Tuesday, November 22, 2016

أهلا بكم في صحراء الواقع

أهلا بكم في صحراء الواقع



عندي معيار شخصي للغاية لتقييم الأدب، لعله أثرٌ في نفسي من أيام قراءة "ملف المستقبل" قبل سنين بعيدة. ففي بعض قصص السلسلة التي كان يكتبها د. نبيل فاروق، نشبت حرب شرسة بين أجهزة مخابرات العالم على حقيبة صغيرة جمعت فيها المخابرات المصرية منسوخات مرقمنة من أهم الأعمال الفنية على مدار  تاريخ الإنسانية. كان العالم قد انتهى مثلما انتهى أكثر من مرة على يد نبيل فاروق، فصارت تلك الحقيبة هي الدليل الوحيد على الحضارة الغابرة، والدليل الهادي الى الحضارة المنتظرة، والكنز الوحيد الباقي جديرا بأن يتصارع عليه العالم.
معياري: في سفينة ترحل الى كوكب آخر قبيل زوال كوكب الأرض، هل تصطحب هذا الكتاب معك؟ سؤال أوجهه إلى نفسي. هل أوثر هذا الكتاب على مثل وزنه من بذور النباتات مثلا، أو الصور العائلية حتى؟ وقلّما أجيب بنعم. كتب قليلة للغاية هي التي ينطبق عليها هذا المعيار شديد القسوة شديد الشخصية في آن واحد. ربما لا أعود الى قراءة هذه الكتب القليلة، لكنني أعرف أنني سأحب أن يقرأها ابني وابنتي، راجيا أن تقول لهما مثل ما قالته لي، موقنا أنها ستقول أكثر مما قالته لي، وما قد لا يكون أمامي سبيل لأعرفه.
رفٌّ إذن في مكتبتي، هو متاعي إلى كوكب آخر، أو بالأحرى إلى دنيا غير دنياي على هذا الكوكب، يعيشها بشر آخرون بينهم من أحرص على قلوبهم وعقولهم، وأرجو لها أن تكون أرحب وأعمق من قلبي ومن عقلي. رفٌّ أضع عليه الكتب التي ملأت هوامشها بالتعليقات، وخطَّطت أو ظلَّلت كثيرا من عباراتها، محدّثا نفسي بأن ذلك قد يكون إرثي الوحيد.
من هذه الكتب "فساد الأمكنة".
***
سنوات مضت منذ قرأت رواية الكاتب صبري موسى هذه للمرة الأولى، ولم أزل أعيش بصحبة بطلها نيكولا، في منفاه الطوعي بصحراء مصر الشرقية، أرافقه مثلما أرافق الملازم "جيوفاني دروجو" وهو يقضي السنين تلو السنين منصتا كلَّ ليلة إلى تقاطر الماء على صخر جدران القلعة الحدودية التافهة منتظرا التتار فلا يظهرون في رواية "دينو بوتزاتي" البديعة "صحراء التتار" ـ وذلك كتاب آخر أرشحه للكوكب التالي.
ربما يكون فن الرواية كله قد بدأ بشخص رمت به الطبيعة إلى جزيرة فاكتشف فيها حقيقة أساسية من حقائق الوجود الإنساني غابت عنه في عاصمة العالم آنذاك، مدينة لندن. حقيقة أن كلا منا يولد فردا، ويعيش فردا، ويموت فردا، وأن المجتمع بكل صوره الممكنة ليس إلا محاولة للإلهاء عن هذه الحقيقة المفزعة، أو لمقاومة ضغط هذه الوحدة وهذه الوحشة وهذه اللعنة، وأنها محاولة لا يكتب لها من النجاح إلا بقدر ما يكتب لكل فرد منا من العمى أو القدرة على التعامي.
غير أن نيكولا عند صبري موسى، ودروجو عند دينو بوتزاتي، لا يذهبان إلى عزلتيهما بدفع من الطبيعة القاهرة، فما من عاصفة ملموسة تقذف بأيٍّ منهما إلى مصيره، بل هي ذاته نفسها، أو هي جرثومة فيها قد تدعى الأمل في حالة دروجو، أو الندم في حالة نيكولا.
وفي جزيرة تلقى إليها رغم أنفك قد يكون منطقيا أن تنتظر سفينة تظهر في الأفق، أو قد ينفعك رفيق يخرج لك من الغابة، أما حينما تكون العاصفة بداخلك، والجزيرة أنت، فلا يبدو أن لك مفرا. يقول نيكولا لنفسه "ما فائدة الرحيل يا نيكولا ما دمت تحمل داخلك معك أينما حللت؟" ومثل ذلك قاله قسطنطين كفافيس أيضا في قصيدة "المدينة" حيث يقول ـ وأستدعي من الذاكرة ـ "إذا كانت حياتك قد خربت هنا، في هذا الركن الصغير من العالم، فهي خراب أينما حللت".
لعلنا نخلص من هذا إلى أن حفنة من الكتب العظيمة نحملها معنا قد لا تحول دون خراب كوكب جديد، وإلا فلماذا لم تحل دون خراب كوكبنا هذا؟ لعلنا نخلص إلى أننا حينما ننجو بأنفسنا من هذه الكوكب، ونلوذ بكوكب جديد، نحمل بأنفسنا ما فيه خراب الكوكب الجديد: نحمل إليه أنفسنا. لعل الأمر كذلك حقا، ولكن ماذا بأيدينا غير أن نثق في بعض منا، في بعض العقول البصيرة والقلوب الشفافة، في بضعة كتب قد تمنحنا فرصة أخرى، إن نحن منحناها فرصة أخرى؟ ماذا بأيدينا غير هذه القشة نتشبث بها؟
***
في أسوأ قراءة ممكنة ـ في تقديري ـ لـ"فساد الأمكنة"، قد يرى القارئ الرواية أهجية للملكية، أعني نظام الحكم الملكي في مصر ما قبل ثورة 23 يوليو 1952. قد يودّ قارئ أن يضيّق الأفق إلى بلد معيَّن في زمن معيَّن يحكمه شخص معيَّن، ثم ينتهي من قراءة الرواية ليحدّث نفسه بأن كل ذلك زال بزوال ذلك الحاكم الذي حلّ بالصحراء فقضى فيها طرفا من ليلة وطرفا من نهار، فترك على صفحتها البيضاء بقعة دم سوداء ملوثة إلى الأبد. نعم، قد يحلو لقارئ أن يتعامى إلى حد أن يبحث لتراجيديا كبرى من تراجيديات الأدب عن سبب تافه كنظام حكم، بل شديد التفاهة كشخص، مجرد شخص، أفسدته السلطة المطلقة فأفسد غير عابئ ناسا وأمكنة.
ولكن الرواية توشك في كل فقرة منها أن تلمح لقارئها بما صرحت به الآلة أو "العميل سميث" في سلسلة أفلام ماتريكس. قالت الآلة من وراء  قناعها الإنساني لـ نيو إن "البشر مرض، البشر سرطان هذا الكوكب". ترصد الآلة نشاط الإنسان الطبيعي وسعيه ـ سعي الحيوانات إلى المراعي ـ بحثا عن الموارد في قطعة من الأرض حتى إذا أنهكها وأتى على ما فيها من خيرات، تركها جرداء ميتة إلى غيرها، وسأل نيو: أتعرف أي كائن يسلك مثل هذا السلوك؟ وأجاب: الجراثيم. وقال إن البشر هم جرثومة هذا الكوكب. لم يقل إن البشر هم فساد الأمكنة.
في حين كان الملائكة أكثر وضووحا ومباشرة إذ قالوا لله شخصيا "أتجعل فيها من يفسد فيها؟".
لعل عنوان الترجمة الإنجليزية لهذه الرواية ـ وهو "بذور الفساد" Seeds of Corruption ـ أقرب إلى الدقة من عنوانها العربي، وإن يكن نصيبه من الجمال أقل بما لا يقارن. لعل العنوان الأدق بالعربية هو "إفساد الأمكنة".
                                                                           ***
بعد سنين طويلة من قراءة "فساد الأمكنة" للمرة الأولى، قرأت كتابا آخر، وجوهرة أخرى من جواهر صبري موسى، صدر ضمن أعماله الكاملة (عن الهيئة العامة للكتاب) في مجلد أدب الرحلات. كتاب قصير عنوانه "في الصحراء".
في زمن كانت مؤسسة الأهرام (في ظل رئاسة محمد حسنين هيكل) لا تجد من ترسله لتغطية احتفالات إنجلترا على مدار عام كامل بذكرى شكسبير إلا قامة بحجم لويس عوض، فيقضي الرجل شهورا هناك، يرسل خلالها متابعاته الصحفية إلى الجريدة، ثم يترك للمكتبة العربية كتابا بديعا اسمه "البحث عن شكسبير"، وفي زمن كانت مؤسسة صحفية أخرى ترسل فيه كاتبا مثل عبدالله الطوخي ورساما ـ نسيت اسمه للأسف ـ ليسجلا بالقلم والريشة وصفا جديدا ساحرا لنهر النيل يصدر لاحقا في كتاب ليته يجد من يتحمس لإعادة طبعه هو "رباعية النهر". في ذلك الزمن، البعيد (ربما سنة 1963) أرسلت مجلة صباح الخير كاتبا شابا هو صبري موسى ورساما إلى صحراء مصر الشرقية، هذا ليرسم، وذلك ليكتب، مقدمة خدمة صحفية جديرة بعد ذلك بأن تصبح كتابا يكتنزه قارئ ضمن أعز ما لديه من كتب.
"في الصحراء" هو "فساد الأمكنة" وأكثر. أو هو "فساد الأمكنة" إلا قليلا. فيه نيكولا، لكنه هارب إلى مناجم مصر من الثورة البلشفية، وفيه الرجال الذين تأكلهم ثعابين البئر، لكنهم لم ينزلوا البئر تنفيذا لأمر الشيخ الشريك في المنجم، بل لأن محافظ البحر الأحمر طلب من أهل الصحراء أن يجدوا ماءهم بأنفسهم لأن الدولة مشغولة عن خدمة الشعب بالتفنن في قهره والاستمتاع المريض بسلطتها عليه. فيها الوصف الواقعي لعناء عمال المناجم مثلما في "فساد الأمكنة". وفيها من التأملات ما نقل حرفيا من الصحافة إلى الرواية. فهذا الكتاب الصغير (المؤلف من نحو 130 صفحة) هو نخاع هذه الرواية الفذة. لكن فيه ما هو أكثر. أو لعله أقل.
فيه أنه واقع.
منذ اللحظة الأولى يبدو موسى واضحا إزاء غاية رحلته، مدركا لها تمام الإدراك: "أن أعذبكم .. أن أغسلكم بالشمس .. أن أضع كلا منكم أمام نفسه .. ليتفرج عليها .. ويكتشفها".
ثمة هيام بالصحراء والطبيعة البكر والبساطة الشديدة والصراحة المطلقة، ونفور ورفض للمدينة والحضارة يمكن لمن يشاء منكم أن يصرف كل ذلك عن نفسه معتبرا إياه ضربا من رومنتيكية لم يعد لها مكان في زماننا أو وعينا.
***
"نحن الذين نعيش في المدن أغلب حياتنا تصبح عيوننا قاصرة وضعيفة، لأننا ما نكاد نطلقها حتى تصطدم بأشيائنا .. بمصنوعاتنا .. تصطدم بتمديننا [...] ولا تجد فرجة صغيرة تحلق منها إلى آفاق أمنا الطبيعة، فنتأمل القمر والأرض والسماء .. وقد أحسست بعيني تفلتان مني في هذا الخلاء الفسيح".
تلك كانت لحظة لقاء الكاتب الأولى بالصحراء، وواضح تماما أنه نظر حوله فرأى ما ليس حوله، رأى المدينة، رأى الموضع الذي جاء منه ("وما فائدة الرحيل يا نيكولا؟") ولكن الوقت سيتاح له لاحقا ليتخلص من ذهنه، ويتيح لعينيه بغير قيود هذا الذهن وإملاءاته أن تريا ما حولها فعلا فيتعلم منه ما يسعه أن يتعلمه.
لا أريد لهذه السطور أن تكون انتصارا للواقع على الأدب، أو للدقة، لا أريدها أن تكون انتصارا له على الخيال. لأنني لا أرى حربا بين الاثنين، ولا أرى هذه القسمة حاسمة كما تبدو. فلست أعرف كيف يمكن اعتبار أي منتج إنساني ـ والخيال منتج إنساني في نهاية المطاف ـ مغايرا للواقع. الخيال حفيد الواقع، بما هو ابن للإنسان. الخيال يوسِّع الواقع، ويعلمه، ويكشف عوراته. ولكنه في نهاية المطاف خيال. و"فساد الأمكنة" في نهاية المطاف رواية، هي شهادة كاتبها وتأملاته، فلنا أن نقبلها منه أو نرفضها، لنا أن نتخذها تسلية أو عبرة أو نفعل فيها ما نشاء. في حين أن الصحافة ترصد واقعا لن يكون استخفافنا به أو حتى انصرافنا عنه ذوقا أو ميلا، بل هو جحود وقسوة وعوار في إنسانيتنا نفسها.
***
في لحظة اللقاء الأول بين الكاتب والصحراء، "ذهبت ألاعب صديقي الجديد وأكتشفه.. صديقي السراب [...] أقسم أنني رأيت أشجارا.. أشجارا كثيفة وارفة، تبدو وكأنها تموج وتتحرك". في هذه اللحظة يلمس رفيقه الخبير بالصحراء كتفه ويسأله "أتتفرج على السراب؟". هكذا، لا يكاد الكاتب يقضي لحظات في الصحراء حتى يشف، وينكشف أمام صاحبه انكشاف الصحراء أمام كليهما. هكذا يصبح حتى خيال الإنسان ووهمه شركة بينه وبين أخيه الإنسان.
ليس غريبا إذن أن يعرف السائق الخبير بالصحراء أن عليه أن يتتبع آثار السيارة السابقة، أو للدقة آثار السائق الذي سبقه إلى السير على الطريق، فإن راوغته الآثار للحظة أوقف السيارة، ونزل بنفسه مفزوعا يحملق في الأرض بحثا عن أخفت ما بقي من ندهة أخيه الإنسان القائلة له من وراء الزمن "اتبعني". في الصحراء، نتعلم أن نولي إنسانا هذا القدر الهائل من الثقة، فنأتمنه على حياتنا نفسها، على نجاتنا من الموت جوعا وعطشا، وليس ذلك فقط بدون أن نعرفه، بل وبدون أن يكون حاضرا. فقد نكون نحن فساد الأرض كما يقول موسى في الرواية وكما سبق أن قالت الملائكة في لحظة خلق آدم، قد تكون الحضارة علمتنا أن لا يأمن بعضنا إلى بعض، ولكننا في الصحراء نسترد هذه الثقة في البشر، نتذكر أن ذلك الإنسان الغائب عنا  حريص حرصنا على الحياة، وأن هذا السبب وحده كاف لأن نقتفي أثره. هذا ما تخفيه الحضارة عنا في المدن وفي القرى وفي الزحام.
واقعية "في الصحراء"، أو صحفيته، هي ما تجعله قراءة ثقيلة على النفس تماما، فنحن هنا غيرنا في "فساد الأمكنة"، فلسنا متفرجين نقيس براعة الكاتب ونقيّم حبكاته ورسمه شخصياته، بل شهود، نرى أمام أعيننا آباء لنا لا بد أن الموت غيّبهم، ولكننا نراهم في شبابهم وهم يهدرون أيامهم يستجدون بالمعاول من صخور الجبل قروشا قليلة، نراهم يختلون إلى أنفسهم قارئين رسائل الأهل والزوجات، نراهم يلتقطون علب وجبات المهندسين إذ تسقط من أعلى الجبل لتكون لهم آنية، ونراهم فور أن يكتمل ما يكفي شراء قطعة أرض يفرون من الجبل إلى الوادي غير آسفين عليه وعلى معادنه وعلى مهنة التعدين كلها (وهي "مهنة بلا محبين"). يرينا "في الصحراء" أن وهم حقل الغاز ومنجم الذهب ونبع الدولارات التي لا وجود لها إلا في صفحات جرائدنا الأولى هو وهم قديم ومكرور وسخيف صدقه آباؤنا وفرحوا به وانتظروا منه الخير مثلما يصدقه بيننا من يصدقه ويفرح به وينتظره. ويرينا الكتاب السيول التي ضربتنا أخيرا وهي تتكون منذ أربعين عاما وأكثر دون أن يعنى أحد بترويضها، فيموت في الستينيات ثلاثة رجال في جوف بئر يستجدونه قليلا من الماء، ويموت في 2016 كل من ماتوا ضحايا سيول الماء، ترينا أننا متنا ولا نزال نموت، بينما يحكمنا من لا يبالون بموتنا بل من يضيقون بحياتنا.
***
لا أريد أن أنتصر للصحافة على الأدب أو الأدب على الصحافة. فما من معركة أصلا. فلا تكاد تتوافر الموهبة حتى يصل كل إلى مناطق في وعينا تستعصي على سواه.
"في الصحراء" يمنحنا كل ما تمنحنا إياه "فساد الأمكنة" من مساحات شاسعة لتأمل وجودنا، ويزيد عليها أنه يدفعنا أن ننظر إلى ماضينا في غضب، وحاضرنا في غضب، ومستقبلنا إذا سمح الوقت. يمنحنا ميزة ـ أو عيب ـ أن نتذكر أننا مصريون وأننا نعيش في بلد ذلك ماضيه وهذا حاضره.
وتمنحنا "فساد الأمكنة" ما لا يمكن أن يمنحه الواقع: أن نرى أنفسنا في الجبل مثلما نراها في الإنسان، أن نحاسب أنفسنا على جريمة قد لا نرى دماءها على أيدينا، لكننا إن أمعنا النظر، نرى دماءها سارية في عروقنا.


نشر المقال اليوم في جريدة القاهرة، والعنوان مستعار من كتاب لسلافوي جيجيك

Wednesday, November 02, 2016

خبرات صديقة

خبرات صديقة
أصدقائي خبراء في الاقتصاد
يفتونك في تذبذب العملة
والركود والتضخم
ويسهبون في أحجية فائض القيمة
لكنني على المستوى الشخصي
لم أحتج فتوى بعد.
وخبراء في السياسة
لكنني لم أزل أعتقد بسذاجة
أنه قد لا يكون آمنا لمثلي
أن يعرف بهذه الدقة المريبة
كلّ مبررات القتلة.
وخبراء في البيئة
لا يشق على ألسنهم
أن تنطق "الاحترار"،
لكنْ هذه البيئة التي يفهمونها
شديدة الغرابة
لا تحب أن يستعملها أحد.
وخبراء في كرة القدم
لكنهم في هذا بالذات
كأصدقاء أي أحد.
وخبراء في الأدب
قرأوا الروايات القليلة
التي تغني عن قراءة بقية الروايات
وكل الأدب.
وبدا في لحظة أنهم
خبراء ثورات محنّكون
أنبأوني مبكرا أن الثورة ستموت،
كانت ثورة جميلة كالحلم
لكنه جمال لم يشفع لها عند د أصدقائي
حانوتية الثورات.
وخبراء في تفسير الأحلام
لكن من سوء حظي 
ليس في تحقيقها.
وهم عموما
خبراء في النفس البشرية
حتى لو كنت أنا
الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

كيف
وقد كنا معا طول الوقت
لم أصبح
خبيرا في شيء؟
أم تراها خبرة أيضا:
أن تعرف كيف تصمت
بلغتين على الأقل؟

Monday, October 17, 2016

أنطولوجيا الشعر المصري الجديد.. أسئلة تجاب وأخرى تثار

أنطولوجيا الشعر المصري الجديد..
أسئلة تجاب وأخرى تثار



من عاش المشهد الأدبي في قاهرة التسعينيات، أو حتى شهد ـ مثلي ـ طرفا منه عن بعد، لبدا له أنه لم يكن صوت يعلو في القاهرة الأدبية على صوت قصيدة النثر. فقد كان لما عُرف بـ "قصيدة النثر التسعينية" ولشعرائها مثل ما للروايات اليوم وللروائيين من حضور طاغ على المشهد الأدبي كله، برغم أنه لم يكن ثمة جوائز أو إنترنت أو قوائم بيست سيلرز أو حفلات توقيع أو أي شيء مما نراه حاليا. وبرغم أن روائيي جيل الستينيات كانوا جميعا لا يزالون حاضرين، ومنهم من أصدر أهم أعماله في تلك الحقبة. لكن الغلبة كانت لقصيدة النثر، والاهتمام كان بها، والاختلاف إلى أقصى حدود الاختلاف كان عليها.
وبرغم أن شعراء من أجيال سابقة كانوا لا يزالون حاضرين، فكان محمد عفيفي مطر لا يزال حاضرا ويكتب وينشر ومن جيله فاروق شوشة ومحمد ابراهيم أبو سنة وآخرون، وشعراء السبعينيات الكبار جميعا كانوا حاضرين، وشعراء جيل الثمانينيات المضطهد بعض الشيء، كانت قصيدة النثر هي مصدر الضجة الكبرى في تلك الحقبة بلا منازع، وقصيدة النثر التي كان يكتبها من عرفوا في ذلك الحين ولا يزالون معروفين إلى الآن بـ شعراء التسعينيات.
لكن ليس هؤلاء الشعراء وحدهم هم الذين يصادفهم القارئ في أنطولوجيا "ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ" التي أعدها الشاعر ـ التسعيني ـ عماد فؤاد وصدرت أخيرا بالتعاون بين دار المكتب المصري للمطبوعات ودار الوردة في قرابة سبعمائة صفحة، ضامةً قصائد لأكثر من خمسين شاعرا مصريا ـ فضلا عن شهادات لهم ومقالات عنهم وحوارات معهم. شعراء هذه الأنطولوجيا ينشرون شعرهم منذ السبعينيات وحتى 2016، فهم موزعون ـ بحسب التقسيم الكريه الشائع ـ إلى أربعة أجيال، فهناك شعراء السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، وبضعة أسماء من جيل لم يسم بعد باسم حقبة ربما لصعوبة النسبة إلى العقد الأول من القرن الحالي.
عماد فؤاد
لعل من مزايا هذه الأنطولوجيا أنها تضم الشعراء معا، على اختلاف انتماءاتهم العمرية والجمالية، تحت لافتة يوجزها عنوان الأنطولوجيا الفرعي وهو "أنطولوجيا النص الشعري المصري الجديد"، وإن كنت شخصيا لا أطمئن كثيرا إلى هذه اللافتة وأجدها غير مريحة بعض الشيء.
***
من بين طرق ومناهج عديدة كان يمكن اتباعها لترتيب الشعراء المشاركين في الأنطولوجيا، اختار عماد فؤاد الترتيب الألفبائي بحسب الأسماء الثانية للشعراء، وما كان لمنهج آخر (وقد تمنيت، ثم سرعان ما عدلت عن أمنيتي، لو أنه رتَّب الشعراء بحسب تواريخ نشر قصائدهم الأولى، لا كتبهم) أن ينتج هذه الفوضى الجميلة. وبقوة هذا الفوضى فإن أول شاعر يصادفه قارئ الأنطولوجيا هو خالد أبوبكر الذي ما كان لمنهج غير هذا أن يمنحه هذه الصدارة. فخالد اختفى بعد إصداره ديوانه الأول سنة 1999 ولم يعاود الظهور إلا في عام صدور هذه الأنطولوجيا نفسه. ولكنه بقوة الترتيب الألفبائي يتصدر الأنطولوجيا وهو المولود سنة 1967، وبعده عصام أبو زيد صاحب الكتب الشعرية السبعة، فمحمد أبو زيد المولود سنة 1980، فعماد أبو صالح الذي لا ينازعه إلا قليلون في الجدارة بصدارة حركة قصيدة النثر المصرية كلها، إلى أن يكتمل للكتاب أكثر من خمسين شاعرا لا يتتابعون إلا بقوة اعتباطية تماما هي الأسماء التي يحملها آباؤهم أو أجدادهم.
لكن الفوضى الناجمة عن هذا مبهرة إلى أقصى حد. فضلا عن أنها  تتفادى عيبا كبيرا كان يمكن أن ينال من الأنطولوجيا لو اتبع منهج كالذي اقترحته، أو تمنيته لوهلة.
لو كان عماد فؤاد اتبع في ترتيب الشعراء المشاركين منهج أقدمية نشر القصائد في الدوريات والكتب على السواء، لكان ذلك كفيلا بجرِّ القراء إلى البحث عن ملامح تطور ما لقصيدة النثر المصرية. ولا أتصور أنه ينبغي البحث عن هذا التطور، لسبب بسيط للغاية: أنه غير موجود، أعني في هذا الكتاب، أعني أن عناصر هذا التطور ليست حاضرة كلها في الكتاب، لأسباب أرجو أن أنجح في تفصيلها في بقية هذه السطور.
***
بعد مدخل قصير كتبه عماد فؤاد، ومقدمة قصيرة بقلمه أيضا (كان قد كتبها لنسخة سابقة من الأنطولوجيا ضمَّت نحو ثلاثين شاعرا وصدرت في الجزائر قبل تسع سنوات)، تأتي مقالة طويلة للشاعر ـ السبعيني ـ رفعت سلام عنوانها "بحثا عن قصيدة النثر المصرية" وفيها فيض غزير من المعلومات المتعلقة بمصطلح "قصيدة النثر" وناقليه الأوائل إلينا، في رحلة تبدأ من بيروت في أواخر خمسينيات القرن الماضي وصولا إلى مقالة رفعت سلام هذه في أواخر 2016 مرورا بكثير من التخبطات والتحزبات على مدار السنين. لا يهمل سلام في فيضه المعلوماتي أسماء قديمة كبدر الديب، أو خافتة الحضور بل شبه مجهولة كعزت عامر وابراهيم شكر الله، وهو جهد محمود بالطبع، لكنه في تصوري لا يفضي ـ ولا يرمي ـ إلى إعادة قراءة لقصيدة النثر في ضوء ما قد يتوهمه البعض جذورا لها، فالجذور ليست جذورا لمجرد اختفائها في القاع، بل هي جذور بقدر ما يتغذى عليها من فروع وأغصان وثمار، وهو ما لا يبدو لي أنه حدث مع أي من هذه الأسماء أو غيرها كحسين عفيف مثلا.
لا يقول سلام إن هذه الجهود المبكرة (ما خفت منها كمحاولات الديب وشكر الله وعامر أو ما ذاع صيته فطبق في الآفاق كجهود أدونيس وأنسي الحاج ومجلة شعر كلها، أو ما بذله السبعينيون أنفسهم وما هم عنا ببعيد) هي التي أفرزت قصيدة النثر في التسعينيات أو أثرت فيها. فهو يقول عن قصيدة شعراء النثر التسعينيين إنها قصيدة "القطيعة مع كل الشعر العربي السابق، بل الأدب العربي السابق، على نحو يدعو للتساؤل، كأنها تبدأ الشعر من الصفر" ولا أحسب أنني وحدي من يتفق معه.
رفعت سلام
لن يفضي سرد رفعت سلام إذن إلى قراءة لـ "تطور" قصيدة النثر المصرية، لكن لعل الغرض الذي أراده رفعت سلام من مقدمته لا يعدو شيئا شديد البساطة والأهمية: وهو خلخلة التصور الشائع بأن قصيدة النثر المصرية هي حصريا الشعر الذي كتبه شعراء قاهرة التسعينيات. فقصيدة النثر حركة شعرية عربية بدأت منذ أواخر الخمسينيات في بيروت، ثم كانت لنسختها المصرية محطة مهمة في السبعينيات، قبل أن تحقق هذه النسخة انتصارها الكبير في تسعينيات القرن الماضي. وهي ليست قصيدة واحدة بأية حال، فلا يمكن اختزالها الآن على الأقل، وقد مضى كل هذا الزمن على ظهورها وانتصارها، في وصفة محددة خاصة وأن كثيرين للغاية خرجوا على أي وصفة لقصيدة النثر بل ومنهم من أمعن في الخروج إلى حد الارتداد عليها (وأعني هنا بالذات شعراء قصيدة النثر العامية المصرية في التسعينيات ممن لا أثر لهم في الأنطولوجيا أصلا).
***
الكتاب صورة مفعمة بالتفاصيل، التي تعارض بعضها بعضا، أو تعضد بعضها بعضا، بما يرسم في النهاية صورة متشظية، ومن ثم صادقة، للمشهد الشعري المصري المتشظي.
ففي مقالته، ينتصر رفعت سلام لجيله من الشعراء، على من سبقوهم ولم ينتبهوا إلى تناقضات سوزان برنار في كتابها الشهير عن قصيدة النثر واكتفوا بالتشبث فيها وفي كتابها تشبث الغريق بقشة. كما ينتصر سلام لجيله على من أعقبهم أيضا، فيكاد ينفي وجود شعراء الثمانينيات أصلا، ويرى في شعراء التسعينيات رأيا يحاول أن يكتمه فيستعصي عليه الكتمان. السبعينيون كما يظهرون في هذه المقدمة هم أصحاب المعادلة الأكثر اتزانا، فلا الذات الشعرية لديهم هي ذات النبي كمن قبلهم، ولا ذات العدمي كمن بعدهم، لم يشتبكوا مع الواقع على حساب الفن كمن قبلهم، ولم يعموا عنه تماما كمن بعدهم.
ولكن في الأنطولوجيا ما يناقض ذلك كله، ففارس خضر ينفي عن نفسه أن يكون "سوبر مان الشعر السبعيني" ذلك السوبر مان الذي اتضح لفارس أنه "تايواني، أونطه يعني". وفيها من يؤكد مثل ابراهيم داود أن "جيل الثمانينيات كان الأكثر حراكا" وأن النيل منه لا يتم إلا بدفع من شعراء السبعينيات، ومن يقول كفتحي عبدالله إن "الشعرية المصرية الجديدة ... بدأت مع بعض شعراء الثمانينيات وانتشرت في النص التسعيني". أما ذات التسعينيين العدمية فتكذبها شهادات بعضهم كعاطف عبدالعزيز مثلا، وحواراتهم كعماد أبو صالح مثلا، وقصائد الكثيرين منهم. وهكذا لا تدع هذه الأنطولوجيا بكل ما فيها مجالا لرأي أن ينفرد بالقارئ، فلا شك أن هذا من أمتع سمات هذا الكتاب وأكبر أسباب حيويته.
***
بصفة شخصية تماما، هي صفتي كقارئ لقصيدة النثر المصرية، ومساهم في مشهدها بقليل من الترجمة وقليل من الكتابة، أعترف أنني لا أعرف من أين جاءت هذه القصيدة، وأعترف أنني أحار حقا في أمرها. لقد كان المشهد الشعري العربي المعاصر منذ أواخر الأربعينيات في القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات لا ينبئ بهذه النقلة الجمالية الحادة. كان أغلب الشعر يعالج الأساطير حينا ويتوسل بالرمز حينا، ويخاطب القارئ طول الوقت من علياء لا بلوغ لها إلا لعليم بالفلسفة واللاهوت والتشكيل، وقد تلزمه بعد ذلك شفرة مضنون بها على غير أهلها. كان الشعر، أو أكثره على الأقل، شعر مثقفين لمثقفين. ثم تحوّل فجأة إلى شعر بشر لبشر. فجأة نفض الشعر عن نفسه كل زخرف الثقافة السافر ـ الطارد ربما ـ ليقابل القارئ عاريا متواضعا، وجميلا أيضا، لكنه الجمال البسيط السهل، جمال هنري ماتيس لا جمال سلفادور دالي. ولن أجادل كثيرا من يقول إنه الجمال الفقير لا البسيط.
عماد أبو صالح
لكن كيف حدثت هذه النقلة؟ يتجاور في هذه الأنطولوجيا شاعران، وما انتقيتهما إلا اعتباطا. هناك حلمي سالم الذي يقول " ليس لعينيك بدءٌ ولا ختامْ / تمام عينيك نقصٌ، ونقصهما تمام" وسامي سعد الذي يقول "ما أسخف أن تقول للأعور / أنت أعور / لا أحب الغلظة، وأقول يكفي / أن تنظر له / بنصف عين". ليس الأمر في تقديري اختلافا بين شاعرين في الذائقة أو رؤية العالم، إنما هذان شاعران من كوكبين مختلفين تقريبا، لكل منهما جماله ومفهومه عن الشعر ولغته وغايته. فكيف حدث هذا؟ كيف تأتى في بلد واحد أن يعد ما كتبه حلمي سالم شعرا ثم يعد ما كتبه سامي سعد شعرا؟ كيف ظهرت قصيدة نثر التسعينيات ومن أين جاءت؟
ربما الإجابة التي أخرج بها من هذه الأنطولوجيا، هي التي أردت أن أخرج بها منها، أو هي إجابتي التي دعمتها قراءتي للأنطولوجيا، بدون أن يعني ذلك أنها الإجابة الوحيدة أو القاطعة أو النهائية، حتى بالنسبة لي.
يشير رفعت سلام في مقالته إلى التطور الذي طرأ على ترجمة الشعر، فبعد أن كان يترجم موزونا مقفى (لدرجة أن بعض الشعراء المصريين القدامى كانوا يضمنون دواوينهم بعض ترجماتهم ومن أولئك مثلا مختار الوكيل) صار يترجم في شعر حر من التفعيلات والقوافي، ليبدو ـ على حد تعبير رفعت سلام ـ "قصيدة نثر من الطراز الرفيع" مثبتا قدرة اللغة حتى وإن تخففت من أي اشتراطات عروضية على إنتاج قصيدة.
عماد أبو صالح أيضا حينما سئل في حوار ـ مدرج في الأنطولوجيا ـ عن "جذر" قصيدته كان أول ما قاله على الإطلاق "أنا قارئ محترف ... للقصيدة المترجمة" وفي حوار شخصي كان قد دافع في مواجهتي عن الترجمات الرديئة قائلا إنه مدين أكبر الدين لهذه الترجمات الرديئة. وفي شهادة للشاعر عاطف عبدالعزيز في هذه الأنطولوجيا أيضا حكي هذه الحكاية:
"وذات مساء رطب في صيف عام 1993، قرأت قصيدة ’المرآة في القاعة’ للشاعر السكندري ’كفافيس’ وكان المترجم، على ما أذكر، هو ’بشير السباعي’ الذي كان قد نقلها إلى العربية عن ترجمة فرنسية للنص الأصلي الذي كان قد كتب باليونانية بطبيعة الحال ... وأدركت منذ هذه اللحظة كم أضعت من الوقت، وسألت نفسي كيف أمكن لهذا النص أن يخترق حاجزي اللغتين ... كيف تم هذا في غيبة الوزن وغيبة الأشكال التي ظلت تلعب دور الحدود الفارقة بين الشعر والنثر".
قلت إن هذه هي الإجابة التي كنت أريد الخروج بها من الأنطولوجيا، فلوقت طويل كنت أرى في تركيب الجملة الشعرية لدى شعراء التسعينيات ومن أعقبهم أثرا واضحا من لغة الترجمة، لا ترجمة الشعر بالذات، بل وترجمة الروايات، وترجمة الروايات في الشام على وجه التحديد. لا أقول إنني آمنت للحظة بأن الترجمة هي التأثير الوحيد على قصيدة النثر، أو هي سبب نشأتها، فلا فن ينشأ لسبب واحد، بل دائما ما تكون جملة من الشروط والظروف المعقدة هي الكامنة وراءه، ولكن الشعر العربي لدينا ظل دائما يتطور من بعضه بعضا، سامحا لمؤثرات من غير الثقافة العربية بالتوغل إليه، لكنه بقي ضاربا بجذوره في القالب العمودي القديم، يخرج عنه ويبقى في ظله، يخرج عنه حريصا على مواربة الباب. أما قصيدة النثر المصرية التسعينية فلا يبدو من الممكن حتى القول بأنها أغلقت الباب فأحكمت إغلاقه، إذ يبدو أقرب إلى الصواب أنها جاءت عبر باب آخر تماما، أحسب أنه باب لغة الترجمة.
***
لعل من مزايا هذه الأنطولوجيا بالنسبة لي كقارئ أنها حرضتني على التفكير، وألهمتني أفكارا مبدئية ربما ما كانت لتخطر لي. من ذلك أنه بدا لي وأنا أتنقل بين شعراء أربعة أجيال من شعراء مصر أن ثمة ما يشبه نمطا يتبعه الشعر المصري في مساره منذ حركة الإحياء في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وحتى اليوم. نمط الجيل الناصع يعقبه الجيل الباهت. فمن جيل حركة الإحياء الذي أفرز ثلاث قامات كالبارودي وشوقي وحافظ، إلى جيل الرومنتيكية الذي لم يبرز في موجتيه أحد بروز محمود حسن إسماعيل. ومن جيل الخمسينيات وفيه صلاح عبد الصبور وصلاح جاهين وعبد المعطي حجازي، إلى جيل الستينيات الخافت شعريا لولا أمل دنقل، ومن جيل السبعينيات الذي أفرز حلمي سالم وعبد المنعم رمضان ورفعت سلام وفريد أبوسعدة وغيرهم إلى جيل الثمانينيات الذي لا يزال شعراؤه حائرين بين البقاء في ظل السبعينيين أو الدخول في ظل التسعينيين، ومن جيل التسعينيات الذي يسهل أن يشار فيه إلى بضعة شعراء شديدي التميز، إلى جيل بعدهم لم يسم بعد وأرجو ـ بما أنني أنتمي إليه ـ أن تكون لديه فرصة لكسر هذا النمط.
ربما لا أهمية على الإطلاق لهذا "النمط" الذي أزعمه. وبالقطع ينطوي هذا النمط على نقاط ضعف ويتعامى عن بعض الأسماء المهمة لكي يقيم نفسه، ولكنني أدين بالتفكير فيه لهذه الأنطولوجيا التي تجعل قارئها ينظر إلى الشعر المصري كله باعتباره كلا واحدا على مستوى من المستويات وليس جزرا  منفصلة.
ومن الأفكار التي حرضتني عليها الأنطولوجيا كذلك فكرة أوشك رفعت سلام أن يقترحها في مقالته. فهو يبدي نفوره من التقسيم الجيلي الشائع في الأدب المصري، وربما العربي، بعامة، ويكاد يقترح بديلا له إذ يكتب قائلا إننا "إزاء نمطين شعريين يسودان قصيدة النثر المصرية، نمط ’شعراء السبعينيات’ ونمط ’شعراء التسعينيات’". صحيح أنه يستعمل التقسيم الشائع هنا، لكن في إضافته للأقواس إشارة إلى اضطراره إلى استعمالهما. يمضي سلام بعد ذلك فيشرح ماهية النمطين ويمايز بينهما. ولعل الحديث عن أنماط هو البداية الصحيحة لتقسيم مختلف لـ"اتجاهات" الشعر المصري، أو حتى "مدارسه" بالتعبير القديم، والعدول عن التقسيم الجيلي المقيت الذي يبدو في ظله الشعراء وكأنهم قبائل متصادمة.
النمط السبعيني حسبما يصفه سلام موجود لدى شعراء الثمانينيات بوفرة، وموجود في بدايات شعراء التسعينيات، ولعله باق إلى الآن لدي آحاد من شعراء ما بعد التسعينيين. ونمط شعراء التسعينيات حاضر أيضا قبل التسعينيين بطريقة أو بأخرى في بعض أعمال أمل دنقل مثلا، وفي بعض أعمال أحمد طه السابقة على ظهور التسعينيين وغيره من شعراء السبعينيات وهو مستمر بعد التسعينيين بالتأكيد. وقد لا أكون الأقدر على رصد هذين الاتجاهين في الشعر المصري، ولكنني أغامر فأقول إنني أستشعر كقارئ أن ثمة وشائج جمالية يمكن أن تجمع شوقي بمحمود حسن إسماعيل بصلاح عبد الصبور بعفيفي مطر بالسبعينيين، وإن ثمة وشائج جمالية يمكن أن تجمع حافظا بحجازي بأمل دنقل بالتسعينيين. الفريق الأول فريق الفخامة والثراء التصويري والجزالة اللغوية، برغم أن بداخله بالقطع كل ما شئت من الاختلافات. والفريق الثاني فريق البساطة والبعد عن الزخرفة وإعلاء المعنى والاحتفاء بالمفارقة. وربما يثبت لي أن هذا التقسيم كله غير صالح بالمرة، لكنه بعض مما تثيره مقالة رفعت سلام وأنطولوجيا الذئب بصفة عامة من رغبة في خلخلة ما استقررنا عليه طويلا برغم نفورنا جميعا من نقائصه.
***
لم تكن قصيدة النثر المصرية ـ مثلما تبدو في هذا الكتاب ـ فصيحة طول الوقت. فقد كان يسير بجانب شعراء الفصحى، وأمامهم، ووراءهم، شعراء ملأوا التسعينيات شعرا جميلا وضجة كبيرة، لكن الأنطولوجيا لا تورد لأي منهم قصيدة، ولا تذكر لأحد منهم اسما فتدعو قارئها إلى البحث عنهم في أماكن أخرى. شعراء مثل مسعود شومان ومجدي الجابري ومحمود الحلواني ويسري حسان ومدحت منير وصادق شرشر وعشرات غيرهم كتبوا قصيدة نثرية بالعامية المصرية، وساهموا في تشكيل جماليات شعر النثر بعامة، ونالوا نصيبا غير قليل من الهجوم الضاري الذي تعرَّض له شعراء التسعينيات من رافضي شعرهم بل رافضي وجودهم، لكن الأنطولوجيا لا تكشف عن شيء من ذلك. وكأن عماد فؤاد الذي أشار في مقدمته إلى أنه حرص أن ينأى بكتابه هذا ـ في إصداريه ـ عن المؤسسة الرسمية قد حذا حذوها وتمثل وعيها فقصر كتابه على الشعر الفصيح كأنما لا شعر غيره.
ذلك بالضبط ما تفعله المؤسسة الرسمية في مصر. فالدولة على سبيل المثال لديها جائزة تشجيعية عريقة للشعر، لم يحصل عليها قط شاعر يكتب بالعامية، وحينما انتبهت الدولة أو نبِّهت إلى هذا، استحدثت لشعر العامية جائزة مستقلة، كأن جائزة الشعر لا تنطبق عليه.
ومثلما أصدرت مجلة "إبداع" التابعة للدولة قبل بضع سنوات مختارات من قصيدة النثر المصرية استبعدت من شعراء هذا التيار أكثر ممن تضمنت، تأتي أنطولوجيا عماد فؤاد  بنصيبها من المستبعدين. صحيح أن أنطولوجيا الذئب أكثر رحابة واتساعا ومعرفة بالشعر، لكنها لا تنبئنا في أي موضع من مقدمتيها بـ "معيار" اختيار الشعراء أو استبعادهم، ولو كان عماد فؤاد قال إن هذا الكتاب هو مختاراته هو من الشعر المصري لما كان لأحد أن يأخذ عليه غياب أحد أو حضور أحد.
غير أن هذا المأخذ ـ وغيره ـ لا يقلل إطلاقا من أهمية هذا الكتاب وقدرته على الإمتاع وإثارة الإعجاب بقدر إثارته للتساؤلات، ولا يمنعني هذا المأخذ أو ذاك مطلقا من القول بأنني لا أعرف كتابا آخر يصلح صلاحية هذا الكتاب كمدخل لنصف القرن الأخير الثري من الشعر المصري.



نشرت هذه القراءة في ملحق شرفات بتاريخ 18 أكتوبر 2016

Friday, September 02, 2016

نجيب محفوظ يبقى مثيرا للاهتمام نبقى مثيرين للامتعاض

نجيب محفوظ
يبقى مثيرا للاهتمام نبقى مثيرين للامتعاض



ليس يسيرا على شخص مثلي، ينسى أهم التواريخ في حياته، أن يتذكر تاريخ رحيل نجيب محفوظ أو تاريخ ميلاده، أو يتذكر إلا بشكل تقريبي في أي سنة بالضبط حصل على نوبل الأدب. لكن المصادفة وحدها جعلتني قبل أيام قليلة أنتهي من قراءة كتاب "هاشم النحاس" الصادر قبل بضع سنوات عن الهيئة العامة للكتاب بعنوان "يوميات فيلم القاهرة 30". ولم أكد أنتهي من الكتاب الممتع، إلا ووجدتني أعيد قراءة رواية "القاهرة الجديدة"، بدلا من أن أشاهد الفيلم! وما كدت أنتهي من ذلك حتى وجدت موسم الاحتفال بذكرى محفوظ قد حان، فانتشرت المقتطفات على فيسبوك وتويتر، وأعيد نشر المقالات المكتوبة والمنشورة طوال السنوات العشر الماضية.في "القاهرة الجديدة"، مضيت كدأبي أقرأ بالقلم، مبرزا السطور التي تستوقفني، كأنما أورِّث شيئا لنسخة تالية من نفسي، أو كأنما أشهد نفسي الآتية على نفسي الغابرة، أو لعلي علاوة على هذا وذاك أهدئ إيقاعي القرائي أمام مشهد على الطريق جدير بالتمهل، وبالتأمل.
***
لا أعرف أين قرأت أن الجريمة التي لا ينبغي أن يغفرها إنسان لنفسه هي أن لا يكون سعيدا. لعل انشغالي، وأنا على مشارف الأربعين، بالسعادة، وقياسي جدوى كل فعل وقيمة أي جهد على مقياس سعادتي الشخصية، لعل ذلك هو الذي جعلني أقرأ محجوب عبدالدائم ـ بطل القاهرة الجديدة ـ قراءة غير التي قرأتها لها من قبل. ربما ينبغي أن أبادر هنا بالتبرؤ من عبدالدائم، ومن اختياراته، وأن أوضح بما لا يدع مجالا للبس أنني لم يحدث ولن يحدث ولا يمكن أن أكون في مكانه، ويستحيل أن أتخذ قراراته، ولن يأمن مخلوق أن يعرض عليّ ما عرض على عبدالدائم. ولكنني، بعيدا عن هذه التخوفات التافهة، في قراءتي هذه للرواية، بعد سنين كثيرة حقا من قراءتي الأولى، كنت أريد لمحجوب في كل مأزق أن ينجو، بأي ثمن يدفعه. كنت أفهم وأنا في منتصف العمر ما فهمه عبدالدائم في غضاضة شبابه: إنها فرصة واحدة لحياة واحدة، وما الذي أراده عبدالدائم وباع في سبيله بعض ما يجعل الإنسان إنسانا؟ ليس أكثر من أن يجد ما يشبعه عند الجوع، جوعه إلى الطعام أو الحب أو الأمن. في القاهرة الجديدة، لم يطلب عبدالدائم إلا ما طلبه الإنسان البدائي في الغابة، وما أطلبه أنا وتطلبه أنت في القرن الحادي والعشرين. وكل مرة يتعذر على الإنسان طلبه البسيط هذا، إلا بقوة. قد تكون قوة الجمال، أو المال، أو السلطة، فإن تعذر ذلك كله فالانحطاط أيضا قوة. وعبدالدائم لم يملك من أسباب القوة إلا قدرته على التنازل عن بعض إنسانيته خدمة لبعضها الآخر.
ولم يتغير شيء.
في السنين التالية لثورة الخامس والعشرين من يناير رأيت مناضلين لا أستطيع أنا على الأقل أن أنسى أنهم وقفوا في وجه حسني مبارك معارضين شرفاء مرفوعي الأصوات في عز قوته وسطوة يده الأمنية الباطشة، ثم إذا بهم بعد سنوات قليلة من الفوضى يخشون على أنفسهم، ويحرصون على الجدران الأربعة التي تقيهم أنياب الناس وأظافرهم حرص الإنسان البدائي على كهفه، وإذا بهم يرفعون بيادة العسكر فوق رؤوسهم، ويقبلون من الطاغية الجديدة ما أنكروه محقين على الطاغية القديم. كيف أفهم هؤلاء ـ الذين تعلمت الكثير من قراءتي لهم ـ إلا بفهمي لمحجوب عبدالدائم، فهمي للإنسان حين يضطر إلى ترتيب أولوياته، فيقدم الأمن على الحرية، والاستقرار على الكرامة، ولا يعرف طريقة يحب بها نفسه إلا ممثلة في جزمة العسكر؟
في هذه القراءة للقاهرة الجديدة لم أتعلم فقط أن أفهم محجوب عبدالدائم، بل وجدت نفسي متورطا معه، لدرجة أن أستكثر في مشهد الرواية الأخير على أبيه مساءلته إياه، وتوبيخه له. اسكت، أردت أن أقول، اسكت، ماذا تعرف أنت عن محجوب عبدالدائم؟ اسكت، هذا آدم في أرض جديدة، وكل ابنٍ آدمُ أرضٍ جديدة لا يعرف أبوه عنها أي شيء. اسكت، وانتظر الموت مخلصا، لا تحاول بأنانية أن تترك قيمك لشخص لم تورّثه إلا أسباب شقائه، ولم يكن غيرك سبب لعنته.
لم يتغير شيء.
وأفكر، وأنا أضع بتمهل خطوطا تحت عبارات من الرواية، هل طبيعي أن تستوقف هذه العبارة أحدا: "الجامعة مكان لا يجوز أن يذكر فيه لا الله ولا الهوى"؟ أو حوار كهذا: " ماذا يحتاج جيلنا من مبادئ؟" "الإيمان بالعلم بدلا من الغيب، والمجتمع بدلا من الجنة، والاشتراكية بدلا من المنافسة"؟ هذه عبارات لا يمكن ـ في تصوري ـ أن تسمعها الآن في حوار بين طلبة في أي جامعة عربية، وهي في الرواية شذرة من حوارات بين طلبة. لا يستطيع روائي أن يكتب هذه العبارات واثقا أنه سوف يسلم بها. ولا يستطيع كاتب أن يضمنها مقاله إلا موضوعة بين أقواس، منسوبة إلى غيره، كأنما يتبرأ منها.
كان ينبغي بعد ثلاثة أرباع القرن على صدور رواية كهذه، أن تكون الجامعة فعلا مكانا لا يذكر فيه الله، كان ينبغي على أقل تقدير أن يؤمن الناس بالعلم إيمانهم بالغيب، ويعملوا من أجل المجتمع عملهم من أجل الجنة، ويروضوا المنافسة بالاشتراكية. كان ينبغي أن يتقربوا إلى الله إن شاؤوا بأن يستعملوا ما وضعه فيهم من عقل. كان ينبغي أن نقرأ أغلب أعمال محفوظ الآن قراءة الأبناء البررة إذ يتذكرون أباهم بأعماله أو يخلدونه باحترام طربوشه، لا قراءة التلاميذ الذين تمر العقود بدون أن يتجاوزوا معلميهم أو يضيفوا إلى منجزاتهم. ولكن شيئا من هذا لم يحدث، وبقيت عبارات محفوظ تتردد وتتواتر، مثيرة للاهتمام، لأننا نحن مثيرون للامتعاض.


نشرت اليوم في السفير

Friday, June 10, 2016

في 2025 تقريبا

في 2025 تقريبا

يوما ما
سوف أخلق امرأة
في رواية قصيرة.

لن أسكنها كوخا على جبل،
بل أغرسه في قلبها.
ولن أجعل قبرها في واحة
بل أعلقها في أهداب أحلامه.

سأريها في زحام مروري خانق
في أغسطس القاهرة
كلبة نائمة في بركة ظليلة قرب مقهى،
وأوقعها في غرام الروايات
وأملأ لها الروايات بالسفن،
والروابي،
وشجر الشوارع
الذي لا يتخاطف ثماره الجياع،
والنساء اللاتي يزرعن في الشرفات وردا
فيجدن على العتبات
وردا في سلال.

سأخلق امرأة لا تنتبه أن إصبعها مجروح
إلا حينما يرمي زبون في وجهها
طبق الرز الملوث بدمائها.

سأخلق امرأة تطرق باب بيت صديقة لها
فيظنها زوجها الشغالة.
ولا تنتبه إلى كرشها المتدلي
إلا حين تسخر صديقتها من الجيبة
التي اختارت أن تقترضها.

سوف أجعل اسمها شهد
أو ملك
أو بسنت
وأجعلها رواية قصيرة تصلح هدية
لمراهقة
في عيد ميلادها السادس عشر.
فتكرهني أنا
كأنني السبب.


Friday, June 03, 2016

"في غرفة العنكبوت" .. رواية القمع المضاد

"في غرفة العنكبوت" .. رواية القمع المضاد

بلغة شفافة، تحسب للرواية وتؤخذ عليها في آن واحد، يحكي "هاني محفوظ" حكايته في الرواية الصادرة حديثا لمحمد عبد النبي عن "دار العين" بعنوان "في غرفة العنكبوت".
لغة تحسب للرواية، بلا شك، لأنها ببساطة لغة راويها وشخصيتها الرئيسية، "هاني محفوظ" نفسه، الذي تقدمه الرواية مجرد جامعي علاقته بالأدب لا تتجاوز الاهتمام المتأخر بقراءته، بالعربية أحيانا وبالإنجليزية في الغالب، وتقدمه الرواية أبكم ـ مؤقتا ـ لا يريد من لغة الكتابة إلا التعويض عن امتناع لغة القول، ولا يريد من القول/الكتابة إلا الامتثال لنصحية طبيبه النفسي بالبوح.
وتؤخذ لغة الرواية عليها لأن "في غرفة العنكبوت" رواية في نهاية المطاف، وأحسب أن قارئ الرواية ينتظر أداء لغويا صالحا للتأمل في ذاته وليس مجرد أداة توصيل، لكنه هنا يصادف بين الحين والآخر لغة التداول اليومية وقد كسيت قشرة رقيقة لم تقترب بها من الفصاحة بقدر ما نأت بها عن سلاسة العامية وعذوبتها. هكذا يجد القارئ مثلا عبارة من قبيل "كانت شلته معظمها من أهل الفن والصحافة"، فلا يستطيع ـ في تصوري ـ أن يستسيغها إلا لو قرأها كعامية تداولية عادية. والحق أن مثل هذا ربما يصدق على رواية جميلة أيضا كـ "الحارس في حقل الشوفان"، فهي الأخرى رواية سمح كاتبها "جيه دي سالنجر" لبطلها المراهق "هولدن كولفيلد" أن يختار اللغة التي تحلو له (ولو أن كولفيلد ـ لو لم تخني الذاكرة ـ كان متفوقا في اللغة الإنجليزية خلافا لبقية مواده الدراسية).
ربما تنتمي رواية "في غرفة العنكبوت" ـ شأن "الحارس في حقل الشوفان" أيضا ـ لجنس رواية الـ Bildungsroman أو الـ coming-of-age novel، أي رواية بلوغ الرشد، أو النضج، أو حتى التكوين، الرواية التي تتبع شخصا في نشأته، وفي حيرته أمام أسئلته، وفي بحثه وصولا إلى إجاباتها. ولعل بوسعي القول إن "في غرفة العنكبوت" ـ مرة أخرى شأن رواية سالنجر ـ بارودي لهذا النوع من الرواية، فالبطل لا يكاد يتعلم من حياته شيئا. نحن نراه منذ طفولته الغضة، وإلى أن يتجاوز الأربعين، وهو يمضي عبر كثير من التجارب ـ لا العديد منها ـ فلا تزيده التجارب إلا حيرة على حيرته، دون أن تقدم له تقريبا أي إجابات لأي من الأسئلة التي تنغص عليه وجوده.
ولعل هاني محفوظ نفسه سؤال تطرحه هذه الرواية علينا، وأحسب أننا مطالبون بإجابته. فالرواية التي تتناول ـ ضمن ما تتناول ـ قضية "كوين بوت" التي اشتهرت في مطلع العقد الأول من القرن الحالي، حينما اعتقلت الشرطة عددا من المثليين ووجهت لهم العديد من الاتهامات العبثية وقدمتهم للمحاكمة في قضية أثارت كثيرا من الجدل في مصر وفي الغرب، هذه الرواية تضعنا بوضوح أمام سؤال ينبغي أن يكون سؤالا سهلا: أعني سؤال القمع، الذي يجدر بكل عاقل أن يرفضه بداهة. ولكنّ ثمة سؤالا آخر، ربما يكون أصعب، يمثله هاني محفوظ نفسه: هل نحن مستعدون أن نرى؟ لا بد أن يكون بيننا من يقرون بحق المثليين في ممارسة ميولهم الجنسية، دونما قمع لهم باسم الدين أو القانون أو أعراف المجتمع، ولكن هل حتى الذين يقرون بهذا مستعدون لأن يروه، فعلا؟ هل لديهم القدرة حتى على قراءته في رواية كهذه الرواية؟ أعتقد أنها لن تكون على البعض قراءة يسيرة.
"في غرفة العنكبوت" رواية شديدة السلاسة، ليس فيها التعقيد الجميل الذي يصادفه قارئ "رجوع الشيخ" مثلا، وليس فيها ذلك العرض اللغوي الباذخ الذي نجده في "بعد أن يخرج الأمير للصيد"، وليست فيها الانعطافات السردية الذكية التي يصادفها قارئ قصص "شبح أنطون تشيخوف" أو "كما يذهب السيل بقرية نائمة" (وكل هذه عناوين بعض كتب محمد عبد النبي السابقة). الرواية الحالية مجرد حكي بسيط ممتد بضمير المتكلم برع عبدالنبي في تقطيعه وتركيبه في حالة سردية رائقة. مجرد شخص يكتب حياته منذ أن وصل جده إلى القاهرة في بدايات القرن العشرين (حالما بالعمل مع نجيب الريحاني) وحتى اعتقاله هو نفسه على مشارف ميدان التحرير ليقضي شهورا في السجن مع من اعتقلوا في قضية كوين بوت. واعتقادي بأن قراءتها لن تكون يسيرة لا علاقة له بالتكنيك أو حرفة الكتابة، بقدر ما له علاقة  بالعالم الذي تصوره الرواية، وبقدرة القارئ ـ أي أنا وأنت ـ على متابعة "هاني محفوظ" في عذابات حبه لعبدالعزيز، ومقابلته هجر رأفت له وصدوده عنه وإيثاره زوجة عليه بابتذال جسمه مع شتى أنواع الرجال، إلى آخر ما يصادفه قارئ الرواية من علاقات أتصور أنها لا بد أن تكون صادمة للبعض.
بعيدا عن هذا، تبقى الرواية قراءة ممتعة للغاية. ولعل من أهم أسباب إمتاعها أنها لم ترض أن تكون مجرد تقرير عن قضية كوين بوت، بل حرصت أن تكون أكبر من ذلك (ومع ذلك أخشى أن تختزلها القراءات السريعة أو المغرضة في كونها "رواية كوين بوت"). هي رواية عن إنسان اسمه "هاني محفوظ" ربما لا نبتعد عنه كثيرا  حينما نتذكر بطل "العطر" لباتريك زوسكيند.
كان "جان باتيست جرونوي"، كما لا يخفى على قراء العطر، شخصا عديم الرائحة. وكان ذلك وجعه الأكبر. هو شخص قادر على تبين روائح كل شيء، حتى الأشياء التي يجمع كل أصحاب الأنوف على أنها بلا رائحة كان يعرف روائحها، ولكنه هو نفسه كان بلا رائحة.
وهاني محفوظ أيضا، يوشك أن يكون شخصا عديم الذات. وفي مشهد حلمي، يحضر هاني بنفسه حفل سبوعه، فيرى في الغربال اللفافة التي ينبغي أن يوجد فيها شخصه ذو الأيام السبعة، لكنه ينزع الثياب فلا يجد أنه ينزعها عن شيء، أي شيء. ذلك مشهد يأتي في صفحات الرواية الأخيرة ليؤكد ما ألمحت إليه الرواية طول الوقت، نحن أمام شخص يكاد يكون مفرّغا، لا يعرف نفسه إلا بالقياس إلى غيره، شخص لديه ما يقوله عن الآخرين وليس لديه الكثير مما يمكن أن يقوله عن نفسه، شخص عندما يعرف بنبأ زواج أمه عرفيا يقف أمام المرآة وهو لا يعرف بأي شيء بالضبط ينبغي أن يشعر.
هكذا نرى العالم من وجهة نظر شخص هو نفسه لا يعرف من يكون، لا يكاد يقوى على السير في العالم إلا متكئا على أحد (أمه، أو حبيبه، أو أبيه الروحي، أو رفيقه في الحبس)، وعلاوة على ذلك لا يتحرك إلا من وراء نظارة داكنة العدسات. وحين أقول إننا نرى العالم من وجهة نظر هاني محفوظ فإنني أعني ذلك تماما، في كل صفحة وفي كل جملة. فلا صوت في الرواية إلا لهاني. قد يتكلم شخص اسمه كريم، أو اسمه عبدالعزيز، أو اسمه البرنس، أو اسمه "جمجمة" (في أحد أجمل مشاهد الرواية على الإطلاق)، ولكن هؤلاء جميعا لا يتكلمون بقدر ما يتذكر هاني كلامهم، فهمه له، وما بقي لديه منه، فلا نملك أن نتيقن من أيٍّ منهم على الإطلاق، ولا نملك القول بأننا نعرف أيا منهم، فما هم إلا ما يراه هاني محفوظ.
وهاني لا يرى غير المثليين، فلا أحد غير مثلي يتكلم في الرواية. قد ينطق شرطي هنا أو هناك، ولكنه لا ينطق إلا بمجرد سباب فاحش للمثليين. أي أن هاني يمارس في دفاتره (التي أصبحت الرواية) قمعا على غير المثليين كالقمع الذي يمارسه غير المثليين على المثليين في الواقع. وهنا يجد قارئ الرواية نفسه أمام عالم يفتقر إلى التوازن تماما. فالراوي يحرص على أن يبرز تنويعات المثليين ـ الذين ينمطِّهم الواقع في صورة تشويهية، واختزالية شأن كل تنميط ـ فنجد في الرواية المثلي الرزين، والمثلي العاشق، والمثلي المتهتك، والمثلي المناضل صاحب المبادئ السياسية، والمثلي المتقوقع "الذي لم يخرج من الخزانة" بحسب التعبير الإنجليزي، والمثلي ذا الميول المزدوجة، والمثلي المتدين أو المتصوف (كريم طالب الأزهر ابن الفتوة الأسطوري الذي يحتوي هاني محفوظ ويكون له أخا حقيقيا طوال شهور السجن)، والمثلي ابن أمه، والمثلي ابن المجتمع الذكوري. ولكننا لا نكاد نجد من غير المثليين إلا كتلة واحدة، هي كتلة الشرطة/الدولة/القمع. مع أنني أتصور أن من يرفضون المثلية أو حتى يعادونها أو يرهبونها رهابا مرضيا، إنما يفعلون ذلك لتنويعة كبيرة من الأسباب التي ربما كانت الرواية لتزداد ثقلا إن هي عرضتها، وثقلا أكبر إن كانت ناقشتها. لكن المبرر حاضر دائما: هذه رواية يكتبها هاني محفوظ، وهو في ظروف مرضية قاسية، وواقع تحت تأثير صدمة مزلزلة، فلا ينبغي أن نتوقع منه هذه الدرجة من الحياد، ولا ينبغي أن نتوقع منه أن يتمثَّل أعداءه وممتهنيه محاولا أن يبحث عن دوافعهم ويعرض لمبرراتهم إن توافرت. ولكن النتيجة، في نهاية المطاف، أننا نبقى أمام زاوية نظر واحدة، أو ربما نصف الرواية.
وفي حين يمكن أن نتفهم عدم اتساع صدر الرواية لأعداء بطلها، يظل من الصعب أن نفهم لماذا حرصت الرواية على الإخلاص للضحايا المثليين فقط، دون الالتفات تقريبا إلى ضحايا المثليين، أعني الذين يؤذيهم المثليون. لماذا لا ينتبه هاني محفوظ لضحاياه وهم افتراضا يضيفون إلى أزمته؟ إنني أتكلم مثلا عن المرأة التي تزوجها هاني محفوظ دون أن يريد بزواجه منها إلا الحصول من أمه على قرض مشروط بالزواج. هذه ضحية واضحة. هذه امرأة تعرَّضت لخدعة كفيلة بتدمير حياة، وجديرة ربما بأن تكرس رواية نفسها لتأملها. هذه امرأة تزوّجها مثلي وهو يخفي ميوله، وأنجب منها فتاة (أليست ضحية أخرى؟ أليست إضافة إلى أزمة هاني؟ ولكنه لا يراهما تقريبا). لعل الرواية لم تنتبه إلى هاتين الضحيتين لأنها من أولها إلى آخرها ليست سوى دفاتر هاني محفوظ، ومحفوظ يدوِّن العالم كما يراه، ومحفوظ لا يرى ضحية غير نفسه وأصحابه، حتى لو أن الضحية زوجته أو ابنته نفسها.
بخبرة عشرين عاما تقريبا من الكتابة القصصية والروائية، يعرف عبدالنبي كيف يقدم الكثير من المكافآت لقارئ "في غرفة العنكبوت". وكثير من هذه المكافآت ثمين بحق. حكايات صغيرة براقة لم يبخل بها الكاتب على شخصياته الثانوية. فهناك جمجمة الذي تناول حبوبا مخدرة كثيرة في السجن فلم يعد يرى في الزنزانة إلا بيته، وفي رفاق الزنزانة إلا أبناءه وزوجته وأخته، ليتكشّف وغد الزنزانة حرامي السندوتشات هذا عن رجل بالغ الرقة في بيته شديد العذوبة مع أخته. وهناك كريم، ابن الفتوة الأسطوري الذي نال قوته الاستثنائية حينما شرب من النيل في لحظة توقف فيها عن الجريان. وهناك البرنس المطرب المحبط، والأم الممثلة الثانوية، والخالة المطربة المحطمة، وجميع الشخصيات بلا استثناء عرف محمد عبد النبي كيف يحفر لها أماكنها في ذاكرة القارئ. حتى بدرية الصغيرة، ابنة هاني محفوظ، يعرف عبدالنبي كيف ينتزع لها من أبيها سطورا قليلة لعلها كفيلة بأن تحدّد نظرة بعض قراء هذه الرواية لما ينتهي إليه الراوي أو حتى حكمهم عليه.
عندما يلتقي هاني بابنته "بدرية" بعد خروجه من السجن، تقول له "ما تعيطش يا بابا، هتخف وهترجع تتكلم تاني، أنا بادعي لك ربنا كل يوم". هذه الطفلة تمضي بعد هذا الظهور المارق العذب فلا تظهر مرة أخرى. هي مع أمها، بينما هاني حبيس عذاباته. هي مع أمها، وهاني مع حبيبه الخائن. وفي نهاية الرواية، لا يفكر هاني في هذا الامتداد. فحينما يعرف أن "كريم" أحب رفاق الحبس إلى قلبه قد هام على وجهه إثر معرفته أنه أصيب بالآيدز، يخرج هاني وحبيبه الخائن التائب ومعهما أحد المبرئين من القضية، لينطلق الثلاثة معا في رحلة البحث عن كريم، المثلي المتدين البريء الحامل للفيروس، في نهاية للرواية قد تعني التضامن مع بعض الضحايا دون البعض، وأخشى أنها قد تعني تحزب المتماثلين في وجه البقية.

نشرت المقالة أصلا في مدى مصر