألت أحدا عن رأيه فى "فوق الحياة قليلا" لا يزيد عن قوله إن فيها أثرا من كونديرا. لماذا لم ينتقص من بورخيس أن فيه أثرا من ألف ليلة وليلة؟ لماذا لم يعق ذلك الأثر النقاد عن العكوف على إبداع بورخيس (وأضع خطا سميكا تحت كلمة إبداع)؟ أليست الفرشاة مشاعا للرسامين من كل الاتجاهات؟ ألا يتمايز الرسامون رغم أنوفهم وإن انتموا إلى اتجاه فنى واحد؟ كل هذه أسئلة أظنها كانت كفيلة بالرد على من يكتفون بالإشارة إلى أثر كونديرا على الوكيل، ولكنها أسئلة لم أكن أثيرها، بل كنت اكتفى بصمت قليل الحيلة مرده أننى لم أكن ـ ولعلى لا أزال ـ قادرا على الدفاع عن عمل أحببته، أو الهجوم على عمل نفرت منه. لم أكن مدربا بعد على الكلام. ألم يحدث فى ذلك الوقت أن قرأ "محمود حامد" قصة فى "ندوة المسا" وقلت "إنها لم تعجبنى ولا أعرف لماذا"، فانتفض سيد الوكيل معترضا على هذا النقد الطفولى، ولولا مساندة الأستاذ محمد جبريل لى لكنت أنا الذى انقطع عن الندوة إلى الآن، وليس سيد الوكيل.
إن فرحتى بالطبعة الثانية من "فوق الحياة قليلا" تكمن فى كونها فرصة ثانية ليعيد قراءتها من وضعوا عليها بسرعة أقرب اللوافت إلى أيديهم، وليقرأها من لم يقرأ طبعتها الأولى، خاصة وأنها تصدر هذه المرة فى عدد أكبر ـ كما أظن ـ من النسخ ضمن إصدارات مكتبة الأسرة.
أما إيمان مرسال فصدر ديوانها البديع "ممر معتم يصلح لتعلم الرقص" وكنت متوقفا عن كتابة الشعر (الذى كنت أكتبه حتى ذلك الحين موزونا، بل وموزونا مقفى أحيانا)، وصاحبت صدوره جلبة إطراء جعلتنى أتحاشاه طويلا كما أتحاشى كثيرا مما يروج له المثقفون. ثم قرأته، وأقرأته ـ ولا أزال أفعل ـ للكثيرين حتى اهترأت صفحاته وحال بياض غلافه وها هى الفرصة تواتينى لاسترداده من جديد ببهائه الأول.
لم أعد إلى كتابة الشعر فور قراءتى لهذا الديوان. لكنه كان سببا فى استعادتى لإيمانى بالشعر. فمشكلتى التى لا زلت لا أجد لها حلا هى أننى أبادل الشعر حين يهجرنى هجرا بهجر، وليت موقفى هذا يكون عن عمد. الأمر أن كتابتى للشعر هى التى تجدد إيمانى بمعناه وضرورته، وبتوقفى عن الكتابة أجدنى عازفا عن القراءة أيضا، شاعرا بزيف الشعر وافتعاله. وجاء ديوان إيمان ليكشف لى عن إمكانات للشعر كانت غائبة عنى.
فى إحدى قصائد هذا الديوان تقول إيمان مرسال (وأكتب من الذاكرة): "أما أنا فأكاد أوقن أننى أفضح نفسى لأختفى خلفها".
أليس ثمة صلة بين هذا المعنى والمعنى الذى رأيت أنه كان أحد شواغل سيد الوكيل فى "فوق الحياة قليلا"؟ أحسب أن الصلة قائمة؛ فإذا كانت الرواية قد كشفت عن ذاتين للكاتب كل منهما ترقب الأخرى دون هوادة، فإيمان تكشف عن ذاتين إحداهما تُرسٌ للأخرى ـ ولا أريد أن أقول قناعا. فالأمر لا يعدو أن ذاتا تكتب نفسها بصدق، وما أن تفعل حتى تصبح الذات الكاتبة ذاتا أكبر، ذاتا حاوية للذات المكتوبة، ذاتا جديدة، وكأننا أمام مقلوب فكرة الدارما البوذية. وكأنما كان هذا المعنى يحضرنى حين كتبت "أنا .. أنا الذى كلما قلت: هذا أنا .. صرت غيرى .. وأبدا .. لم تلاحق المرايا ملامح وجهى .. وأبدا".
وكثيرا ما حدث لى وقد فرغت للتو من كتابة قصيدة أن عدت إلى ديوان إيمان لأتثبت أن عبارة بنصها أو معنى أو صورة لم تتسلل منها  إلى قصيدتى. إلى هذا الحد تشبعت بالطرح الجمالى الذى قدمه "ممر معتم".
وإذا لم أكن الشخص المناسب للحديث عن هذا الطرح الجمالى حديثا يصغى له النقاد والعارفون، فبوسعى الزعم بأن التوجه الجمالى لهذا الديوان ـ ودواوين أخرى لأسامه الدناصورى ومحمود الحلوانى وفارس خضر وعلى منصور وقليلون غيرهم ـ ليس مجرد "كتابة اعترافية" أو "كتابة للذات" كما قيل عنه، وإنما هو بالدرجة الأكبر كتابة تستهدف الذات، أقصد ذات الشاعر/القارئ فى آن، ذات الإنسان الذى "يقرأ إميلى ديكنسن ليعرف شيئا عن ذاته هو لا عن ذات إميلى ديكنسن" كما يقول بيلى كولينز الشاعر الأمريكى الجميل.
ويا لدلالة الطبعة الثانية، التى تؤكد أن هذا الطرح الجمالى قد تأكد بعد مرور سنوات.
وأيضا كان "ممر معتم يصلح لتعلم الرقص" ـ ولاحظوا أن لى ديوانا عنوانه "طريق جانبى ينتهى بنافورة" ـ  النموذج الأكثر إصرارا على حسٍّ لغوىِّ أزعم أنه الذى ساد المشهد الشعرى المصرى حتى الآن. لا أقول إنه أول من قدم هذا الحس، وإنما هو الذى ـ فى رأيى ـ كان الأكثر استيعابا له والأحرص عليه.
ربما لا أستطيع توصيف هذا الحس بدقة، ولكنى أقول إن ترجمة الشعر كما قام بها المهدى أخريف مثلا، والرواية كما قام بها صالح علمانى وغيره من الشوام، وربما انتشار حساسيات أخرى فى التعامل مع اللغة العربية عبر الفضائيات المختلفة، كشف فى اللغة العربية عن قدرات لم تكن بارزة بشكل كاف. وأجازف فأقول إنه كشف عن (جماليات للركاكة) كانت غائبة عن وارثى عبد الصبور وأقرانه. ولعلى أدلل على هذا الحس اللغوى بقصيدة للوركا كان الأستاذ الدكتور عبد الغفار مكاوى قد ترجمها فى ثورة الشعر الحديث، هذا نصها
إن متُّ
دعوا الشرفة مفتوحة.
الصبى يأكل البرتقال.
(من شرفتى أراه).
الحصَّاد يحصد القمح.
(من شرفتى أراه).
إن متُّ.
دعوا الشرفة مفتوحة.
ثم أعاد النظر فيها ـ أم أعاد ترجمتها ـ فى كتابه "للحب والحرية" لتجىء على النحو التالى:
إن متُّ
خلوا شرفتى مفتوحة.
الولد الصغير
يأكل برتقالة
(من شرفتى أراه).

والزارع الفقير
يحصد قمحه.
(من شرفتى أراه).
إن متُّ
خلوا شرفتى مفتوحة.
لأمر ما آثرت الترجمة الأحدث أن تتخلى عن جزالة "الصبى" لصالح براءة وطفولية ـ وركاكة؟ ـ "الولد الصغير". لأمر ما آثرت على "الشرفة" التى سيعرف كل قارئ للقصيدة أنها شرفة الذات المتكلمة صيغةَ "شرفتى" بما فيها من حميمية وذاتية وإيحاء بنبرة وصية المحتضر فى القصيدة. ولأمر ما آثرت الترجمة "خلوا" على "دعوا" و"المزارع" على "الحصَّاد" و"قمحه" على "القمح" و"البرتقالة" على "البرتقال".
لأمر ما، لعله غزارة نمط لغوى بعينه ظل الشعراء يكتبونه منذ ما يزيد على عقد، وسمح له مكاوى ـ بما له من عقل متفتح ـ بالتسلل إلى معجمه، وهو المترجم والمفكر الذى ساهم فى تكوين عشرات من معاجم الجيب التى ظل الشعراء من أجيال واتجاهات شتى يعيدون الرجوع إليها وهم يكتبون للحب وللحرية.
كان هذا المقال قد نشر في موقع الامبراطور في 9 يناير 2005 ولكنه الآن غير متاح على الموقع