Friday, September 02, 2016

نجيب محفوظ يبقى مثيرا للاهتمام نبقى مثيرين للامتعاض

نجيب محفوظ
يبقى مثيرا للاهتمام نبقى مثيرين للامتعاض



ليس يسيرا على شخص مثلي، ينسى أهم التواريخ في حياته، أن يتذكر تاريخ رحيل نجيب محفوظ أو تاريخ ميلاده، أو يتذكر إلا بشكل تقريبي في أي سنة بالضبط حصل على نوبل الأدب. لكن المصادفة وحدها جعلتني قبل أيام قليلة أنتهي من قراءة كتاب "هاشم النحاس" الصادر قبل بضع سنوات عن الهيئة العامة للكتاب بعنوان "يوميات فيلم القاهرة 30". ولم أكد أنتهي من الكتاب الممتع، إلا ووجدتني أعيد قراءة رواية "القاهرة الجديدة"، بدلا من أن أشاهد الفيلم! وما كدت أنتهي من ذلك حتى وجدت موسم الاحتفال بذكرى محفوظ قد حان، فانتشرت المقتطفات على فيسبوك وتويتر، وأعيد نشر المقالات المكتوبة والمنشورة طوال السنوات العشر الماضية.في "القاهرة الجديدة"، مضيت كدأبي أقرأ بالقلم، مبرزا السطور التي تستوقفني، كأنما أورِّث شيئا لنسخة تالية من نفسي، أو كأنما أشهد نفسي الآتية على نفسي الغابرة، أو لعلي علاوة على هذا وذاك أهدئ إيقاعي القرائي أمام مشهد على الطريق جدير بالتمهل، وبالتأمل.
***
لا أعرف أين قرأت أن الجريمة التي لا ينبغي أن يغفرها إنسان لنفسه هي أن لا يكون سعيدا. لعل انشغالي، وأنا على مشارف الأربعين، بالسعادة، وقياسي جدوى كل فعل وقيمة أي جهد على مقياس سعادتي الشخصية، لعل ذلك هو الذي جعلني أقرأ محجوب عبدالدائم ـ بطل القاهرة الجديدة ـ قراءة غير التي قرأتها لها من قبل. ربما ينبغي أن أبادر هنا بالتبرؤ من عبدالدائم، ومن اختياراته، وأن أوضح بما لا يدع مجالا للبس أنني لم يحدث ولن يحدث ولا يمكن أن أكون في مكانه، ويستحيل أن أتخذ قراراته، ولن يأمن مخلوق أن يعرض عليّ ما عرض على عبدالدائم. ولكنني، بعيدا عن هذه التخوفات التافهة، في قراءتي هذه للرواية، بعد سنين كثيرة حقا من قراءتي الأولى، كنت أريد لمحجوب في كل مأزق أن ينجو، بأي ثمن يدفعه. كنت أفهم وأنا في منتصف العمر ما فهمه عبدالدائم في غضاضة شبابه: إنها فرصة واحدة لحياة واحدة، وما الذي أراده عبدالدائم وباع في سبيله بعض ما يجعل الإنسان إنسانا؟ ليس أكثر من أن يجد ما يشبعه عند الجوع، جوعه إلى الطعام أو الحب أو الأمن. في القاهرة الجديدة، لم يطلب عبدالدائم إلا ما طلبه الإنسان البدائي في الغابة، وما أطلبه أنا وتطلبه أنت في القرن الحادي والعشرين. وكل مرة يتعذر على الإنسان طلبه البسيط هذا، إلا بقوة. قد تكون قوة الجمال، أو المال، أو السلطة، فإن تعذر ذلك كله فالانحطاط أيضا قوة. وعبدالدائم لم يملك من أسباب القوة إلا قدرته على التنازل عن بعض إنسانيته خدمة لبعضها الآخر.
ولم يتغير شيء.
في السنين التالية لثورة الخامس والعشرين من يناير رأيت مناضلين لا أستطيع أنا على الأقل أن أنسى أنهم وقفوا في وجه حسني مبارك معارضين شرفاء مرفوعي الأصوات في عز قوته وسطوة يده الأمنية الباطشة، ثم إذا بهم بعد سنوات قليلة من الفوضى يخشون على أنفسهم، ويحرصون على الجدران الأربعة التي تقيهم أنياب الناس وأظافرهم حرص الإنسان البدائي على كهفه، وإذا بهم يرفعون بيادة العسكر فوق رؤوسهم، ويقبلون من الطاغية الجديدة ما أنكروه محقين على الطاغية القديم. كيف أفهم هؤلاء ـ الذين تعلمت الكثير من قراءتي لهم ـ إلا بفهمي لمحجوب عبدالدائم، فهمي للإنسان حين يضطر إلى ترتيب أولوياته، فيقدم الأمن على الحرية، والاستقرار على الكرامة، ولا يعرف طريقة يحب بها نفسه إلا ممثلة في جزمة العسكر؟
في هذه القراءة للقاهرة الجديدة لم أتعلم فقط أن أفهم محجوب عبدالدائم، بل وجدت نفسي متورطا معه، لدرجة أن أستكثر في مشهد الرواية الأخير على أبيه مساءلته إياه، وتوبيخه له. اسكت، أردت أن أقول، اسكت، ماذا تعرف أنت عن محجوب عبدالدائم؟ اسكت، هذا آدم في أرض جديدة، وكل ابنٍ آدمُ أرضٍ جديدة لا يعرف أبوه عنها أي شيء. اسكت، وانتظر الموت مخلصا، لا تحاول بأنانية أن تترك قيمك لشخص لم تورّثه إلا أسباب شقائه، ولم يكن غيرك سبب لعنته.
لم يتغير شيء.
وأفكر، وأنا أضع بتمهل خطوطا تحت عبارات من الرواية، هل طبيعي أن تستوقف هذه العبارة أحدا: "الجامعة مكان لا يجوز أن يذكر فيه لا الله ولا الهوى"؟ أو حوار كهذا: " ماذا يحتاج جيلنا من مبادئ؟" "الإيمان بالعلم بدلا من الغيب، والمجتمع بدلا من الجنة، والاشتراكية بدلا من المنافسة"؟ هذه عبارات لا يمكن ـ في تصوري ـ أن تسمعها الآن في حوار بين طلبة في أي جامعة عربية، وهي في الرواية شذرة من حوارات بين طلبة. لا يستطيع روائي أن يكتب هذه العبارات واثقا أنه سوف يسلم بها. ولا يستطيع كاتب أن يضمنها مقاله إلا موضوعة بين أقواس، منسوبة إلى غيره، كأنما يتبرأ منها.
كان ينبغي بعد ثلاثة أرباع القرن على صدور رواية كهذه، أن تكون الجامعة فعلا مكانا لا يذكر فيه الله، كان ينبغي على أقل تقدير أن يؤمن الناس بالعلم إيمانهم بالغيب، ويعملوا من أجل المجتمع عملهم من أجل الجنة، ويروضوا المنافسة بالاشتراكية. كان ينبغي أن يتقربوا إلى الله إن شاؤوا بأن يستعملوا ما وضعه فيهم من عقل. كان ينبغي أن نقرأ أغلب أعمال محفوظ الآن قراءة الأبناء البررة إذ يتذكرون أباهم بأعماله أو يخلدونه باحترام طربوشه، لا قراءة التلاميذ الذين تمر العقود بدون أن يتجاوزوا معلميهم أو يضيفوا إلى منجزاتهم. ولكن شيئا من هذا لم يحدث، وبقيت عبارات محفوظ تتردد وتتواتر، مثيرة للاهتمام، لأننا نحن مثيرون للامتعاض.


نشرت اليوم في السفير

Friday, June 10, 2016

في 2025 تقريبا

في 2025 تقريبا

يوما ما
سوف أخلق امرأة
في رواية قصيرة.

لن أسكنها كوخا على جبل،
بل أغرسه في قلبها.
ولن أجعل قبرها في واحة
بل أعلقها في أهداب أحلامه.

سأريها في زحام مروري خانق
في أغسطس القاهرة
كلبة نائمة في بركة ظليلة قرب مقهى،
وأوقعها في غرام الروايات
وأملأ لها الروايات بالسفن،
والروابي،
وشجر الشوارع
الذي لا يتخاطف ثماره الجياع،
والنساء اللاتي يزرعن في الشرفات وردا
فيجدن على العتبات
وردا في سلال.

سأخلق امرأة لا تنتبه أن إصبعها مجروح
إلا حينما يرمي زبون في وجهها
طبق الرز الملوث بدمائها.

سأخلق امرأة تطرق باب بيت صديقة لها
فيظنها زوجها الشغالة.
ولا تنتبه إلى كرشها المتدلي
إلا حين تسخر صديقتها من الجيبة
التي اختارت أن تقترضها.

سوف أجعل اسمها شهد
أو ملك
أو بسنت
وأجعلها رواية قصيرة تصلح هدية
لمراهقة
في عيد ميلادها السادس عشر.
فتكرهني أنا
كأنني السبب.


Friday, June 03, 2016

"في غرفة العنكبوت" .. رواية القمع المضاد

"في غرفة العنكبوت" .. رواية القمع المضاد

بلغة شفافة، تحسب للرواية وتؤخذ عليها في آن واحد، يحكي "هاني محفوظ" حكايته في الرواية الصادرة حديثا لمحمد عبد النبي عن "دار العين" بعنوان "في غرفة العنكبوت".
لغة تحسب للرواية، بلا شك، لأنها ببساطة لغة راويها وشخصيتها الرئيسية، "هاني محفوظ" نفسه، الذي تقدمه الرواية مجرد جامعي علاقته بالأدب لا تتجاوز الاهتمام المتأخر بقراءته، بالعربية أحيانا وبالإنجليزية في الغالب، وتقدمه الرواية أبكم ـ مؤقتا ـ لا يريد من لغة الكتابة إلا التعويض عن امتناع لغة القول، ولا يريد من القول/الكتابة إلا الامتثال لنصحية طبيبه النفسي بالبوح.
وتؤخذ لغة الرواية عليها لأن "في غرفة العنكبوت" رواية في نهاية المطاف، وأحسب أن قارئ الرواية ينتظر أداء لغويا صالحا للتأمل في ذاته وليس مجرد أداة توصيل، لكنه هنا يصادف بين الحين والآخر لغة التداول اليومية وقد كسيت قشرة رقيقة لم تقترب بها من الفصاحة بقدر ما نأت بها عن سلاسة العامية وعذوبتها. هكذا يجد القارئ مثلا عبارة من قبيل "كانت شلته معظمها من أهل الفن والصحافة"، فلا يستطيع ـ في تصوري ـ أن يستسيغها إلا لو قرأها كعامية تداولية عادية. والحق أن مثل هذا ربما يصدق على رواية جميلة أيضا كـ "الحارس في حقل الشوفان"، فهي الأخرى رواية سمح كاتبها "جيه دي سالنجر" لبطلها المراهق "هولدن كولفيلد" أن يختار اللغة التي تحلو له (ولو أن كولفيلد ـ لو لم تخني الذاكرة ـ كان متفوقا في اللغة الإنجليزية خلافا لبقية مواده الدراسية).
ربما تنتمي رواية "في غرفة العنكبوت" ـ شأن "الحارس في حقل الشوفان" أيضا ـ لجنس رواية الـ Bildungsroman أو الـ coming-of-age novel، أي رواية بلوغ الرشد، أو النضج، أو حتى التكوين، الرواية التي تتبع شخصا في نشأته، وفي حيرته أمام أسئلته، وفي بحثه وصولا إلى إجاباتها. ولعل بوسعي القول إن "في غرفة العنكبوت" ـ مرة أخرى شأن رواية سالنجر ـ بارودي لهذا النوع من الرواية، فالبطل لا يكاد يتعلم من حياته شيئا. نحن نراه منذ طفولته الغضة، وإلى أن يتجاوز الأربعين، وهو يمضي عبر كثير من التجارب ـ لا العديد منها ـ فلا تزيده التجارب إلا حيرة على حيرته، دون أن تقدم له تقريبا أي إجابات لأي من الأسئلة التي تنغص عليه وجوده.
ولعل هاني محفوظ نفسه سؤال تطرحه هذه الرواية علينا، وأحسب أننا مطالبون بإجابته. فالرواية التي تتناول ـ ضمن ما تتناول ـ قضية "كوين بوت" التي اشتهرت في مطلع العقد الأول من القرن الحالي، حينما اعتقلت الشرطة عددا من المثليين ووجهت لهم العديد من الاتهامات العبثية وقدمتهم للمحاكمة في قضية أثارت كثيرا من الجدل في مصر وفي الغرب، هذه الرواية تضعنا بوضوح أمام سؤال ينبغي أن يكون سؤالا سهلا: أعني سؤال القمع، الذي يجدر بكل عاقل أن يرفضه بداهة. ولكنّ ثمة سؤالا آخر، ربما يكون أصعب، يمثله هاني محفوظ نفسه: هل نحن مستعدون أن نرى؟ لا بد أن يكون بيننا من يقرون بحق المثليين في ممارسة ميولهم الجنسية، دونما قمع لهم باسم الدين أو القانون أو أعراف المجتمع، ولكن هل حتى الذين يقرون بهذا مستعدون لأن يروه، فعلا؟ هل لديهم القدرة حتى على قراءته في رواية كهذه الرواية؟ أعتقد أنها لن تكون على البعض قراءة يسيرة.
"في غرفة العنكبوت" رواية شديدة السلاسة، ليس فيها التعقيد الجميل الذي يصادفه قارئ "رجوع الشيخ" مثلا، وليس فيها ذلك العرض اللغوي الباذخ الذي نجده في "بعد أن يخرج الأمير للصيد"، وليست فيها الانعطافات السردية الذكية التي يصادفها قارئ قصص "شبح أنطون تشيخوف" أو "كما يذهب السيل بقرية نائمة" (وكل هذه عناوين بعض كتب محمد عبد النبي السابقة). الرواية الحالية مجرد حكي بسيط ممتد بضمير المتكلم برع عبدالنبي في تقطيعه وتركيبه في حالة سردية رائقة. مجرد شخص يكتب حياته منذ أن وصل جده إلى القاهرة في بدايات القرن العشرين (حالما بالعمل مع نجيب الريحاني) وحتى اعتقاله هو نفسه على مشارف ميدان التحرير ليقضي شهورا في السجن مع من اعتقلوا في قضية كوين بوت. واعتقادي بأن قراءتها لن تكون يسيرة لا علاقة له بالتكنيك أو حرفة الكتابة، بقدر ما له علاقة  بالعالم الذي تصوره الرواية، وبقدرة القارئ ـ أي أنا وأنت ـ على متابعة "هاني محفوظ" في عذابات حبه لعبدالعزيز، ومقابلته هجر رأفت له وصدوده عنه وإيثاره زوجة عليه بابتذال جسمه مع شتى أنواع الرجال، إلى آخر ما يصادفه قارئ الرواية من علاقات أتصور أنها لا بد أن تكون صادمة للبعض.
بعيدا عن هذا، تبقى الرواية قراءة ممتعة للغاية. ولعل من أهم أسباب إمتاعها أنها لم ترض أن تكون مجرد تقرير عن قضية كوين بوت، بل حرصت أن تكون أكبر من ذلك (ومع ذلك أخشى أن تختزلها القراءات السريعة أو المغرضة في كونها "رواية كوين بوت"). هي رواية عن إنسان اسمه "هاني محفوظ" ربما لا نبتعد عنه كثيرا  حينما نتذكر بطل "العطر" لباتريك زوسكيند.
كان "جان باتيست جرونوي"، كما لا يخفى على قراء العطر، شخصا عديم الرائحة. وكان ذلك وجعه الأكبر. هو شخص قادر على تبين روائح كل شيء، حتى الأشياء التي يجمع كل أصحاب الأنوف على أنها بلا رائحة كان يعرف روائحها، ولكنه هو نفسه كان بلا رائحة.
وهاني محفوظ أيضا، يوشك أن يكون شخصا عديم الذات. وفي مشهد حلمي، يحضر هاني بنفسه حفل سبوعه، فيرى في الغربال اللفافة التي ينبغي أن يوجد فيها شخصه ذو الأيام السبعة، لكنه ينزع الثياب فلا يجد أنه ينزعها عن شيء، أي شيء. ذلك مشهد يأتي في صفحات الرواية الأخيرة ليؤكد ما ألمحت إليه الرواية طول الوقت، نحن أمام شخص يكاد يكون مفرّغا، لا يعرف نفسه إلا بالقياس إلى غيره، شخص لديه ما يقوله عن الآخرين وليس لديه الكثير مما يمكن أن يقوله عن نفسه، شخص عندما يعرف بنبأ زواج أمه عرفيا يقف أمام المرآة وهو لا يعرف بأي شيء بالضبط ينبغي أن يشعر.
هكذا نرى العالم من وجهة نظر شخص هو نفسه لا يعرف من يكون، لا يكاد يقوى على السير في العالم إلا متكئا على أحد (أمه، أو حبيبه، أو أبيه الروحي، أو رفيقه في الحبس)، وعلاوة على ذلك لا يتحرك إلا من وراء نظارة داكنة العدسات. وحين أقول إننا نرى العالم من وجهة نظر هاني محفوظ فإنني أعني ذلك تماما، في كل صفحة وفي كل جملة. فلا صوت في الرواية إلا لهاني. قد يتكلم شخص اسمه كريم، أو اسمه عبدالعزيز، أو اسمه البرنس، أو اسمه "جمجمة" (في أحد أجمل مشاهد الرواية على الإطلاق)، ولكن هؤلاء جميعا لا يتكلمون بقدر ما يتذكر هاني كلامهم، فهمه له، وما بقي لديه منه، فلا نملك أن نتيقن من أيٍّ منهم على الإطلاق، ولا نملك القول بأننا نعرف أيا منهم، فما هم إلا ما يراه هاني محفوظ.
وهاني لا يرى غير المثليين، فلا أحد غير مثلي يتكلم في الرواية. قد ينطق شرطي هنا أو هناك، ولكنه لا ينطق إلا بمجرد سباب فاحش للمثليين. أي أن هاني يمارس في دفاتره (التي أصبحت الرواية) قمعا على غير المثليين كالقمع الذي يمارسه غير المثليين على المثليين في الواقع. وهنا يجد قارئ الرواية نفسه أمام عالم يفتقر إلى التوازن تماما. فالراوي يحرص على أن يبرز تنويعات المثليين ـ الذين ينمطِّهم الواقع في صورة تشويهية، واختزالية شأن كل تنميط ـ فنجد في الرواية المثلي الرزين، والمثلي العاشق، والمثلي المتهتك، والمثلي المناضل صاحب المبادئ السياسية، والمثلي المتقوقع "الذي لم يخرج من الخزانة" بحسب التعبير الإنجليزي، والمثلي ذا الميول المزدوجة، والمثلي المتدين أو المتصوف (كريم طالب الأزهر ابن الفتوة الأسطوري الذي يحتوي هاني محفوظ ويكون له أخا حقيقيا طوال شهور السجن)، والمثلي ابن أمه، والمثلي ابن المجتمع الذكوري. ولكننا لا نكاد نجد من غير المثليين إلا كتلة واحدة، هي كتلة الشرطة/الدولة/القمع. مع أنني أتصور أن من يرفضون المثلية أو حتى يعادونها أو يرهبونها رهابا مرضيا، إنما يفعلون ذلك لتنويعة كبيرة من الأسباب التي ربما كانت الرواية لتزداد ثقلا إن هي عرضتها، وثقلا أكبر إن كانت ناقشتها. لكن المبرر حاضر دائما: هذه رواية يكتبها هاني محفوظ، وهو في ظروف مرضية قاسية، وواقع تحت تأثير صدمة مزلزلة، فلا ينبغي أن نتوقع منه هذه الدرجة من الحياد، ولا ينبغي أن نتوقع منه أن يتمثَّل أعداءه وممتهنيه محاولا أن يبحث عن دوافعهم ويعرض لمبرراتهم إن توافرت. ولكن النتيجة، في نهاية المطاف، أننا نبقى أمام زاوية نظر واحدة، أو ربما نصف الرواية.
وفي حين يمكن أن نتفهم عدم اتساع صدر الرواية لأعداء بطلها، يظل من الصعب أن نفهم لماذا حرصت الرواية على الإخلاص للضحايا المثليين فقط، دون الالتفات تقريبا إلى ضحايا المثليين، أعني الذين يؤذيهم المثليون. لماذا لا ينتبه هاني محفوظ لضحاياه وهم افتراضا يضيفون إلى أزمته؟ إنني أتكلم مثلا عن المرأة التي تزوجها هاني محفوظ دون أن يريد بزواجه منها إلا الحصول من أمه على قرض مشروط بالزواج. هذه ضحية واضحة. هذه امرأة تعرَّضت لخدعة كفيلة بتدمير حياة، وجديرة ربما بأن تكرس رواية نفسها لتأملها. هذه امرأة تزوّجها مثلي وهو يخفي ميوله، وأنجب منها فتاة (أليست ضحية أخرى؟ أليست إضافة إلى أزمة هاني؟ ولكنه لا يراهما تقريبا). لعل الرواية لم تنتبه إلى هاتين الضحيتين لأنها من أولها إلى آخرها ليست سوى دفاتر هاني محفوظ، ومحفوظ يدوِّن العالم كما يراه، ومحفوظ لا يرى ضحية غير نفسه وأصحابه، حتى لو أن الضحية زوجته أو ابنته نفسها.
بخبرة عشرين عاما تقريبا من الكتابة القصصية والروائية، يعرف عبدالنبي كيف يقدم الكثير من المكافآت لقارئ "في غرفة العنكبوت". وكثير من هذه المكافآت ثمين بحق. حكايات صغيرة براقة لم يبخل بها الكاتب على شخصياته الثانوية. فهناك جمجمة الذي تناول حبوبا مخدرة كثيرة في السجن فلم يعد يرى في الزنزانة إلا بيته، وفي رفاق الزنزانة إلا أبناءه وزوجته وأخته، ليتكشّف وغد الزنزانة حرامي السندوتشات هذا عن رجل بالغ الرقة في بيته شديد العذوبة مع أخته. وهناك كريم، ابن الفتوة الأسطوري الذي نال قوته الاستثنائية حينما شرب من النيل في لحظة توقف فيها عن الجريان. وهناك البرنس المطرب المحبط، والأم الممثلة الثانوية، والخالة المطربة المحطمة، وجميع الشخصيات بلا استثناء عرف محمد عبد النبي كيف يحفر لها أماكنها في ذاكرة القارئ. حتى بدرية الصغيرة، ابنة هاني محفوظ، يعرف عبدالنبي كيف ينتزع لها من أبيها سطورا قليلة لعلها كفيلة بأن تحدّد نظرة بعض قراء هذه الرواية لما ينتهي إليه الراوي أو حتى حكمهم عليه.
عندما يلتقي هاني بابنته "بدرية" بعد خروجه من السجن، تقول له "ما تعيطش يا بابا، هتخف وهترجع تتكلم تاني، أنا بادعي لك ربنا كل يوم". هذه الطفلة تمضي بعد هذا الظهور المارق العذب فلا تظهر مرة أخرى. هي مع أمها، بينما هاني حبيس عذاباته. هي مع أمها، وهاني مع حبيبه الخائن. وفي نهاية الرواية، لا يفكر هاني في هذا الامتداد. فحينما يعرف أن "كريم" أحب رفاق الحبس إلى قلبه قد هام على وجهه إثر معرفته أنه أصيب بالآيدز، يخرج هاني وحبيبه الخائن التائب ومعهما أحد المبرئين من القضية، لينطلق الثلاثة معا في رحلة البحث عن كريم، المثلي المتدين البريء الحامل للفيروس، في نهاية للرواية قد تعني التضامن مع بعض الضحايا دون البعض، وأخشى أنها قد تعني تحزب المتماثلين في وجه البقية.

نشرت المقالة أصلا في مدى مصر


Wednesday, June 01, 2016

بهلوان

بهلوان
لفترة طويلة
يمشي الشاعر على الحبل.
سنوات طويلة تنقضي
وهو يرغم عينيه أن تريا
وردة تنبت في جوف تمساح
بدلا من سيجارة أخيرة في العلبة،
أو طائرة ورقية تنجرف بلا أمل
بدلا من يوم أمس،
أو طريقا جانبيا ينتهي بنافورة
بدلا من كرسيين في بلكونةٍ
لرجل وساقيه.

سنوات
وهو يجلد المعجم
كي يعطيه عشرة مرادفات
لـ أنا،
ويجوِّع كلمة في بئر
إلى أن تعني ما لم تعن من قبل.
سنوات وهو يغتصب أفكاره
فيخرجن في الليل بأذرع دامية
وحلمات مقطوعة.


رحلة طويلة على الحبل
وها هو في منتصف العمر
وسط أرامل مجهدات
في أذرعهن آثار خدوش قديمة
صامت صمتهن
أرمل مثلهن
يمتن للحظ وحده
أن حبلا تحت رجلي البهلوان
لم يصر مشنقة البهلوان.
وقد يفتح المعجم
بين الحين والآخر
ليكشط كلمة،
راجيا أن تظهر له من البقايا
قصيدة.

Sunday, March 27, 2016

عري لؤلؤة .. أو عري جثة

عري لؤلؤة .. أو عري جثة
لو كان روبرت فروست قال إن من الشعر ما يضيع في الترجمة لصدق، لكنه قال إن "الشعر هو ما يضيع في الترجمة" فوجب الاختلاف معه. لا شك  أن شعرا يضيع في الترجمة. فما لأمٍّ مصرية مثلا أن تهدهد طفلها بتهويدة مترجمة، وما لمتظاهر في ميدان التحرير أن يجد شعاره في شعر مترجم. مثل هذه الاستعمالات الصغيرة (والمهمة) تحتاج إلى شعر غير الذي تصقله الترجمة وتصفيه، وتصل به بعد رحلته وهو لا يزال شعرا، وشعرا عظيما.
كلنا قرأنا الهايكو، وعرفناه، وفي رؤوسنا منه ما غيَّر العالم أمام أعيننا، وغيَّر وعينا أمام العالم. مع أنني أراهن أن أحدا منا لم يقرأه قط في سبعة عشر مقطعا صوتيا موزعة على ثلاثة سطور. كلنا نعرف كفافيس، وريتسوس، وشكسبير، ورامبو، برغم أننا لم نقرأ إلا نعيم عطية ورفعت سلام ومحمد عناني ورمسيس يونان. فكيف حدث ذلك؟ كيف تهيَّأ لشعرهم أن يصل بعد رحلته من لغة إلى لغة، وأحيانا من لغة إلى لغة إلى لغة، وهو لم يزل شعرا؟
إجابتي أنا هي أنه كُتِب منذ البداية بهذه النية. كُتِب موجَّها للإنسان، لا في أي مكان وأي لغة وحسب، بل وفي أي زمن. أوقن، شخصيا، أن قصيدة لشمبورسكا كان يمكن أن تقرأ باليونانية في طروادة المحاصرة فتؤثر في قارئها مثلما تؤثر أبيات هوميروس بالعربية في أنا الآن. هناك شعر يكتب منذ البداية وفيه رسالة تحوِّلُ كل قارئ لها في أي لغة إلى "من يهمه الأمر".
هناك شعر جماله يتجاوز لغته. هناك شعر لا يلتصق بثقافته المحيطة المباشرة الالتصاق الذي يمنع انتقاله منها إلا مثقلا بالهوامش شأن البحوث والمقالات. هناك بالأحرى شاعر يعرف موقعه الحقيقي من العالم، يعرف أن وطنه أوسع من بلده، وأن جمهوره أوسع ممن لا يطربون إلا لألاعيبه اللغوية.
هناك شاعر يعرف وهو يكتب قصيدته أن هذه القصيدة قد تتعرض لامتحان الترجمة الذي تصادفك القصيدة بعده عارية، فإما عري لؤلؤة، أو عري جثة.
ولا أحسب أحدا تعلم هذا الدرس مثلما تعلمه شعراء قصيدة النثر المعاصرون. وأثق، شخصيا، أن قصائد لشعراء مثل عماد أبو صالح أو فتحي عبد السميع أقدر على الوصول إلى خارج اللغة العربية من كثير للغاية من الشعر العربي السابق على قصيدة النثر. قصيدة النثر المعاصرة، في نماذجها الناضجة الوعية، قصيدة تخاطب الإنسان العاري من قشرة اللون والجنس والجنسية والدين والزمن. وهكذا هو الشعر الذي كان يعنيه جوتة حين تكلم عن زهرة اقتلعها من الحديقة، ثم وضعها في ماء بيته الخاص، وثمة أينعت من جديد.


Monday, February 29, 2016

هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن: اسمه أحمد ناجي

هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن: اسمه أحمد ناجي

من المؤكد أن هذه ليست اللحظة الملائمة للكتابة. لكن لو قُدِّر لي أن أنتهي من كتابة هذه السطور، ولو قدِّر لك أن تقرأها، فلن يكون معنى هذا إلا أحد اثنين: إما أنني غلبت خوفي وكتبت ما لا بد ـ في تقديري ـ من كتابته، أو غلبني الخوف وعلَّمني كيف أتمومس (بما أن "أتشرمط" قد تزج بي في السجن) فأكتب من موقع الخائف.
ليست هذه لحظة مناسبة للكتابة، لأنني منذ علمت بخبر الحكم على الروائي أحمد ناجي بالحبس لسنتين بدعوى خدش الحياء العام، وأنا لا أعرف حقا فيم ينبغي أن أفكر. في ناجي الذي حاولت فلم أحتمل أن أتخيل كيف هو في سجنه، أم في نفسي وفي فزعي وفي إحساسي بانعدام الحيلة وفي الأفكار التي لم تخطر لي أيٌّ منها إلا مصحوبة بما ينقضها ويعرِّي عورتها. هذه ليست لحظة مناسبة للكتابة لأنها لحظة اضطراب بالغ. لحظة خطرت لي فيها كل الأفكار الجبانة التي أثارت الاستياء وكل الأفكار الشجاعة التي نعتت بالحماقة. لحظة غضبت فيها من القانون ومن المجتمع ومن نفسي. لحظة لا أعرف فيها بصدق على من ينبغي أن أطلق الرصاص.
ليته كان اختفاء قسريا. أو رصاصة أطلقها أمين شرطة في الموضع الذي يشغله مواطن من الهواء. ليتها كانت قضية ملفقة بالتخابر لحساب المجلس الأعلى للعالم. ليته كان حبسا احتياطيا يطول بلا نهاية ولا مسوغ من قانون أو دستور. ليت المشكلة كانت مع انتهاك القانون. لكنها مع القانون. مع حكم صدر على أحمد ناجي باسم الشعب. باسمي أنا. أنا الذي لا أرضى بسجن ناجي، ولا أرضى أن يكون سجنه باسمي.
***
ولكن هل أنا فعلا من حُكم باسمه على ناجي؟ هل الشعب المصري متورط حقا في ارتكاب جريمة تقييد حرية إنسان لمجرد تأليفه قصة ونشره صفحات منها في جريدة؟ يفترض أن جهة تشريع القوانين في بلدنا هي البرلمان، الذي يمثل نوابه الشعب، ومن ثم فالقانون المصري قانون أقره الشعب. وهذا كما نعلم جميعا كلام فارغ. فنحن لم نختر نوابنا قط، إنما توارثت اختيارهم بالنيابة عنا قوى أخرى، ولا نوابنا هم الذين يقرون القوانين أو يشرعونها، إنما هم على مدار التاريخ بصمجية يساقون فينساقون. ولكن مع هذا، مع أن القانون الذي أدين به ناجي ليس قانون الشعب، فتغيير هذا القانون (وهو الحل الوحيد الذي أتصور أنه يمكن أن يجعلني آمن على نفسي أن أعيش وأبدع في هذا البلد) يستوجب إرادة من الشعب، ولا أعرف إن كانت هذه الإرادة متوفرة لدى الشعب الذي تآمرت عليه مؤسساته فحملته في لحظة اختيار زائف على بيع عشرة عصافير الحرية التي كانت جميعها بين يديه بوهم عصفور الأمان.
***
ماذا لو أن مؤلف "استخدام الحياة" ليس مجرد أحمد ناجي، بل الرائد أحمد ناجي، الضابط بالقوات المسلحة المصرية؟
كان الرائد ناجي ليمثل أمام قضاء مخصوص، قضاء عسكري مثله، يحاكمه فيه زملاؤه الذين يحملون على أكتفاهم نفس النسر الذي يحمله هو على كتفيه مضافا إليه نجوم وسيوف وغير ذلك من رموز الجيش البراقة. من وضع قانون هذا القضاء؟ الشعب؟ نواب الشعب؟ لا أعتقد. قانون الجيش وضعه الجيش، أو وضعه قانونيون محترفون وفقهاء متمرسون ثم أقره الجيش. ناجي في هذه الحالة كان ليحاكم بقانون ملاكي، ويسجن في سجن ملاكي أيضا. ما كان ليقيد وثاقه أو يقتاده إلى سجنه إلا ضابط في رتبته أو أعلى منه رتبة. كان ناجي ليأمن تماما، فهو في جميع المراحل بين أمثاله وزملائه وأشباهه. ثم إنه كان في النهاية، بفرض إدانته، ليسجن في سجن خاص، ربما لا يرقى إلى سجن حسني مبارك لكنه لا يختلف عنه في الجوهر.
طيب ماذا لو أن كاتب هذه الرواية هو المستشار أحمد ناجي رئيس هذه المحكمة أو تلك؟ هل كان ليزج به في السجن مع المجرمين الجنائيين؟ إطلاقا، كان ليحظى بسجن مخصوص هو حكر على المدانين من رجال القضاء فلا يختلطون إلا بأمثالهم.
ماذا لو كان من فلول نظام حسني مبارك؟ كانت لتحميه الحصانة البرلمانية.
ماذا لو كان رجل أعمال؟ كانت لتبدأ إجراءات تصالح، وهين قرشك ولا تهين نفسك.
وإذا كنت تعلمت من سنوات ما بعد الثورة المصرية شيئا، فهو أن هذا البلد، صاحب أقدم دولة في التاريخ، طالما كان قبليًّا في جوهره، لا أمان فيه لمن ليس فردا في قبيلة. ونحن الأدباء موزعون، لا تجمعنا قبيلة يخشى جانبها. ولا تتصوروا أنني أوشك أن أتكلم عن تقوية اتحاد الكتاب، أو إنشاء نقابة كنقابة الصحفيين (وناجي عضو فيها لم تنفعه عضويته) أو أي كيان من هذا المستوى. أنا أتكلم عن دولة.
أتخيل أن تكون لنا نحن الأدباء دولتنا الصغيرة داخل مصر. لا أتكلم عن حدود (ولكنها ستكون في وسط البلد) أو علم (ربما يكفينا لوجو يصممه محترف أغلفة) ولا أتكلم قطعا عن جيش (لأننا نعلم جميعا أنه سيتحول إلى دولة داخل الدولة داخل الدولة، وهذا كريه علاوة على أنه ركيك). أتكلم عن مجرد دولة بريئة مسالمة لها قانونها وقضاؤها وسجونها ونصيبها من المعونة الأمريكية ومستشفياتها وبنزيناتها ونواديها ومصايفها، وعندما ينشأ نزاع بين أحد مواطنيها ومواطني دولة أخرى (من دولة الجيش مثلا أو دولة القضاء أو دولة الشرطة) يذهب كل مواطن إلى قضاء دولته الملاكي فيرى في أمره ما يشاء.
أنا لا أفكر الآن في حل لمشكلة ناجي، لأن أمره الآن، وأمر إسلام البحيري أيضا إذا كنا نسينا، بين يدي سادة دولة لا يسمعون صوتنا، ولا يفكرون فينا. سيخرج ناجي من محبسه إن رأى السادة أن في خروجه تجميلا لصورتهم، أو أن في استمرار سجنه عبئا عليهم أمام أصدقائهم وأرباب نعمتهم في الغرب. إنما أفكر في نفسي، وفي أدباء آخرين لا قيمة لهم بغير هذه الدولة. علينا أن نعترف ببساطة أن مصر ليست المكان المناسب لحياة فرد مستقل، ومهما كان نفورنا من التكتل أصيلا، علينا أن نتجاهله، ونكبته، ونتحرك ككتلة.
ليس كلامي هذا هزلا. وليس بالقطع جدا. هو ببساطة شديدة مرارة من يرى كيف هي بلده، مرارة من ينظر إلى كل ذوي السلطات من حولنا فيرى مبلغ كراهيتهم لكل صاحب عقل مستقل وقدرة على الإبداع وتصور لما ينبغي أن يكون عليه وطنه، ويرى مبلغ احتقارهم لكل من لا يحمل سلاحا أو لا يملك ثروة أو لا يختال برتبة، ويرى مبلغ إصرارهم على قهر كل من يبرز بمجرد وجوده خواءهم وبلادتهم.
أعرف أن هذه ليست اللحظة المناسبة لهذه الكتابة، أو لأي كتابة. بل هي لحظة عمل لعل الخوف هو الذي يمنعني أن أراه، عمل ينبغي القيام به، لا لإخراج ناجي من سجنه فقط، بل لكي نزيل تماما هذا السجن الذي قد يكون ناجي داخله وأنا وأنتم خارجه، لكن مواقعنا جميعا باتت تتحدد قياسا إليه.


أصوات من هنا

أصوات من هنا
طفل واحد فقط يكفي ليكون الطفل الجماهيري في عائلة. وفي حالتي، لم أكن ذلك الطفل. ولم أكن بعيدا عنه فأستمتع بالظل، بل لصيقا به طول الوقت. يمكنكم أن تتصوروا الحالة بالضبط لو تساءلتم أي الفريقين أسعد: الزمالك الذي يرى كل بطولة يحرزها الأهلي بطولة لم يحرزها هو، أم أسمنت أسيوط مثلا الذي يتابع لاعبوه مبارايات الأهلي مستمتعين باللعب والنصر كأنهم متفرجون عاديون لا لاعبين منافسين. محمد فؤاد مثال مناسب أيضا. أسعد منه كثيرا مطرب مثل علاء عبد الخالق لا يقارنه أحد بالنجم الجماهيري الأول عمرو دياب. حسني  مبارك أسعد من السادات، لأنه أبعد منه عن عبد الناصر. عزيز أباظة أسعد من حافظ ابراهيم، لأنه أبعد عن شوقي. والخلاصة أن السعادة ـ في حدود ما يعنيني هنا ـ إما سباحة في بحيرة الضوء، أو جلسة على البرِّ واستمتاع بالفرجة. والجحيم هو الوسط بين النعيمين.
وغلبني الاستطراد. ودائما يغلبني. كنت أريد فقط أن أقول إن أختي الكبرى كانت الطفلة المفضلة لدى العائلة الكبيرة، ولا أستثني نفسي من العائلة الكبيرة، فقد كانت أختي هذه، ولا تزال بعد كل هذه السنين، هي الطفلة المفضلة لدي أيضا. كانت أكبر مني بثلاث سنوات، وكنت وإياها نجلس على مقعد واحد في طفولتنا المبكرة الأولى، هي تسند ظهرها إلى ذراع الكرسي، وأن أسند ظهري إلى بطنها، ناظرين معا إلى الشيء نفسه: تليفزيون أبيض وأسود بجانبه ترانس فضي داكن ثقيل، وفوقه هوائي على شكل كرة بدينة تخرج منها شعبتان منفرجتان.
تلك كانت جلستنا في صالة بيتنا. أما في بيت جديّ لأمي، فقد كنت وحدي. هي تحظى بتدليل الجميع، وأنا لا يتركني الجميع لأتفرج معهم على الجميلة الصغيرة، بل يعمدون بين الحين والآخر إلى منحي فضلة ما لديهم من اهتمام وعناية حرصا على سلامتي النفسية، فكان ذلك بمثابة خط أسود سميك تحت اهتمامهم برشا. كان يؤذيني تصورهم أنني قد أشعر تجاه رشا، رشا بالذات، بغير الحب الجارف، لمجرد أن هؤلاء، هؤلاء بالذات، يفضلونها عليّ، مثلما كنت أنا أفضلها عليهم، فـ fair enough.
وكان بيت جديّ لأمي محطة يومية في حياتنا. كان على أمي كلَّ صباح أن تمشي بنا من بيتنا في مدخل القرية، إلى البيت الطيني القديم الفسيح في منتصفها، توْدِعنا لدى جدتي، وتمضي هي إلى عملها. وهكذا كل يوم.
في ذلك البيت الجميل، تعلمت للمرة الأولى أن أكره الموسيقى.
***
طفل صغير وأخته التي تكبره بثلاث سنين، في بيت طيني عالي الجدران، ككل البيوت في الحي القديم من القرية، في واجهته سقيفة (كما علمتني الترجمة) رحبة يسميها أهل البيت "الفرندة"، تظللها تكعيبة عنب، وأمامه ثلاث نخلات تثمرن بلحا أصفر لا يطيب مذاقه لأحد فيبقى في مكانه ذهبا بين أخضر السعف الباهت وزرقة السماء الناصعة. هناك في فجر الثمانينيات من القرن الماضي. لن تمر سنوات كثيرة قبل أن يهدم ذلك الجمال، لتقام في موضعه عمارة من ستة طوابق، يسكنها الأخوال واحد بعد واحد، ويهجرونها في أواخر التسعينيات واحد بعد واحد، إلى ضواحي القاهرة الجديدة، خليجية الروح، تاركين شققهم لأغراب يسكنونها، فيباعدون أكثر بيني وبين بيت من بيوت طفولتي أحببته برغم كل شيء. لكن ذلك كله لن يحدث: أعني الهدم والبناء، والسكنى والرحيل، قبل أن أتعلم في ذلك البيت كيف أقيم علاقة مع الغناء، ولو كانت هذه العلاقة علاقة كراهية.
كان من الصعب أن يفهم أحد لماذا ظللت أنفر ـ حتى بعدما استويت شابا قادرا على تذوق الموسيقى والغناء ـ من أغنية بديعة مثل "حلاوة شمسنا" للثلاثي المرح. كنت قد عرفت علي اسماعيل موسيقيا عبقريا، وبت قادرا ـ حتى وأنا أكتب هذه السطور، أن أتذوق حلاوة الحوار الرائع بين الوتريات والناي (أم هي الكولة؟) في المقدمة الموسيقية للأغنية، وأن أقطع بأن اللحن بالغ العذوبة، وأن صوت المغنيات الثلاث رخيم ودافئ ومؤنس وأليف كأنه صوت خالاتي ـ البنات أيامها ـ في ضحكاتهن أو نمائمهن. ولكن أثرا من طفولتي الأولى هو الذي حال طويلا، ولا يزال يحول بين أن أستمع إلى هذه الأغنية فلا أجد فيها إلا نفسها.
في تلك السنوات البعيدة، كانت المقدمة الموسيقية لأحد برامج إذاعة البرنامج العام عبارة عن مقطع من تلك الأغنية. شيء ما في البيت عالي الجدران، وأهله، وحقيقة أنه لم يكن بالنسبة لي إلا البديل الأسوأ عن بيتي، شيء من ذلك هو الذي جعل الخوف ينتابني طويلا كلما سمعت الأغنية، أو هو مجرد عدم ارتياح لا أفهمه تمام الفهم.
أما في بيتنا، فالنقيض تماما. كان أقدم ما سمعته، وأحببته، أغنيات مسرحية "ريا وسكينة" لبليغ حمدي. ظل ذلك الشريط ـ الذي عرفت لاحقا أنه حقق ناجحا ساحقا ـ  يتردد في بيتنا لأسابيع. كانت أمي مفتونة بأغنياته ولا تملها. وانتقل ذلك إليّ، فحفظت ـ في الوقت الذي كنت أتدرب فيه على حفظ القرآن ـ مقاطع أو حتى أغنيات كاملة من المسرحية. وفي الوقت نفسه تقريبا، كانت أغنيات أخرى تطاردني، في بيتنا، وفي شوارع القرية، وحفظتها أيضا، ولا أزال أطرب لدندنتها بيني وبين نفسي دون أن أتجاسر فأرفع صوتي: "عرَّاف" لمحمد الحلو، و"حلوين من يومنا والله" لسيد مكاوي، و"الصهبجية" لسيد درويش بصوت إيمان البحر درويش في أحد أفلامه المقررة علينا تليفزيونيا في ذلك الوقت، وكم كان إيمان يبدو لنا مثالا للبراءة أيامها وكم بدا في السنوات الأخيرة تجسيدا للغل وحنق المحرومين.
وفي ذلك الوقت أيضا، كان أول احتكاك بالموسيقى المجردة من الكلام، مع المقطع الموسيقي الذي كان يتردد عبر القناة الثانية (القناة الكافرة بتعبيري في ذلك الزمن) بديلا للأذان، والذي عرفت في الثمانينيات أيضا أنه جزء من موسيقى عمار الشريعي لمسلسل "الأيام".
ولكنني في ذلك الزمن البعيد، لم أحب أحدا مثلما أحببت "عمر فتحي" وأغنياته الضاجة بالفرح.
***
في عام 1985، يموت لي خالٌ شاب ـ أشدُّ ما يكون الشباب ـ ميتة دراماتيكية للغاية، ميتة سبعينية ولكنها في الثمانينيات، شاب لم يزل شعره الأملس غزيرا كشعر عمر خورشيد قبل عقد، ولم تزل في ثيابه بهجة ألوان العقد الراحل، شاب يستعير موتوسيكل أحد أصدقائه ويقرر أن يذهب به ليزور أخته الكبيرة في طنطا، وفي الطريق يموت في حادث. ويحكي أبي الذي ذهب لاستعادة جثمانه الحكاية: يقول إنه ومن كان معه، أجلسا خالي بينهما في السيارة كأنه نائم، لكي لا تعطل كمائن الشرطة جنازته الصغيرة قبل جنازته الكبيرة. أم تخدعني ذاكرتي؟ في ذاكرتي أن أبي حكى عن موقع الحادث: ساحة خاوية وسط مئات من شجر الكافور، فأتصور غابة كالتي يجري فيها الولد على دراجته في فيلم "الشيطان الصغير"، المغامرة التي ألهبت أحلام يقظتي في سنوات عمري الأولى. لم أسأل أبي قط عن حقيقة مشهد غابة الكافور ذلك المستولي على خيالي، ولم يعد أبي موجودا، فلم يعد من طريق إلى الحقيقة.
فاجعة موت ذلك الشاب في الثالثة والعشرين من عمره غيَّرت مصير إحدى أخواته، أمي بالذات. فجأة، اختفت من على جدران بيتنا المطلية بالجير الأبيض (فالزيت فيما بعد، فورق الحائط، فالبلاستيك "الصحي") صورة زفافها وأبي، وصورة جدي لأبي، ورسمة الفلاحتين اللعوبين حاملتي الزلع، ولوحات القطط الكثيرة التي رأيت أمي بدأب تشتغل بعضها بالإبرة والخيوط الملونة في الكانافاه، لأصادف كل هذه الصور بعد شهور وأنا أعبث في كراكيبنا في شقة أخرى من البيت، وأجدها هرمت واصفرّت، كأنها كانت من قبل تستمد نصوعها من عيوننا نحن الناظرين إليها. وبدلا من إذاعة الشرق الأوسط اللعوب، وإذاعة البرنامج العام العامرة بالدراما، استقر مؤشر المذياع بصورة دائمة على إذاعة القرآن الكريم. فكنت لم أزل في الثامنة من عمري حين تعلمت أن أمقت صوت الشحات أنور في ترتيله وأشمئز منه في تجويده، وأن أحتقر صوت الشيخ الدكتور أحمد نعينع (الذي اختير لي مثلا أعلى: طبيب، وقارئ قرآن، واضع رجليه في مجد الدنيا ونعيم الآخرة، أو هذا ما كان يبدو لشيخي في الكُتّاب)، وأن أخشع لترتيل المنشاوي ولا يعني لدي غير الصباح، وغير البداية الجديدة، وأن أبتسم كلما سمعت صوت عبد الباسط عبد الصمد ذا الجمال السهل القريب، وأجد أن فيه من زقزقة العصافير طفوليتها، وأن أتساءل كلما سمعت مصطفى اسماعيل لماذا لا تكثر إذاعة القرآن الكريم من بث تلاوته فأجد من يقول لي لأنه كان القارئ المفضل للسادات والسادات مات.
فجوة كبيرة في تاريخي كمستمع. من 85 وحتى ربما 92. كانت أمي وخالاتي قد قررن بمجرد أن مات أخوهن الشاب أن يقسِّمن عمره عليهن بالتساوي، فتصلي كل واحدة منهن نيابة عنه بعض سنوات عمره. رأيت شعر أمي يختفي تحت بونيهات لم تعجبني قط، ثم في طرح صغيرة ملونة طالما نفرت من روائح قماشها الصناعي، إلى أن ظهر ما يعرف بالخمار في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، فتبنَّته أمي وفرض على جميلة العائلة، أختي، التي نقلوها أيضا من مدرستي إلى معهد أزهري بمجرد أن أنهت الدراسة الابتدائية، ثم عدلت كلتاهما بعد سنوات قليلة عن الخمار عائدتين إلى الطرحة الملونة مرة أخرى، فاستمرت معهما إلى الآن. كان المعهد الأزهري قائما في المدينة القريبة، فكانت رشا تذهب إليه كلَّ يوم، مراهقة صغيرة، ترتدي زي راهبة عجوز، أزرق في الإعدادي، رماديًّا في الثانوي. ويوما ما رجعت من المدينة الصغيرة ومعها شريط لمحمد فؤاد.
قبل ذلك كانت أغنيات فؤاد ("في السكة" و"الشمس تجمعنا" بالذات) تملأ شوارع القرية مثلما تملؤها أغنيات عمرو دياب (ميال بالذات). لكن رشا اشترت شريطا، ربما إعجابا بصورة المطرب الشاب على غلافه، وظلت تسمعنا إياه كل صباح ونحن نستعد للخروج إلى المدرسة بديلا حتى عن إذاعة القرآن الكريم. وكرهته مبكرا. حتى أغنية "عارف" التي أحبتها رشا، والتي عرفت لاحقا أنها من ألحان "ياسر عبد الرحمن"، كرهتها وسخرت منها (كان فؤاد يصرخ "عارف" وقبل أن يقول "إني واحد تاني" أقول أنا ببرود عيل رخم: "إني واحد تافه" فتجلجل ضحكة أمي وسط ضحكاتنا جميعا، وتغضب رشا ربما على فتى أحلامها في ذلك الوقت. وربما كان ذلك سر كراهيتي لفؤاد: هاجس بأنه حلم أختي). كنت أحفظ ـ بضغط ربما من الأعراس التي تمضي في شوارع القرية فنرافقها إلى أن تعبر شارعنا إلى شارع غيره ـ بعض أغنيات فؤاد، ويسهل عليّ ترديدها. ولكنني لم أحبه. مثلما لم أحب "لولاكي" لعلي حميدة التي كانت حدث طفولتي الغنائي الأهم.
في عام 1992، كنت في الخامسة عشرة، شاعرا صغيرا، كتكوتا فصيحا يتبنّاه شعراء القرية ويتخذونه على صغره صديقا لهم. هكذا كان على أبي أن يقبل على مضض بصداقة بيني وبين الشاعر المكوجي، والشاعر الحلواني، والشاعر المحولجي والشاعر مدرس الابتدائي. ومع هؤلاء الشعراء المجهضين بدأت علاقتي بالموسيقى تتجدد. حاول الشاعر المكوجي أن يضمني إلى مجموعة محبي محرم فؤاد التي كان يحاول تأسيسها في ذلك الوقت، ولكنني نفرت تماما (وكتبت عن نفوري هذا من محرم فؤاد في روايتي الأولى). فأعارني على سبيل الاختبار شريط "من أجل عينيك". كانت أول أغنية أسمعها لأم كلثوم عامدا متعمدا. والآن، أكثر من عشرين عاما مضت، وبوسعي أن أحدِّد الأيام التي مضت عليّ خلالها دون أن أسمع أم كلثوم.
في ثانوي، أمكنني أن أستقل بترانزستور، أحمر، سوني، كان رفيق جدتي منذ فقدت بصرها من فرط بكائها على ابنها الشاب. وشأن أبناء جيل أسبق، شأن أخوال وأعمام، وربما جدود، كانت ليلتي تبدأ في الخامسة مساء، مع إذاعة أم كلثوم. بأم كلثوم تبدأ الإذاعة وبأم كلثوم تنتهي. وبين أم كلثوم وأم كلثوم هناك كل تاريخ الغناء المصري.
وفي ثانوي، صادرت مسجِّل ناشيونال القديم الذي ولدت لأجده شريكا للتليفزيون الأبيض والأسود في منضدة. ومثلما كان يحلو لي في طفولتي الأولى أن أحرك المؤشر بمنتهى البطء إلى أن أصل إلى تلك الإذاعة العجيبة، حيث رجل وامرأة يتبادلان النطق بأسماء غربية طوال اليوم (جورج ـ إليزابث ـ أنطوني ـ جورج ـ توماس ـ توماس ....) وأسال ما هذا فيقال لي إن هذه إذاعة تابعة لجهاز مخابرات، وتبث رسائل مشفرة، بت في ثانوي أدير المؤشر مساءَ كلِّ يومٍ ببطء شديد، إلى أن ألتقط وسط وشيش كثير إذاعة موسيقية أجنبية، وأصبر إلى أن يصفو الصوت، ويختفي أغلب الوشيش، ثم أضع شريطا فارغا وأسجل. لعلها كانت موسيقى يونانية شعبية، وبقيت تلك الأشرطة معي سنين طويلة وقد سميتها جميعا باسم واحد: "أصوات من هناك" معطيا كل شريط منها رقما.
لم يحدث أن كانت الموسيقى مصاحبة للكتابة أو العمل، ولن أسمح لها قط بهذه المرتبة الأدنى. هناك جزء من اليوم، ينبغي أن يتوقف فيه كوكب الأرض عن العمل ككرة تدور، ويستريح في مقعده، ويستمع إلى أم كلثوم وهي تطرح السؤال البديهي مع الأستاذ القصبجي: ما دام تحب بتنكر ليه. أو محمد فوزي في "عوام". أو عبد الحليم حافظ في أهواك (بتسجيل الحفلة لا الفيلم، بعد أن تعلم كيف ينبغي له أن يغنيها) أو رجاء عبده في "البوسطجية اشتكوا".
في الموسيقى كان أصدقائي دائما هم النوع الخطأ من الأصدقاء. ليس دائما بالتأكيد. هناك قلة قليلة من النوع الصائب. لكن الكثرة من أصدقائي يستمعون إلى موسيقى زمانهم. لي صديق يحب عمرو دياب مثلا، وهو صديق رفيع الذائقة في غير الموسيقى. وأصدقاء يحبون ما أسميه (لعدم وجود تسمية أكثر إهانة) بأغاني المثقفين: الأغاني التي يكتبها شعراء يحسبون أنهم لا يريدون أن يكونوا مرسي جميل عزيز في حين أن هذا المقام الرفيع يعلو على مواهبهم كثيرا، ويلحنها من يحسبون أنهم لا يريدون أن يكونوا محمود الشريف في حين أن مواهبهم لا ترقى بهم إلى أعلى من حسن أبو السعود، ويغنيها من هم في حقيقتهم مجرد مستمعين من الدرجة الثالثة، فما هم حتى بسمِّيعة. دائما كان أصدقائي يتفقون مع ذائقتي في الشعر والرواية والسينما، ثم يختلفون ـ أو يتخلفون ـ في الموسيقى والغناء. لم تزعجني مثلما أزعجت الكثيرين من أصحابي سذاجة أحمد رامي مثلا. لسبب بسيط: أنا لم أعتبر الكلام يوما أحد شروط الأغنية. هو لا يعدو عندي مبرر الصوت البشري للحضور وسط أصوات الآلات. الأغنية كما أفهمها صوت، ضوضاء بشرية وآلية، استطاع ملحن أن يخلق منها نظاما فريدا غير مسبوق ولن يتكرر. هكذا لا أندهش مطلقا حينما أطرب لعبد الوهاب في أغنية الفن وهو يغني لـ "الفاروق مولاه" أو حينما أقع في غرام أغنيات بلغات لا أعرفها على الإطلاق. ولعل هذا سر تفرد الموسيقى بين جميع الفنون: أنها على هامش اهتماماتها، وبلا جهد يذكر، تنتقم لنا من اللغة التي تعذبنا ما لم نحتم في مواجهتها بالموسيقى.
***
ربما يبدو من قبيل التجديف أنني أصف بعض أغنيات أم كلثوم بالشبابية، ولكنني مع التقدم في العمر، والاستماع، لم أعد أقوى إلا نادرا على الاستماع لأغلب ألحان عبد الوهاب وبليغ والموجي (باستثناء أغنيات فيلم رابعة العدوية) لأم كلثوم. تلك الأغنيات هي التي رافقتني كل يوم من أيام الثانوي. "ألف ليلة وليلة" بالذات كانت أكثر أغنية سمعتها في تلك الفترة، فقد كانت الأغنية الكلثومية الوحيدة التي يمكن لأصدقائي أن يقبلوا بها عندما نلتقي للمذاكرة. كانوا يفضلون أصالة وهاني شاكر في ذلك الوقت، ولعل منهم من كان يسمع عمرو دياب أيضا. وبمرور السنين، كنت أزداد استمتاعا بالأقدم والأقدم من أم كلثوم، أم كلثوم القصبجي والسنباطي، أم كلثوم الشيخ زكريا طبعا.
ومع ذلك، مع هذا الميل إلى القديم والطربي في أم كلثوم، فقد خطر لي مرة أنه لو كانت الجنة أغنية، لو كانت الجنة حالة صوتية، فسأطلب أن يكون خلودي في "الرضا والنور". الموجي. المبالغ المفتعل. ففي أغنيته هذه لأم كلثوم أشبع مشاعري الإيمانية الطاغية، وفيها أجد جنتي.
مثلما أجد دنياي، كلما ضاقت الدنيا حولي، في "أمانة عليك يا ليل طوّل" لكارم محمود، يغنيها منفردا بعوده. بلا آلة أخرى تصاحبه. وأسمعها المرة بعد المرة بعد المرة إلى أن أنسى ما الذي ألجأني وأحوجني إليها في بداية المطاف.
عبد الوهاب أيضا. اقتحم علينا الثمانينيات بـ "من غير ليه". لم يكن ثمة مفر من تلك الأغنية في وقت ما. بصوت طاهر مصطفى الذي اختفى تماما، أو بصوت هاني شاكر. ولكن صوت عبد الوهاب نفسه، في شيخوخته، عندما أنصتت له مصر كلها في لقاء خاص أجراه معه مفيد فوزي، بقي هو الصوت الأحب في هذه الأغنية.
وأرغمنا عبد الوهاب مرة أخرى ونحن صبية صغار على أغنياته حينما منح بعضها لسمية قيصر. هكذا بدأت رحلتي مع عبد الوهاب بدايتها مع أم كلثوم، بأغنيات من قبيل "قالولي هان الود عليه" و"علشان الشوك اللي في الورد" و"عاشق الروح" ولكنني بمرور السنوات مضيت لا أجد عبد الوهابي أنا في غير قديمه الموغل في القدم. ولا أدري إلى الآن تجسدا صوتيا للنور إلا الذي أجده في "أهون عليك".
قدري أن الرسائل الأقدر على إسعادي هي المبعوثة من الماضي البعيد، ممن رحلوا عن أرضنا ولم يعلموا أن رسائلهم وصلت، وأنني أرد عليها كل يوم بألف الله لم يعد يجهر بها صوتي. قدري أنني ولدت سنة 77، لكن أذني ولدت قبل ذلك بعقود طوال. صحيح أنني قضيت مراهقتي كلها (وقد طالت كثيرا) أحب "أنغام"، ولكنه مجرد الحب.
ولعلي أقول هنا عن الحب شيئا كم كتمته. الواحد منا يستعمل مفردة الحب حينما يريد أن يصف علاقته بامرأة، بأمه أو بأبيه، بإخوته وأصدقائه، بوطنه أو بالإنسانية. ولكنه لا يفكر في الحب تقريبا حينما يفكر في وصف علاقته بنفسه. عن قيمة نفسه لديه. هذه علاقة لا يصفها الحب. هذه هي الوجود نفسه.
وإذن، وبهذا المعنى للحب، أحببت أنغام، واشتريت شرائطها، وأهديت منها لكل حبيبة أردت أن أستدرجها، أو أستدرج أذنها، إلى بيتي. ولكن "يا ما أرق النسيم" مثلا لليلى مراد، بقيت في مكانة أخرى عندي، مكانة لا يصفها الحب. هي وأغنيات أسبق مني إلى الوجود. أغنيات ما يربطني بها ليس اسمه الحب. أغنيات هي أقرب إلى شرط الوجود، أغنيات لولا وجودها في اللابتوب، وفي الموبايل، وفي العالم، لمررت كل يوم بلحظة يعز عليَّ فيها ما فيه نجدتي وخلاصي.