Saturday, August 31, 2019

ما لا يدرك كله لا يترك كله


مفكرة المترجم
أحمد شافعي: ما لا يدرك كله لا يترك كله

كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ 
كنت أجلس عصر كل يوم أمام بيتنا في القرية، على واحدة من ست قواعد حجرية حملت لعشرات السنين من قبل أعمدة مسجد القرية الكبير ثم بيعت في مزاد لتوفير المال اللازم لإعادة بناء المسجد. اشترى أبي ستا منها، ووضعها في صفين أمام باب البيت فكنت أجلس عليها عند العصر، شاعرا صغيرا يراقب الغروب والفلاحين الراجعين ببهائمهم من الحقول. وحدث يوما أن رأيت قريبا يغادر القرية في تلك الساعة، ثم يرجع بعد سويعات. سويعات قليلة في آخر النهار هي كل يوم عمله في القاهرة القريبة من قريتنا. كنت أعرف أنه يعمل مترجما، وخطر لي وأنا جالس تلك الجلسة أن هذه بالضبط هي المهنة الملائمة لي، فمن شأنها أن توفر لي أغلب يومي للقراءة والكتابة.
نصحني أيضا أستاذ لي في الثانوية بأن أعدل عن التخصص في الفلسفة كما كنت أريد. ووجهني إلى دراسة الإنجليزية. قال بمنطق بسيط وسديد: تعلم لغة إضافية واقرأ بها من الفلسفة وغيرها ما شئت. ولم أزل أتعلم اللغة، في انتظار أن أقرأ ما أشاء.
لم أكد أنهي دراستي الجامعية حتى شرعت على الفور في الترجمة الأدبية، مشبعا في آن واحد رغبتي في القراءة وحاجتي إلى العمل. في البداية لم توفر لي الترجمة أكثر من جنيهات لسجائري، وبعض الكتب، ثم تبدل الحال شيئا فشيئا.

ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟ 
صدر لي خلال العام الحالي، 2019، ثلاثة كتب، رواية "إلمت"، لفيونا موزلي، (دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، قطر) وكتاب "بيت حافل بالمجانين، زيارة ثانية" حوارات باريس رفيو مع وليم فوكنر ـ سيمون دي بوفوار ـ فلاديمير نابوكوف ـ جون شتاينبك ـ ماريو فارجاس يوسا ـ أليس مونرو ـ خوسيه ساراماجو ـ هاروكي موراكامي (دار مدارك، السعودية) ورواية "وزارة السعادة القصوى"، لأروندهتي روي، (الكتب خان، مصر).
وأعمل حاليا على ترجمة كتاب Hidden Figures لمارجوت لي شيترلي، ويؤرخ للدور الذي قامت به النساء الأمريكيات الأفريقيات في ناسا خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ملقيا الضوء على إسهامهن المنسي في أهم مشاريع ناسا الفضائية.

ماهي،برأيك،أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟ 
القارئ الجاهل، والمترجم الرخيص.

هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمّة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟ 
المشكلة أن دور المحرر ليس محددا بعد تحديدا دقيقا. في كتبي المترجمة الأولى التي صدرت عن المشروع القومي للترجمة في مصر ـ قبل سنين من تحوله إلى المركز القومي للترجمة ـ كان يشترط لكل ترجمة وجود مراجع حاصل على الدكتوراه في تخصص الكتاب المترجم. هكذا روجعت كتبي على يدي كل من أستاذنا الدكتور ماهر شفيق فريد والدكتور جمال الجزيري. وكانت التجربتان مفيدتين للغاية، كل بطريقتها، في بداية عهدي بالترجمة. كما كانت لي تجربة أسبق مع الشاعر والمترجم رفعت سلام الذي اطلع على عدد من ترجماتي الشعرية، وكذلك الراحل الأستاذ طلعت الشايب، ولم يبخل كلاهما علي بالملاحظات والتصحيحات. فضلا عن أنني زاملت لفترة الكبير الراحل بشير السباعي فكانت لنا حوارات مهمة ـ على قلتها ـ سواء حول الترجمة أو الثقافة بعامة، وقد ظللت أرجع إليه وأستشيره حتى نهاية حياته.
بعد ذلك، لم تمر كتبي بمراجعين، لأنني عملت مع دور نشر خاصة تحاول تقليل التكلفة قدر استطاعتها.
ما أفهمه هو أن الترجمة دائما بحاجة إلى مراجعة، بشرط أن يقوم بها مترجم كفء ويمكن أن نسميه محررا إن لزمت هذه التسمية. وتحتاج إلى مصحح جيد للغة العربية ـ وهو ما أحرص عليه بل وألح ـ وهذا أيضا يمكن أن نسميه محررا إن لزم الأمر. عدا هذين الأمرين، لا أتصور أن يقترب أحد من الترجمة أو يعمل فيها قلما.

كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟ 
أنشر ترجماتي منذ سنة ألفين، في الجرائد والمجلات ودور النشر. فليس غريبا أن أكون قد تعرضت لشتى أنواع الناشرين: المثقف المتحمس للعمل الثقافي في المقام الأول، والتاجر الذي لا يعنيه إلا تعظيم ربحه، الخبير قديم العهد بالمهنة، والمبتدئ عديم الدراية. وأتصور أنني استطعت أن أتعامل مع الجميع. لدي من المرونة ما يجعلني أحاول مع كل ناشر أن أنشر عملا تهمني ترجمته، ويفيده نشره، وليس العثور على هذه الأعمال بالأمر المستحيل.
في العادة أرشح للناشر ما أريد ترجمته، حريصا على أن يكون عملا متناغما مع اهتمامات داره أو توجهها. ولكن حدث في مرات كثيرة أن رشح لي ناشرون أعمالا ورأيتها تتفق واهتماماتي أنا فعملت عليها. بصفة عامة، ومثلما قلت مرة لرئيس تحرير عملت معه، "ما دام الأمر متعلقا بالترجمة، فأنا قادر أن أتعامل حتى مع الشيطان".

هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟ 
لم أكن يوما متبعا لأيديولوجية، لكنني قدر استطاعتي ملتزم بمبادئ، متبع لنزعة إنسانية. فلا أظن بوسعي أن أترجم عملا يناصر الطغيان، أو يعادي الحرية، أو يمايز بين الناس على أساس اللون أو النوع أو الدين. أبحث عن الجمال والمتعة في الأدب، والفائدة المعرفية في ما أترجمه بعيدا عن الأدب. أترجم لقارئ مثلي يريد من كل قراءة أن تجعله أكثر إنسانية، وترتقي بفهمه لنفسه وللناس من حوله، وللكون الكبير الذي يحتوينا جميعا.

كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟ 
ترجمت لأحياء ولموتى. لشعراء من الصين ماتوا قبل قرون، وشعراء من أمريكا أرسلوا لي قصائدهم عبر الإيميل. ترجمت لمؤلفين بيني وبينهم محيطات، ومؤلفين التقيت بهم على مقاهي في القاهرة. عرفت ما في القرب من المؤلف وما في البعد عنه من مزايا ومن عيوب. استشرت مؤلفين في معنى خفي لعبارة فانتشيت بإضاءاتهم لنصوصهم، وعكفت على جمل مات مؤلفوها وتركوها غامضة فانتشيت من تفكيك غموضها أو تصوري أني فعلت ذلك.
عرفتني الترجمة بمؤلفين صاروا من كتابي الأثيرين، وعرفتني بمؤلفين فنفرت منهم إلى الأبد، كأشخاص وأحيانا ككتّاب. وأظن هذا طبيعيا.
لكن علاقتي الحقيقية هي مع النص الذي أترجمه، أحاول أن أقترب منه بقدر اقتراب مؤلفه منه. أقرؤه، ثم أترجمه، ثم أعيد قراءته في لغتي مرة واثنتين وثلاثا حتى تأتي لحظة كالتي تمر بكل مؤلف مع كتابه، إذ يدفعه إلى الناشر ليتخلص من صحبته، ويحميه من تدخلاته التي قد تضره.
 
كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟ 

في طمع.
 
ماهي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معيّنة في الترجمة؟ 
ما لا يدرك كله، لا يترك كله. أعتقد أن ذلك النهج البرجماتي لا يصدق على شيء مثلما يصدق على الترجمة. لو أمكنني أن أنقل كل جملة إلى لغتي في مثل تركيبها وأصواتها وإيحاءات وتاريخ كل كلمة فيها لفعلت. ولكن ليس هذا بوسعي. علي دائما أن أنقل قدر ما أستطيع، وأن أكون مفهوما. ينبغي أن لا يكون عجزي عائقا يحرم النص من الوصول إلى القارئ.
وأترجم في الصباح المبكر. وأراجع أولا بأول. وأعيش على القهوة والسجائر.

كتاب أو نص ندمتَ على ترجمته ولماذا؟ 
إنبوكس.

ما الذي تتمنّاه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجِم؟ 
أرجو أن يأتي يوم أرى فيه كل الأطراف المعنية بالترجمة تعمل إرضاء لضمائرها. في ظني أنه إذا أرضى كل واحد يقدم أي إسهام في نشر الكتاب المترجم ضميره، فلن يترجم عنوان لا يستحق الترجمة، ولن تنشر ترجمة إلا بالحد الأدنى من الأخطاء.
وأحلم بورشة للترجمة أقيمها مرة في السنة لنحو أربعة أشهر مثلا، وتنتهي في كل دورة بكتاب صغير يقدم خمسة مترجمين على الأكثر، في خمس قصص قصيرة، أو خمس مقالات، أو نصوص لخمسة شعراء. أعتقد أن أكثر ما يؤهلني لهذا الدور هو أنني قارئ شديد السخافة، أو ربما قارئ شديد الحساسية، تقع عينه بسرعة على الخطأ وتنفر منه، فهي دائمة التفكير في سبل لتصحيحه. هناك من هم أعرف مني بالإنجليزية وبالعربية وبالترجمة، ولكن ميزتي إن كانت ميزة هي أنني لا أتسامح مع الأخطاء. في تصوري أن مدين بإقامة هذه الورشة لنفسي بقدر ديني بها لغيري.

بطاقة
أهم الكتب التي ترجمتها وسنوات إصدارها، والكتب التي ألفتها وسنوات إصدارها
مؤلفات:
1.  ديوان "77" (الكتب خان، 2017، مصر)
2.  رواية "الخالق" (الكتب خان ـ 2013، مصر)
3.  ديوان "وقصائد أخرى" (دار النهضة، بيروت، 2009)
4.  رواية "رحلة سوسو" (الهيئة العامة لقصور الثقافة، وزارة الثقافة المصرية ـ 2003).
5.  ديوان "طريق جانبي ينتهي بنافورة" (الهيئة العامة لقصور الثقافة، وزارة الثقافة المصرية ـ 2000)
ترجمات:
6.  "إلمت"، تأليف فيونا موزلي، (دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، 2019، قطر)
7.  "بيت حافل بالمجانين، زيارة ثانية" حوارات باريس رفيو مع وليم فوكنر ـ سيمون دي بوفوار ـ فلاديمير نابوكوف ـ جون شتاينبك ـ ماريو فارجاس يوسا ـ أليس مونرو ـ خوسيه ساراماجو ـ هاروكي موراكامي (2019، دار مدارك، السعودية)
8.  "وزارة السعادة القصوى"، أروندهتي روي، (2019، الكتب خان، مصر)
9.  "صانعات الحلوى"، لو دروفنيك (دار المرايا للإنتاج الثقافي، 2018، مصر)
10.         "حدث ذات صيف في القاهرة" (2018، دار الشروق، مصر)
11.         الجمال جرح" إيكا كورنياوان (2018، الكتب خان، مصر)
12.         "هنا والآن" رسائل بول أوستر وجي إم كوتزي، الكتب خان، 2016، مصر)
13.         "السامريون الأشرار"، هاجون تشانج، الكتب خان، 2016، مصر)
14.         "بيت حافل بالمجانين" حوارات باريس رفيو مع إرنست همنجواي وهنري ميلر وخورخي لويس بورخيس وكارلوس فوينتس وميلان كونديرا ونجيب محفوظ وبول أوستر وسوزان سونتاج وإكو، (الهيئة العامة للكتاب، 2015، مصر)
15.         الباب الأزرق، رواية، آندريه برينك، (الكتب خان، 2015، مصر)
16.         "كلنا نولد مصابين بالغثيان"، راسل إدسن، مختارات شعرية، (الكتب خان، 2015، مصر).
17.         قصص، أليس مونرو، مختارات قصصية، (الكتب خان، 2013، مصر).
18.         العالم لا ينتهي، تنشارلز سيميك، ديوان شعر، (الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013، مصر).
19.         الغرفة رقم 7، مختارات من قصيدة النثر الأمريكية، (كتاب مجلة الثقافة الجديدة،  2012، مصر).
20.         "رجل القمر"،  (مختارات من الشاعر الأمريكي بيلي كولينز ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ 2006، مصر).
21.         "وجه أمريكا الأسود ... وجه أمريكا الجميل ـ مختارات من الشعر الأفرو أمريكي" (المركز القومي للترجمةـ مصر ـ 2005).
22.         "فندق الأرق" (مختارات من الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك ـ المركز القومي للترجمة، 2004، مصر)،
"امرأة عادية .. قصائد وذكريات" (مختارات من الشاعرة الأفروأمريكية ليوسيل كليفتون، المركز القومي للترجمة 2004، مصر).


Saturday, April 13, 2019

المؤثرون في مصر


المؤثرون في مصر
في العدد الحالي من أخبار الأدب تحقيق عن قطاع العلاقات الثقافية الخارجية "كيف يدار في وزارة الثقافة؟". ومناسبة التحقيق أن القطاع بعث خطابا إلى إدارات مختلفة في الوزارة يطلب فيها ترشيح أسماء شخصيات أثرت في التاريخ المصري بهدف "إعداد بوستر" يجري توزيعه على الفرق الفنية المصرية التي تشارك في فعاليات دولية فضلا عن توزيعه على السفارات بهدف الترويج لمصر. وضربت الرسالة أمثلة لهذه الشخصيات فكان من بينها الراقصة بمبة كشر والقارئ الأسطوري للقرآن الشيخ محمد رفعت ومؤلفة أول كتاب مصري في الطبخ أبلة نظيرة.



المشاركون في التحقيق من أمثال صلاح فضل ويوسف القعيد وغيرهما استهجنوا القائمة أو اعتبروها غير صالحة لتمثيل مصر في الخارج، ولم يقر القائمة أو يبد رأيا إيجابيا ـ ولو محدودا ـ إلا اثنان: د. خيري دومة والسينمائي يسري نصر الله.
لا تخلو آراء بعض المعترضين من وجاهة. منها ما انطلق من فكرة "البوستر" نفسها، ذاهبا إلى أن الشخصيات التي ضربت بها رسالة قطاع الثقافة الخارجية المثل غير معروفة في الداخل المصري ناهيكم عن الخارج، والبوستر بطبيعته يحتاج وجوها أيقونية لا تحتاج التعريف بها. وبعض المعارضين رأى أن القائمة الواردة في الرسالة تصلح للداخل المصري نفسه، وهذا أيضا صحيح، إذ أزعم أن كثيرين لا يعرفون شيئا يذكر عن أغلب الأسماء الواردة في الرسالة، وهو جهل معيب.
لكن أغلب الاعتراض انصب على عدم جدارة تلك الشخصيات في مقابل شخصيات أخرى مثل نجيب محفوظ (على راسنا) أو أحمد زويل (لا أعرف أين يتمثل تأثيره في التاريخ المصري فعلا؟) أو محمد صلاح (وهو في هذه اللحظة مؤثر قطعا، أي أنه مؤثر في الحاضر، أما التاريخ فمسألة بحاجة إلى بعض الوقت).
قائمة القطاع ببساطة، بديعة. وتنم عن فهم للثقافة والتاريخ والتأثير يتجاوز فيما هو واضح فهم جيل صلاح فضل ويوسف القعيد لماهية الثقافة والتاريخ ومصر نفسها.
كل شخص في هذه القائمة بحاجة (منفردا) إلى اهتمام وتأريخ وتعريف، في حدود دوره وحضوره في حياة المصريين. ربما لا يستحق أكثرهم مثل مكانة طه حسين أو سيد درويش، ولكن كل واحد فيهم جدير بالحصول على مكانته المستحقة، ونصيبه من امتنان المصريين.
التحقيق أعدته الصحفية عائشة المراغي، وأرجو صادقا، أن تجدد قائمة مصادرها ـ هي وكل الصحفيين الثقافيين في مصر ـ تجديدا جذريا. صحيح أن آراء المثقفين بعامة لا تسهم بدور في رسم سياسات الدولة أو حتى سياسات وزارة الثقافة، لكن هذه الآراء قد تسهم في نشر وعي محافظ جامد يحسن أن يبقى حبيس عقول أصحابه، يعيشون به، ويموت معهم.

Monday, April 01, 2019

محمود خير الله



كان شخصا لا يطاق. شديد التشبث بآرائه. وحاد الرأي في كل شيء. عالي الصوت. هكذا بدا لي محمود خير الله في أولى أيام معرفتي به في النصف الثاني من التسعينيات.
وأيضا، وبرغم ذلك، هو الذي كان يفتح حقيبته الضخمة، فإذا بإصدارات هيئة قصور الثقافة ـ التي كان أيامها يعمل مدير تحرير لإحدى سلاسلها ـ ويقول لي اختر ما تشاء، وأختار ما أشاء من كنوز كانت تنشرها الهيئة في فترة نشر ذهبية لا أحسبها يمكن أن تتكرر.
وأيضا، هو الذي تدخل مرة لينصفني في أجر كتاب راجعته من الباطن لإحدى تلك السلاسل، ولم يخبرني إلى اليوم بتدخله، ولعله نسي الأمر كله، ولا أخبرني بتدخله شخص غيره، لكنه "تخمين عليم".
كان لا يطاق، وكان نبيلا، معا، ودائما.
وبقي الحال على هذا.
وانقطعت الصلة سنوات طويلة، كنت أقابله فيها على فترات شديدة التباعد، فأكاد ألمس أن شيئا تغير. لكن لا وقت للتأكد، فما هي إلا أسابيع قليلة أقضيها كل سنة في مصر قبل أن أرجع إلى مسقط حيث كنت أعمل. لكنني في تلك المرات رأيته مبتسما أحيانا، أو منتشيا ربما، ومرة بصحبة شخص غير أولئك الذين كنت أعرف أنهم أصحابه.
وأخيرا استقررت في مصر، وتواترت اللقاءات بيني وبينه. هدأ محمود. هدأ تماما. ثم سكينة دائمة حيث كان غضب دائم. رغبة صادقة في الضحك بدلا من رغبة لعينة في الاستفزاز. لم تتغير قناعاته، وآراؤه، وميوله، في الشعر على الأقل، مثلما يبدو مما يكتبه، ومن حواره الأخير في أخبار الأدب. ولكنه صار أهدأ في عرضه لتلك القناعات إن عني بعرضها أصلا. صار أحرص على الجلسة اللطيفة المليئة بالضحك والمتعة. وأقدر على الاستماع، وهذا بالذات جديد.
لا يزال محمود عالي الصوت. لكن في ضحكه لا في صراخه. وحين أقول عالي الصوت أعني أنه قد يضحك إلى حد أن يحدث هذا: أنا وهو في "كب دور"، ومرة بعد مرة بعد مرة، يأتي النادل ليطالبنا بخفض أصوات ضحكنا، ونحاول، أعني أن محمود يحاول، ثم يرجع سيرته الأولى، ويستحلفه النادل أن يخفض صوت ضحكه قليلا رحمة بالزبائن، وأخيرا، نحاسب، ويسبقني محمود خارجا من الباب، وأتبعه، غير أني أسمع شيئا ورائي، ولا أصدق أذني، فأرجع خطوة إلى الداخل، ونعم، الزبائن فعلا يصفقون لخروجنا. فأضحك، وأقول له ويضحك. لأمتار كثيرة في شارع عبد الخالق ثروت، نمشي ضاحكين، لا يعنينا شيء.

Tuesday, October 02, 2018

نحن المدانين بالترجمة .. المدينون للترجمة


نحن المدانين بالترجمة .. المدينون للترجمة*
في نهاية يوم ترجمة عادي روجع فيه جزء من المسودة الثالثة لترجمة "وزارة السعادة القصوى" لأروندتي روي

حدث يوما أن سألني سائق في شركة "كريم" لماذا تختلف ترجمات النص الواحد من مترجم إلى آخر؟ الحقيقة أنه سويئق، لا يزال في سنته الجامعية الأولى، ولذلك يعمل في كريم إلى أن يبلغ من السن الحد الأدنى الذي تقبل به أوبر. وواضح أنه يدرس لغة في كليته.
قلت: لأنكم تكونون جماعة من الأصدقاء وتسمعون من أحدكم حكاية، فيحكيها كل واحد منكم لآخرين بكلمات تخصه وإن راعيتم الأمانة، بل إن الواحد نفسه يحكي الحكاية في المرة الثانية بكلمات غير التي حكاها بها في المرة الأولى، وإن هذا شأن الترجمة، لا تختلف فقط من مترجم إلى آخر بل لدى المترجم نفسه إن ترجم النص نفسه مرتين.
رضي السائق الصغير بالإجابة، وانتبه ثواني لجي بي إس والطريق ثم سأل سؤاله الثاني، فقلت له: لا أنصحك. الترجمة شاقة ما لم تكن محبا للعزلة، ولا أقول مستعدا للقبول بها، ما لم تكن متقبلا تماما لقضاء ساعات طويلة وحدك، راضيا تمام الرضا بأن يشار غالبا إلى اسمك في مقام النقد والاعتراض والرمي بالخيانة أو الخطأ دون مقام الثناء والمديح والشد على الأيدي. شاقة ما لم تكن مستعدا للرضا بالفتات، والاعتماد على البركة إلى أن تتيسر الوفرة ولا أحسبها تتيسر. وهي شاقة لأن عليك في النهاية أن تسلِّم بأنك تعمل في مجتمع لم يعد يقدِّر الجودة، فأحمد الذي ينتجه غيرك لامبالايا يتساوى بالحاج أحمد الذي تحصل له على تأشيرة السعودية بنور عينيك.
لا أعتقد أنه طرح سؤالا بعد ذلك. وأغلب الظن أنه قضى بقية الطريق يفكر في العميل التالي راجيا أن يأتيه حاملا حلم مهنة أفضل، تحقق له فضلا عن المال الكثير أن يتسلى بالناس ويتنقل بين الأماكن ويحافظ لوقت أطول على قوة بصره.
الترجمة كالزواج، أمارسها ولا أنصح بها. وهي كالزواج: جريمة يرتكبها الفرد في حق نفسه، لكنها جريمة لا صلاح للعالم إلا بها. مؤكد أن كل من يمتهن الترجمة كان ليحسن إلى نفسه لو امتهن مهنة غيرها، ولكن كم كان العالم ليخسر لو بقي أهل كل لغة يلوكون أفكارهم بينهم دون أفكار غيرهم. كم كانت الحضارة لتكتسب شكلا قبيحا، عدائيا، كارها للاختلاف (أعني أكثر قبحا وعدائية وكراهية للاختلاف مما هي عليه الآن) لولا الطابور الخامس النبيل المؤلف منا نحن المترجمين إذ نسرب بين كل لغتين، وكل أمتين، ما يشعر كلا منهما بدينها للأخرى، وما يقيم روابط خفية وعميقة ولا انقطاع لها بين شعوب الأرض المختلفة.
تخيلوا فقط، لوهلة، أي قبور تتحول إليها بيوتكم لو أنها بلا شبابيك.
تخيلوا فقط فقركم إلى الجمال لو أنكم كنتم تنتظرون سنوات إلى أن يكتب أحدكم قصة جميلة، أو قصيدة عميقة، أو رواية تتيح لكم فرارا مؤقتا من العالم ونفاذا دائما إليه.
وتخيلوا، أيضا، إن شئتم، الجحود الذي يعاني منه المترجمون. تخيلوا أن ناشرين يرفضون وضع اسم المترجم على غلاف كتاب هو فعليًّا كاتبه الثاني! تخيلوا أن يكون أجر المؤلف ـ نسبيا ـ أقل أجر يحصل عليه أحد بين جميع المشاركين في نشر كتابه. تخيلوا ألا تكون في مصر بالذات إلا جائزة يتيمة للترجمة. تخيلوا المسؤولين عن النشر ـ إلا قليلين ـ إذ يقبلون أي هزل باعتباره ترجمة وأي صايع باعتباره مترجما.
أو لا تتخيلوا.
فالحقيقة الأكيدة التي لا أستخلص غيرها من سنوات قضيتها في الترجمة، أنه كان يمكن أن يكون الأجر أكبر، والجوائز أكثر، والتقدير أعلى، بدون أن يكون ذلك كله دافعا كافيا لشخص أن يختفي ليظهر الآخرين. الحقيقة الأكيدة التي أستخلصها من تجربتي هي أنني لا أترجم طلبا لشيء إلا النص الذي أترجمه نفسه، أعني فهمه فهما هو الأقرب إلى فهم مؤلفه الأصلي. هذه الرغبة الذاتية تماما في المعرفة والاستمتاع هي الدافع الوحيد إلى الترجمة، وهي المكافأة الوحيدة للترجمة.
لذلك، تخيلوا أو لا تتخيلوا، وامتنُّوا للمترجمين أو لا تمتنُّوا، ثمة فارق طبعا، لكنه، الفارق الطفيف الذي لا يغير مسارا اختار مترجم أو اختارت مترجمة أن تسلكه.
وإذا كان من رسالة لدي في يوم الترجمة، فإني أجعلها رسالة شكر للأساتذة الكبار الذين أمتعتني ترجماتهم وعلمتني، ولا تزال تمتعني وتعلمني، وأجعلها في الوقت نفسه رسالة اعتذار للمترجمين الناشئين الذين يطلبون مني العون فأقدمه كثيرا وأعتذر ـ مرغما ـ عن تقديمه كثيرا.

*كتبت للمشاركة في تحقيق نشره موضع مبتدا في يوم الترجمة العلمي

Tuesday, February 06, 2018

شبرا يسري حسان



 واحد زيي عاش طفولته يتسلل لشقة عمه المهجورة ويقعد في البلكونة يقرا بالساعات، ولو زهق يمدد على الكنبة يتفرج على التليفزيون، ويكاد يكون الطفل الوحيد في الكوكب اللي أبوه كان بيتحايل عليه يخرج يلعب ويمارس أي نشاط بدني (ودا كان بيحصل في حدود ركوب العجلة، لكن خارج القرية تقريبا) طبيعي يحسد واحد زي يسري حسان.


"خلطة شبرا" بيقول بوضوح ان يسري حسان عاش حياته كاملة في الشارع، وإن وجوده بين أربع جدران كان الاستثناء النادر، قابل بلطجية ولعيبة كورة وعربجية وبياعين سريحة، وعرفهم، عرفهم عن قرب، قعد على قهاوي النشالين وتجار المخدرات، اصطاد سمك وعمل عجل من الكازوز، دخل سينمات ولعب كورة شراب وشاف من مخاليق الله في شبرا اللي لا يمكن واحد زيي يقابلهم غير في كتاب.
بس الغريب انه مش حسد بس هو اللي حسيته وأنا باقرا خلطة شبرا. كان فيه كمان رثاء ليسري.
كل فصل في الكتاب تقريبا بينتهي بتنهيدة عميقة,. تنهيدة معناها انه كان زمان وجبر. معناها ان كل دا راح. معناها ان كل البهجة والبساطة والإنسانية انتهوا. سوق روض الفرج بقى جبانة ثقافية، السينمات اتهدت واتبني مكانها جراجات وعمارات، أهالي الحارة ماتوا وسافروا وعزلوا ويمكن اتنسوا. كل شيء خلص كأنه ما كانش. خلص لدرجة ان يسري يدور على حواري شبرا في ديلهي، وعلى شقق شبرا في سان بطرسبرج.
في بعض الأوقات وأنا باقرا الكتاب، اللي قريته في قعدتين في أقل من 24 ساعة، كنت باقول ان يسري عمل متحف فرغ فيه ذاكرته ويقدر دلوقت ينسى بقى ويرتاح. في أوقات تانية كنت باقول إنه عمل متحف ومن غير ما يعرف هيبقى حارس عليه، وهيعجز فيه زي ما عجزت شخصيات كتابه وهما فارشين بخضارهم على نواصي الحارات أو مدفونين في دكاكينهم والشوارع بتعلا قدامهم. وفي كل الأوقات كنت بارثي لحاله، خساره انه شاف كل دا، واتحمل بالتبعية عبء كل الأطلال دي.
يمكن أكون محظوظ، ومفيش داعي للحسد. يمكن أنا في النهاية أقدر ألاقي كنبة وكتاب في أي مكان في العالم. صحيح أنا شفت أقل وعرفت أقل بس برضو شلت أقل. جايز يكون مفيش داعي للحسد. لكن أكيد فيه داعي للرثاء. صحيح مفيش كنبة زي كنبة، والبلكونة دي لا يمكن تكون زي البلكونة اللي كانت، لكن دول في النهاية كنبة وبلكونة، مش حي، ومش شبرا، ومش في أواخر الستينيات وفي السبعينيات.
قلبي معاك يا يسري، وكتر خيرك

Wednesday, October 25, 2017

أحمد شافعي: ما كنتُ لأحتمل هذا العالم لولا الترجمة!

أحمد شافعي: ما كنتُ لأحتمل هذا العالم لولا الترجمة!
حوار : حسام الخولي

أن اصطاد الخاطر عند مروره، أدونه وأنساه، أتحول في آخر العمر إلى حصالة مقلوبة تخيلوا حصالة قماشية مقلوبة، جوربًا مقلوبًا مفرغًا من قدم تنقلت به بلاد الله لخلق الله". هكذا يعرّف الشاعر المترجم المصري أحمد شافعي مدونته دون زيادة، ربما بشكل أكثر اتساعًا يمكننا اعتبار "المترجم" على وجه التحديد تلك "الإسفنجة" التي تمتّص عصارات الثقافة من الجميع وتعكسها بقدر موهبة صاحبها، فلا تصبح وظيفته مجرد نقل الكلمات بقدر إعادة إحيائها بلغة جديدة تناسب المستقبل الجديد، لا سيما إذا خرجت هذه القراءات المختلفة والمتنوعة للعالم أيضًا في صورة أشعار أو روايات خاصة بالكاتب نفسه، فربما ستكون أيضًا بقدر هذا الاختلاف، فاللغة الجديدة على ما يبدو تنقل إلى صاحبها عالمًا آخر لم يكن ليعيشه إلّا من خلالها، تمنحه، بنشأته وبيئته، دون غيره أسرار ذلك العالم الذي عليه تحويلها لعالمه.  
صدرت لأحمد شافعي (40 عامًا) دواوين شعرية: "طريق جانبي ينتهي بنافورة" (2000) "وقصائد أخرى" (2009)، كما صدرت له روايتان: "رحلة سوسو" (2000)، "الخالق" (2013). له أيضًا ترجمات إلى العربية: مختارات من الشاعرة الأفروأمريكية ليوسيل كليفتون 2004، و"فندق الأرق"، مختارات من الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك (2004)، و"امرأة عادية.. قصائد وذكريات"، و"وجه أمريكا الأسود... وجه أمريكا الجميل ـ مختارات من الشعر الأفرو أمريكي" (2005)، و"رجل القمر"، مختارات من الشاعر الأمريكي بيلي كولينز (2006)، و"الغرفة رقم 7"، مختارات من قصيدة النثر الأمريكية (2012)، و"قصص" لأليس مونرو (2013)، و"العالم لا ينتهي" تشارلز سيميك في نفس العام. إضافة إلى رواية آندريه برينك "الباب الأزرق" (2014)، و"كلنا نولد مصابين بالغثيان" في نفس العام للكاتب راسل إدسن. عام 2015 صدر له "بيت حافل بالمجانين"؛ كعرض حوارات في مجلة "باريس ريفيو" مع أشهر كتّاب العالم، بعد ذلك ترجم "هنا والآن" (2016) عبارة عن رسائل بين الكاتب بول أوستر وصديقه جي إم كوتزي، حول أفكارهم وهواجسهم تجاه العالم، أيضًا ترجم "السامريون الأشرار.. الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي" ذا الاتجاه الاقتصادي للكاتب هاجون تشانج (2016)، والذي كان ضمن القائمة القصيرة لـ"جائزة رفاعة الطهطاوي" المقدمة من "المركز القومي للترجمة"، وأخيرًا صدر له هذا العام ديوان شعري يحمل تاريخ ميلاده "77".
حاوره "ألترا صوت" حول كتاباته وهواجسه ككاتب في الفترة الحالية، إلى جانب الحديث عن الوضع الثقافي الحالي سواء محليًا أو عالميًا.

  • ديوانك الأخير الذي يحمل على ما يبدو تاريخ مولدك، كما يحمل اسمك أكثر من مرة. ربما "الإنسان يجب أن ينشغل بنفسه بالفعل"، لكن لماذا ذلك الانشغال بالتطبيق الواضح غير الرمزي بالأمر تحديدًا في هذا الديوان؟
·         أعتقد أن أحد أدوار الشعر منذ بدايته هو أن يساعد الإنسان على معرفة نفسه. الإنسان التائه في صحراء حين يرفع عينيه إلى السماء لا يفعل ذلك ليرى النجوم، بل ليرى أين هو من النجوم. حين أفكر في قصائد "77" مقارنة بقصائد في كتب أخرى لي، منشورة أو غير منشورة، أجد أنني في كثير من هذه القصائد كنت أكلم نفسي، وأبحث عنها. كنت أحاول، مع الاعتذار لكل الشعراء العظماء المهمومين بكبريات الأمور، أن أعرف لماذا أنا هنا، مع هؤلاء الأشخاص، في هذا الحيز؟ ما معنى هذا؟ وما جدواه؟ وما العمل؟
مشكلة الشعراء أنهم ينتبهون للألغاز التي ينتبه لها الفلاسفة، ويسشتعرون أهميتها بقدر ما يستشعرونها، لكنهم لا يملكون التصدي لها برزانة الفلاسفة، بل بلوعة الأطفال. ربما هذا ما يجعلني حاضرا باسمي في بعض قصائد الكتاب، وبذاتي في كثير منها. يمكن أن تفهم السبب بدقة حينما تفهم متعة طفل يلعب وحده أسفل سرير.

قلت إن "أفضل ما أنتجه العرب منذ التسعينيات كان الشعر"، في نفس الوقت الذي صرحت فيه بأن "الشعر المترجم يقرأ أكثر" لماذا يحدث ذلك في رأيك؟ وهل هناك علاقة بين ذلك وبين قولك بأننا نميل إلى حب الأجنبي عمومًا؟
أعتقد أنني مطلع على قدر مهما يكن بسيطًا من الأدب العالمي الآن، والشعر بصفة خاصة بطبيعة الحال. وفي حدود اطلاعي المحدود هذا، وفي حدود ذوقي أيضًا، أرى أن الجيد من الشعر المصري المكتوب منذ التسعينيات يقف جماليًا على الأرض التي يقف عليها الشعر الجيد في بلد مثل الولايات المتحدة أو في أوروبا وفي أماكن أخرى من العالم. في حين أن القصة مثلًا ليست كذلك، والرواية بقدر كبير. وبرغم جودة الشعر لدينا، فهو لا ينشر بالقدر الكافي، لكنه يقرأ بدرجة معقولة.
قراء الشعر دائمًا نادرون، والشعر الجميل قليله مشبع. صدقني حين أقول لك إنني قد لا أقرأ من بعض كتب شعراء أحبهم إلا القليل، لأنني أعرف أنني سأعود إليها، ولأنني أعرف أنني لن أنتهي أبدًا من قراءة كتاب شعري أحبه.
أما عن الشعر المترجم إلى العربية، فكلنا يريد أن يعرف ما الذي يجري بعيدًا عنه، كلنا فضوليون من هذه الزاوية، هذا شيء إنساني، غير مرتبط بالشعر وحده. جرِّب مثلًا أن تضع ثلاثة أفلام في السينما: فيلم من إثيوبيا مثلًا، وفيلم من أمريكا، وفيلم لمحمد رمضان. مشاهدو الفيلم الأول سيكونون شعراء، ومشاهدو الفيلم الثاني سيكونون روائيين، ومشاهدو الفيلم الثالث طبعًا سيكونون مذيعي توكشوز وسائقي تكاتك.

قلت إنك تكتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن أفكارك وهواجسك وشذراتك وحتى عن قصائدك؟ هل تغيرت بعض الأشياء أثناء كتابتك بعد ذلك للقصائد بناءً على هذا التفاعل؟ وما الذي تغيّر في نظرتك لقراءك خصوصًا وأنك قلت إن هناك قصائد عديدة قررت أن تتركها على مواقع التواصل دون أن تدوّن في كتاب؟ ما الذي يحدد اختيار قصيدة عن أخرى؟
بعض الشعراء يتعالون كثيرًا على فيسبوك، ويتعالون على من يكتبون قصائدهم فيه، أو يتيحونها من خلاله. أعتقد أن سبب هذا هو أنهم يفكرون أن القصيدة بحاجة إلى وقت أطول، وصمت أطول، بحاجة إلى أكثر من نظرة من الشاعر قبل النشر. وطبعًا عندهم حق. حينما أفكر في الأمر أجد أنهم محقون.
لكن دائمًا كان بعض الشعراء يرتجلون. هذه ملكة أيضًا، إن توافرت لشاعر فعليه ربما أن يستثمرها. كثير من قصائد كتابي الأخير كتبت كتابة شديدة القرب من الارتجال. ولكنني كنت أرجع إليها، حينما انتبه إلى احتمالات أخرى فيها، إلى مصادر محتملة للجمال.
لعل الشعراء الذين يرفضون هذه الطريقة في الكتابة أكثر احترامًا للقارئ، وللفن الذي يمارسونه، ولأسمائهم التي يرون أنها لا يجب أن ترتبط إلا بقصائد منتهية لا بمسودات في طور الكتابة. أنا أيضا أحترم الشعر ونفسي وربما القارئ بدرجة أقل، لكنني أحب أن أكون حرًا.
ثم إنني أتبين أن بعض "القصائد" ليست قصائد، وأن بعضها ضعيف أو رديء، وهذا ما لا أضمه في كتاب، وإن كنت أتركه معروضًا من خلال حسابي، نكاية بالقراء، أو بنفسي، أو لمجرد أنني لا أكترث.

قسم آخر من السؤال السابق يتعلق بأنك "لا تكتب لأحد"، هل تعتقد أن تلك إحدى نقاط قوة كاتب ما كتشيخوف على سبيل المثال؟
أما عن تشيخوف، فأنا لا أحب أن أتكلم عن زميل في غير وجوده. لكنني عمومًا أظن أن كل كاتب يكتب أولًا لنفسه، لمتعته، لغرض أن يعرف المزيد عن نفسه أو عن شيء ما. وأعتقد أيضًا، وفي الوقت نفسه، أن كل كاتب يكتب لقارئ معين، بمعنى أن كل كاتب يضع نوعًا من الجمال في عمله، متصورًا وجود شخص ما قادر على تذوق هذا الجمال، ويريد فعلًا أن يراه.

هل تختار الترجمات التي توافق قناعاتك في الحياة بشكلٍ عام؟ أم تختار ما يعجبك حبكته وطريقة سرده بعيدًا عن الآراء التي يحتويها، خصوصًا أنك منذ زمن لم تجبر على ترجمات بعينها؟
لا أعرف كيف كنت لأحتمل هذا العالم لولا الترجمة. تعرف طبعًا ذلك الزوج الذي يرجع من العمل ليأكل وينام ثم ينزل إلى المقهى. تعرف مشاعر زوجته وأبنائه مثلًا تجاه المقهى. لا بد أن تكون هذه مشاعر زوجتي وأبنائي وأصدقائي تجاه الترجمة. الفارق الوحيد بيني وبين ذلك الزوج "التنبل" أنني أرجع من الترجمة لأذهب إلى الترجمة. يومي كله يدور في فلكها. الترجمة هي القراءة. هي ببساطة القراءة. وأنا منذ سن الخامسة من عمري لا أعرف متعة أخرى تعادل أن أقرأ.
بعيدًا عن العمل الواضح المأجور الذي أترجم من خلاله ما يهم الجهة التي أعمل لها. أترجم ما أريد أن أقرأه، وأترجم ما أستمتع بقراءته، وأترجم ما أتعلم منه، وفي أحيان قليلة جدًا (أعرفها جميعًا) أترجم ما أرى ضرورة أن يطلع الناس عليه في لحظة ما. لكن هل أترجم ما يوافق قناعاتي؟ ليس بالضرورة. أعتقد أنني ما كنت لأغير رأيي أبدًا بهذه الطريقة. وهذا أمر لا أتخيله، ولا أتصور أن أحتمل ما فيه من ملل.

بخصوص آرائك عن جائزة نوبل باعتبارها "الذبابة المزعجة التي تقف على وجه أحدهم" على حد قولك، ما رأيك في فائزها الأخير كازو إيشيغورو، ومن قبله ديلان، وجدوى فوزهما؟ وهل ترى أي اختلافات طرأت على الجائزة قد تُغيّر من الحصول عليها في المستقبل؟
لا أتذكر إنني قلت جملة الذبابة هذه. لكن ذاكرتي الضعيفة تضعني دائمًا في هذا الموقف: لعلي قلت. بصفة عامة، أنا مستاء من الأكاديمية السويدية في السنين الأخيرة، وأرى أنها تتصرف بشكل طائش بعض الشيء لا يليق بمؤسسة في سنها: تحاول توجيه مسار الأدب. جوائز كثيرة تفعل ذلك، لكن نوبل أكبر من أن يسمح لها بهذه اللعبة. تكريم صحفية بالجائزة، وتكريم مغن، ثم تكريم كاتب مثل إيشيغورو (يستحق التكريم قطعًا) لأنه يقر هذا التوجه من الأكاديمية، تبدو لي هذه جميعًا تصرفات صغيرة فعلًا. الأدب يغيره الأدباء، والنقاد، والقراء، والزمن، والتفاعل بين هؤلاء جميعًا. الأشكال الأدبية تولد وتموت بناء على هذا التدافع. والجائزة، أي جائزة، تكرم الأدب القائم لا الأدب المنتظر. وأرجو ألا يفهم من هذا أنني محافظ. فإن فًهم هذا فلا بأس، فقد بلغت السن الذي يبدأ فيه الناس فقدان حكمتهم ليوصفوا بالحكمة!

وما رأيك في ورش الكتابة العديدة التي انتشرت في الفترة الأخيرة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تفيد صغار الكتّاب؟
ورش الكتابة في تقديري حل أمريكي، كان ينبغي أن يبقى أمريكيًا، لمشكلة شسوع أمريكا. حل لمشكلة صعوبة التواصل بين كتاب في بلد هو في حقيقته قارة. أما نحن في مصر، أو في أوروبا حتى، فالورش الأدبية عندنا قديمة للغاية، أتكلم عن الملتقيات الأسبوعية في المقاهي ونوادي الأدب، عن الكتاب مختلفي التجارب والخبرات والأذواق إذ يلتقون فيتناقشون في إبداعات بعضهم بعضًا. بدون وجود "أستاذ"، و"منهج" و"وصفة" وكل هذه العناصر التي تمثل خط إنتاج. الإبداع الأدبي مشروع فردي، مأسسته تقتله.

وكيف ترى الوضع الثقافي الحالي محليًا وعالميًا؟ هل يمثل تطورًا وانعكاسًا في آن لما يمر به العالم؟
الوضع الثقافي في مصر بائس تمامًا. أشعر أننا نرث تركة لسنا مؤهلين لإدارتها. انظر إلى أي موقع ثقافي، أعني أي منصب، وتأمل المسؤول الحالي والسابق تجد بوضوح أننا ننحدر. أستطيع أن أذكر لك هيئات ومجلات فترى بوضوح أن من يتولونها الآن لا يقارنون من أي وجه بالسلف. ولا أريد أن أهين أسماء بعينها، مع أنني أريد جدًا أن أهين أسماء بعينها.
في الكتابة نفسها، نحن فعلًا بحاجة إلى التوقف عن مجاملة بعضنا البعض. بحاجة ماسة إلى أن نقول للبعض منا: تعلموا اللغة أولًا، وإلى البعض منا: أنتم كتاب قصص لا روايات، وإلى البعض منا: أنتم صحفيون لا روائيون، وإلى البعض: أنتم لستم مترجمين بل شعراء، وإلى البعض: لستم شعراء وركزوا في الترجمة. تواطؤنا على الصمت عن جرائم وسقطات بعضنا البعض ليس في صالحنا ككتاب وكقراء.
ولا أستطيع أن أتكلم عن العالم. ذلك نطاق أكبر بكثير من قدراتي ومن اطلاعي.

في الختام؛ هل هناك مشاريع أدبية تنشر لك قريبًا؟
أكتب طبعًا. وعندي أعمال مجازة للنشر إن جاز القول، لكنني لم أقدمها لناشر، ولو أنني أعرف السبب لما أخفيته عنك.



نشر الحوار في ألترا صوت