Monday, June 05, 2017

شجرة المكرونة

شجرة المكرونة

بينما تقرأ فتاة نتكتم على اسمها مئة عام من العزلة، كانت أغصان شجرة خارج شباكها تمتد باتجاه جسمها. ولو أن رواية أخرى تقول العكس: لم تكن قرب شباكها شجرة قط قبل أن تبدأ القراءة. غير أن الروايتين سريعا ما تتفقان: كانت فتاة عادية، تستعد للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ويحبها ابن خال لها مقيم في المنامة ويكبرها بست سنين. يقال إنها كانت قد بدأت تكتب قصصا قصيرة جدا وإن مدرس الجغرافيا في مدرستها اصطحبها مرة أو اثنتين على سبيل التشجيع إلى نادي الأدب القريب. ينكر هذا المدرس الآن جملة وتفصيلا أن يكون قال لها "دعك من موراكامي، وعليك  بالبداية الصحيحة". يقول "أنا مدرس جغرافيا فقط، حتى أنه ليست في بيتي اصلا نسخة من مئة عام من العزلة".

المهم، ومهما يكن اتجاه الأغصان، أن لدينا الآن في قرية عادية، اسمها موجود في دفاتر الحكومة خلافا لماكوندو، شجرةً متصلة بفتاة، شجرة تلقى حول جذعها المكرونة بالشطة، وفتاة تعيش على النور والماء، وشباكا لا يغلق، ومعلم جغرافيا يصعد كل ليلة إلى سطح بيته فيحرق نسخة من مئة عام من العزلة، وبمجرد أن ينزل إلى شقته يجدها على الرف، بلا ذرة غبار عليها، بينما مجلدات قصة الحضارة عن يمينها، وشخصية مصر عن يسارها، غارقة في تراب أسود. وما الذي يمكن أن نقوله عن المنامة؟ الكلام الآمن أنها عاصمة مملكة البحرين، وأنها ـ بحسب ويكيبديا ـ تقع على ساحلها الشمالي، وتتجاوز مساحتها سبعة وعشرين كيلو مترا بقليل. ولا داعي لأي كلام عن طبيب أمراض جلدية مقيم فيها بحسب ما يشهد به مرضى وأصدقاء ومستندات حكومية، ومع ذلك، ومع ذلك كله ...

Friday, June 02, 2017

رسالة في زجاجة

حدث مرة، وأنا في الكلية، أن دعاني صديقان في نهاية يوم دراسي إلى الذهاب معهما إلى زميل لنا لداع ما، ربما أنه تغيب أياما عن الحضور، أو أن أحدهما كان يريد منه كتبا أو ورقا أو شيئا مما يريده الطلبة من بعضهم بعضا. قالوا إنه يقيم في قرية تابعة لمركز في محافظة الشرقية هو الأقرب من الإسماعيلة، أهو أبو كبير؟، وإننا سنركب القطار من بنها، ثم عربة إلى القرية، وفجأة كنا هناك.
سألنا عن البيت ووجدنا من دلنا. فتح لنا أحمد. أو أبوه: رجل كبير السن، لم ينجب غير أحمد وأخ له أصغر منه. واضح أنه موظف، وأنه أنجب كبيرا، ضعيف النظر، فهي وراثة إذن في الأسرة، يرتدي نظارة ندر أن صادفت أسمك من عدساتها. كان اليوم يصادف أحد المواسم. أكلنا في بيتهم رقاقا في مرق ولحما، وشربنا شايا جميلا، ومضينا عائدين.
ركبنا قطارا معتما مليئا بالمجندين العائدين من وحداتهم.
كان البيت على أطراف القرية، في خلاء لا بد أن يكون ازدحم، يرتقى إليه بدرجات قليلة، غارقا في نور العصر، مضاء من الداخل بلمبات نيون قوية.
ربما الضوء، ربما بياض بشرة الأسرة كلها، ربما أننا عوملنا للمرة الأولى ـ أو أنا على ألأقل ـ معاملة رجال يزورون صديقهم الرجل. ربما نظافة البيت والراحة التي بعثها في نفسي. ربما الرحلة. ربما الحنان الطاغي لدى أبوين في عمر جدين. ربما رقة أحمد ودماثته الطاغية. المهم، أن زيارة هذا البيت تلح عليَّ على مدار كل تلك السنين. رغبة حارقة عنيفة كأنها غصة دائمة، كأنها نقص في الكافيين، كأنها دين كلما عاودتني ذكراه طار من عيني النوم.
رأيت أحمد مرة واحدة بعد سنين من تخرجنا. كنت جالسا في ميني باص يتحرك من أمام جامع الفتح إلى عملي، ورأيته في الميدان، وناديته، وانتبه لي وعرفني. كان بيننا زجاج لا يتزحزح. أشار إلى أذنه فقلت ربما لم يضع منه رقم تليفوني المنزلي مثلما ضاع مني رقمه. ولم يتصل.
نسيت من كانا معي في تلك الرحلة. نسيت في أي سنة دراسية كنا.  ولا بد أن يكون أحمد فقد أباه مثلما فقدت أبي. 
ليست لدي صورة تجمعني بأحمد، أو تسجل ذلك اليوم. ولا أستطيع أن أقاوم حنيني كلما داهمني.
وأكتب 
عسى أن أقهر هذا الحنين. 

أو أن يقرأ.

Sunday, May 28, 2017

أفضل ما يكتبه المصريون منذ التسعينيات هو الشعر

أفضل ما يكتبه المصريون منذ التسعينيات هو الشعر

حوار محمود خير الله


ـ أحببت الذات "المناكفة" التي تكتب بها الشعر، من دون أن تتخلى عن عنفوان خيالها.. بينما سقطت قصائد نثر كثيرة في عاديتها.. كيف فعلت ذلك.. أقصد على ماذا كان رهانك؟
ـ نحن لا نختار ذواتنا، أتكلم عن الناس بصفة عامة وليس الشعراء استثناء، كل واحد فينا مبتلى بنفسه. حتى من يحاول تغيير نفسه أو تربيتها، هو يفعل ذلك في حدود قدرات هذه الذات نفسها. أنا متقبل تماما للذات الوحيدة التي أتيحت لي، وسعيد بها، بكل ما فيها من تعقيد أو تناقض.
المناكفة ابتداء كلمة جميلة، وأنا سعيد فعلا بأن نستعملها. لعلك تقصد الاعتراض. أو ربما أن تكون النظرة الأولى إلى أي شيء هي مبدئيا نظرة ارتياب. أعتقد أن من الممكن فعلا أن تقرأ قصائد من هذا الديوان، أو ربما كل قصائده، باعتبارها اعتراضا على شيء ما، على قانون كوني مثلا، على وضاعة إنسانية معينة، على نقيصة شخصية وضع الشعر مشكورا يدي عليها وفضحها أمام عيني.
رهاني في هذا الكتاب، أو المسعى الذي كان نصب عيني طوال سنوات كتابتي لقصائده، هي أن أعرف كل مرة شيئا عن نفسي. الرغبة في إقناع أي قارئ بأنني "الشاعر" أو "اللاعب" أو "الماهر" تقلصت إلى أقصى درجة في هذه القصائد، إلى مجرد الدرجة التي تبقيني داخل الفن، ومع ذلك أعتقد أن في الكتاب قصائد لم تنجح في امتحان الفن، ليس بالطريقة التي ترضيني كقارئ. لكن عزائي أن أغلب قصائد الكتاب نجحت في الامتحان الذي كنت أكثر انشغالا به.
ـ من وجهة نظرك لماذا يكتب الشعراء في سن الأربعين كل هذا الموت، أنت تبدأ الديوان بقولك "أعرف الشخص الذي بعد أن أموت لن يكون لديه ما يكنسه"، وتتعدد مشاهد الموت في أغلب القصائد وتقول مرة: "أريد أن أموت قبل أن أكبر/أعني أكثر من هذا"..؟
ـ سأتكلم عن نفسي طبعا. أعتقد أن لحظة ما تأتي على الإنسان قرب الأربعين فيتوقف عن عادة شبابية حتمية، هي التعامل مع الحياة باعتبارها عصفورا مضمونا سوف يبقى دائما في اليد. في الأربعين يفتح الرجل يده فلا يرى فيها العصفور، لا يرى أنه كان فيها قط، لا أثر منه على الإطلاق. وما بقي من الحياة مهما يكن قدره، هو بالأحرى العصفور الأخير من عصافير كانت تبدو كثيرة على الشجرة.
في القرآن، وهو كتاب لا أتوقف عن مطالعته، حتى حين لا أطالعه، آية عن الموت الذي سوف يدركنا ولو كنا في بروج مشيدة. حين أفكر في هذه الآية، حين أسأل بطفولية: كيف؟ أجد الإجابة الطفولية: الشيء الوحيد القادر على الدخول معك إلى أمنع حصونك هو شيء موجود أصلا بداخلك. هذا ما أكتشفه قرب الأربعين: الموت جزء مني، كيان صغير، ولد معي، ويكبر معي يوما بيوم، وستأتي لحظة يلزمه فيها أن يستريح من عناء النمو والتدهور، وستكون هذه بالمصادفة هي اللحظة التي سوف ينال التعب مني أنا الآخر، فنرقد، أنا وهو، في سلام في ما أرجو.

ـ على الرغم من أن الديوان يخلو من العناوين والأسماء إلا أن اسم أحمد شافعي يلعب دوراً محورياً في بعض القصائد.. هل يعكس ذلك انشغالاً بالذات عن العالم والآخرين؟
ـ مرة أخرى، نحن مبتلون بأنفسنا. وأتذكر والت ويتمن وأحذو حذوه: أحتفل بنفسي، وأغنيها. لا أعتقد أن الانشغال المجدي بالذات يحجب الانشغال بالعالم وبالآخرين. فالحقيقة أنني أعرف عن نفسي بتأملها، وأعرف عنها أيضا بتأمل صورتها لديك، وأعرف عنها بعضا من أهم وأثمن ما أعرفه عنها حين أضع نفسي مكانك. ظهور مرض جديد في قرية نائية بكندا رسالة موجهة إليَّ أنا باسمي، لكنها وصلت إلى عنواني في كندا. احتمال قيام حرب بين أمريكا وكوريا الشمالية تهديد شخصي لأمني. وجود إسرائيل في فلسطين ورم في جسدي نفسه. لا أظن شاعرا يستطيع الانصراف عن العالم، لكن كل واحد يهتم بطريقته. لا أظن قصيدة يمكن أن تلهينا عن العالم إلا بقدر ما نريد ونحن نقرؤها أن نتلهى عن العالم.

ـ أريد أن أعرف رأيك في جيلك من الشعراء، أقصد أبناء الموجة اللاحقة على شعراء التسعينيات.. هل هناك ملامح لهذا الجيل في رأيك؟
ـ أحب من شعراء ما بعد التسعينيات محمد خير ومنتصر عبد الموجود ومحمد أبو زيد وأدهم الصفتي. ولا أرى أن شيئا يجمعهم إلا أنهم يكتبون قصائد جميلة. وأحب شعراء وشاعرات أصغر من هؤلاء سنا. ولكن للأسف، ربما لا أكون الشخص المناسب لرصد الملامح المشتركة التي تصنع أو لا تصنع "جيلا" أو "اتجاها" في الكتابة. فقط ألاحظ أن أفضل ما يكتبه المصريون منذ التسعينيات وحتى هذه اللحظة ليس الرواية كما يتوهم البعض، بل هو على وجه التحديد شعر النثر.

ـ كتبت الرواية والشعر، ماذا عن عملك الروائي الجديد؟
ـ أعتقد أنني بصدد كتابة قصيدة نثر طويلة. سوف يبدو في النهاية أنها رواية. نوفيلا مثلا. لكن ما أكتبه حقا هو قصيدة نثر. ولا أعرف إن كنت سأحافظ على اهتمامي إلى أن أنتهي منها، فالذي يحدث دائما أنني أظل أكتب ربما آلاف الكلمات في نشوة حقيقية، ثم تأتي اللحظة التي يتحتم أن يبدأ فيه عمل الروائي الحقيقي: العتالة، فأفضِّل أحيانا عمل الشاعر على عمل العتال.
ـ معنى انك أصدرت ديوانين اثنين فقط خلال تسعة أعوام فهذا يعني أنك تلقي قصائد كثيرة في البحر؟
ـ نعم، أفعل الشعر وأرميه في النت J. كتبت بين ديواني "وقصائد أخرى" و"77" قصائد قد تصنع كتابا أو اثنين، ونشرت كثيرا منها، في مدونتي، وفي مواقع إلكترونية، وفي مجلات وجرائد أيضا. ولكنها لم تحرضني على جمعها في كتاب.

ـ أريد أن أعرف رأيك فيما يسمى بـ "مؤتمرات" الشعر في وزارة الثقافة مثل مؤتمرات المجلس الأعلى للثقافة وكيف ترى جوائز الدولة التشجيعية للشعر؟
ـ الحقيقة أن تجمع أي عدد من الشعراء بعيدا عن مقهى أو حانة أمر لا ضرورة له.
أما جائزة الدولة ففي الحقيقة لا أعرف عنها الكثير. أعرف فقط أن لدى الدولة جائزة للشعر، وجائزة لشعر العامية، وهذا يعني أن الدولة لا تفهم جيدا، أو لا تفهم مطلقا، وأنا أرى أن الدولة لا بد أن تقرأ أكثر لأن القراءة مفيدة عموما.

ـ أنت مترجم نابه ونشيط، كيف ترى حالة السلاسل الأدبية المصرية الصادرة عن وزارة الثقافة وهل تحقق إشباعاً للقاريء المصري المتعطش لقراءة الأدب الأجنبي؟
ـ أغلب الترجمات رديئة في الحقيقة. لكن ليس في وزارة الثقافة المصرية وحدها. دور النشر المصرية الخاصة تنافس بقوة، ودور النشر الكبرى في العالم العربي لها ثقلها أيضا. هناك زخم مبهر في الترجمات الرديئة يجعل الواحد مطمئنا على أننا لن نعاني قريبا من أي نقص في هذا الجانب.

ـ لديك تجارب نشر مع وزارة الثقافة من ناحية ومع دور نشر خاصة من ناحية أخرى.. ما أبرز العيوب والمزايا في الناحيتين؟
ـ الناشر تعريفا هو ذلك الشخص الذي يعيش من الكتب، مع أنه لا يكتبها، ولا يطبعها، ولا يقرؤها (في أغلب الحالات). هو الوسيط بين الكاتب والمطبعجي والقارئ. أحلم باليوم الذي نتخلى فيه عن الناشرين، فنضع كتبنا على الإنترنت، ويشتريها الناس منا مباشرة بقروش قليلة، فنعيش نحن الكتاب، ويستمتع القراء، وبالنسبة لحفنة الأشخاص الذين يعملون بالنشر، فيمكن توجيههم إلى مراكز تدريب، ومن يدري، ربما يتحول بعضهم من مصاصي دماء، إلى حالبي أبقار نافعين.

ـ أعلنت إعجابي بكتاب "بيت حافل بالمجانين" حوارات باريس ريفيو مع عدد من الروائيين العالميين الكبار، ماذا عن حوارات المجلة نفسها مع الشعراء هل تقوم بترجمتها قريباً وهل تضم بعض الشعراء العرب؟
ـ طبعا يشغلني هذا الحلم، وربما في القريب أصدر كتيبا مع إحدى المجلات العربية اتفقنا أن يحتوي ثلاثة فقط من هذه الحوارات. أرجو أن أبدأ العمل فيه في مطلع العام القادم.

ـ أريد أن أعرف خلاصة تجربتك مديرا لتحرير مجلة عالم الكتاب التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب؟
ـ كان العمل مع محمد شعير وأمير زكي وأحمد اللباد متعة خالصة. ثبت أن بإمكان أربعة أشخاص لا يلتقون لـ"العمل" إلا في المقهى أن ينتجوا شيئا جميلا. وثبت أيضا أن العمل مع وزارة الثقافة المصرية غلطة عمر أي فرد من الهومو سابينز. مجلات وزارة الثقافة لا تمتلك مقومات ذاتية للبقاء، ناهيك عن النجاح، فهي كائنات طفيلية بحاجة دائما إلى أن تعيش على امتصاص دماء كتاب جدد.


نشر جزء من الحوار في عدد الأسبوع الحالي من مجلة الإذاعة والتليفزيون

Sunday, May 07, 2017

أهمية أن لا تلتئم

أهمية أن لا تلتئم


لعل أجمل ما في كتاب "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" الصادر حديثا للشاعرة إيمان مرسال هو ما لم يقله عن الأمومة (والأبوة في نظري على الأقل، أو في تجربتي على الأقل): أنها حوار. أخذ ورد. تعلم بالتجربة والخطأ. ذلك ما لم يقله الكتاب نصا، لكنه كانه من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة. حوار متصل مع قصائد من بولندا ومن سوريا ومن مصر، ومع الفوتغرافيا، ومع الذات بالطبع، ومع الأم ومع الابن، مع اليتم، ومع النمط.
الأمومة في شكلها البيولوجي البحت تفتح الجسد نفسه للآخر، تسخِّره له يستعمله استعمالا. الأمومة بهذا المعنى (ومهما يكن ضغط النمط هنا) لا تعني إلا الانفتاح على الآخر والانفتاح للآخر، لكن هذا الكتاب يبيِّن كيف أن الأمومة تعني أيضا استعمال الآخر لمصلحة فهم الذات.
حضور عشرات الأسماء والأفكار في الكتاب (الذي افترضت قبل قراءته وأحببت أن يكون تجربة امرأة/شاعرة مع الأمومة) لا يساوي بين الخاص (تجربة أمومة معينة) والعام (تجارب الأمومة الكثيرة المختلفة)، فيسقط التجربة الشخصية على تنويعة التجارب العامة الإنسانية، بل ربما يفعل العكس، أي أنه يتصالح مع العالم، ويعتبره طريقا إلى فهم الذات. أو هو ببساطة استغاثة من الذات بالعالم، فكأن إيمان مرسال وهي تحاول أن تفهم الأمومة، تعترف ببنوتها هي للعالم، وتطلب أن يعينها على فهم ذاتها.
كفرد يقرأ الكتاب، شعرت للوهلة الأولى أن تلك الجولة في عالم مترام من الأفكار قد لا تكون إلا مهربا من مواجهة التجربة الشخصية مواجهة مباشرة لعلها مخيفة، خاصة وأن التجربة الشخصية (أعني أمومة إيمان نفسها كما تظهر في فصل اليوميات مثلا) تنطوي على خصوصية تجعلها بالفعل تبدو ـ لي ـ مخيفة، لكن قليلا قليلا تبيَّن لي أن هذا الدوران كله كان يرمي إلى محاصرة التجربة الفردية لفهمها، أو هو ببساطة إظهار عملي لما تفعله الأمومة في الإنسان: توسِّع ذاته مثلما لا يفعل شيء آخر.
لعل الأمومة بانتهاكها جسد المرأة جرح فعلا، جرح فيزيقي لا يخلو قطعا من ألم ومن دم ومن حاجة إلى الشفاء. لكنه جرح قد لا يلتئم إلا بالاعتراف بوجوده، والتسامح مع دوامه، والإيمان بضرورته، جرح دواؤه التعايش معه، ومحبته، ربما شأن أي جرح.



Saturday, April 08, 2017

كلمتان في سيميك

فطيرة الكريز
تشارلز سيميك


لو كان صحيحا أن الشيطان
يغمس إصبعه في كل فطيرة،
فلا بد أنه ينتظر الليل
أن يحل،
والعتمة أن تتكاثف
في الفناء،
فلا نراه وهو يلعق إصبعه
الذي غمسه في فطيرتك،
فطيرتك التي أخرجتها من الفرن يا حبيبتي
ووضعتها لتبرد
جنب الشباك المفتوح.

***

للوهلة الأولى تحدثك نفسك بعدما تنتهي من قراءة هذه القصيدة أن تشارلز سيميك الذي تحبه بدأ يستهبل. فما هذا الهراء؟ ثم إنك ستعاود القصيدة وتقول لنفسك: آاه. القصيدة قائمة على افتراض. افتراض بأن الشيطان يغمس إصبعه في كل فطيرة. وتبتسم ابتسامة من فهم شيئا عميقا، ثم تكتشف أنك لم تفهم شيئا عميقا، باستثناء أن الشاعر الذي تحبه بدأ يستهبل. ثم تكتب عن ذلك. ويخطر لك أن وضع الشيطان إصبعه في كل فطيرة أمر جلل. نحن نتكلم عن كيان أزلي، ونشاط أزلي، مرتبطين معا منذ فجر تاريخ الإنسان، منذ أول وأقدم وأعرق فطيرة عرفتها الإنسانية، ولكن الشاعر لا يلتفت من كل تاريخ الإنسانية المهيب هذا إلا إلى فطيرة حبيبته، فطيرة الكريز. وتبتسم، ثمة أمر عميق يوشك أن يظهر، ثم إنه لا يظهر. الأمر أن الشاعر يستهبل. وتفكر، وتستدعي في ذهنك كيكة الشوكولاتة، في سخونة الشوكولاتة، أو مربى الكريز، في سخونة الفطيرة، في سخونة "يا حبيبتي"، في أي سخونة، في حسية غمس الإصبع في الـ فطيرة، وألا يمكن أن نتصور شيئا آخر ينغمس كالإصبع في شيء آخر يشبه الكريز، الساخن؟ وتكتشف أنك بدأت تكتب القصيدة لأن الشاعر لم يكتبها، لأنه كان يستهبل.

ثم إنك تتساءل عن "يستهبل": لماذا لم تقل يتهابل؟ هذا لأنك تكتبها بالعامية. ثم تقول لنفسك: وماذا لو أنها فصيحة؟ ولكنك غير واثق مما يذهب إليه ظنك وحدود معرفتك بلغتك، ومع ذلك تقول لنفسك إن يتهابل (أو يتباله بقى على الأرجح) معناها أن الشاعر يتصنع البله، أما يستهبل (أو يستبله بقى على الأرجح) فمعناها أنه يفترض فينا البله. وتبتسم لأنك وصلت إلى شيء عميق: ثمة افتراضان في هذه القصيدة. الأول افتراض من الشاعر بأن الشيطان يغمس إصبعه في كل فطيرة، والثاني افتراض من الشاعر بأننا بلهاء نكره أنفسنا على رؤية الجمال في أي نص لشاعر نحبه. وهذه المرة لا تتبدد ابتسامتك.

نشرت القصيدة الأصلية في ذي ثري بيني رفيو، ربيع 2017

Tuesday, November 22, 2016

أهلا بكم في صحراء الواقع

أهلا بكم في صحراء الواقع



عندي معيار شخصي للغاية لتقييم الأدب، لعله أثرٌ في نفسي من أيام قراءة "ملف المستقبل" قبل سنين بعيدة. ففي بعض قصص السلسلة التي كان يكتبها د. نبيل فاروق، نشبت حرب شرسة بين أجهزة مخابرات العالم على حقيبة صغيرة جمعت فيها المخابرات المصرية منسوخات مرقمنة من أهم الأعمال الفنية على مدار  تاريخ الإنسانية. كان العالم قد انتهى مثلما انتهى أكثر من مرة على يد نبيل فاروق، فصارت تلك الحقيبة هي الدليل الوحيد على الحضارة الغابرة، والدليل الهادي الى الحضارة المنتظرة، والكنز الوحيد الباقي جديرا بأن يتصارع عليه العالم.
معياري: في سفينة ترحل الى كوكب آخر قبيل زوال كوكب الأرض، هل تصطحب هذا الكتاب معك؟ سؤال أوجهه إلى نفسي. هل أوثر هذا الكتاب على مثل وزنه من بذور النباتات مثلا، أو الصور العائلية حتى؟ وقلّما أجيب بنعم. كتب قليلة للغاية هي التي ينطبق عليها هذا المعيار شديد القسوة شديد الشخصية في آن واحد. ربما لا أعود الى قراءة هذه الكتب القليلة، لكنني أعرف أنني سأحب أن يقرأها ابني وابنتي، راجيا أن تقول لهما مثل ما قالته لي، موقنا أنها ستقول أكثر مما قالته لي، وما قد لا يكون أمامي سبيل لأعرفه.
رفٌّ إذن في مكتبتي، هو متاعي إلى كوكب آخر، أو بالأحرى إلى دنيا غير دنياي على هذا الكوكب، يعيشها بشر آخرون بينهم من أحرص على قلوبهم وعقولهم، وأرجو لها أن تكون أرحب وأعمق من قلبي ومن عقلي. رفٌّ أضع عليه الكتب التي ملأت هوامشها بالتعليقات، وخطَّطت أو ظلَّلت كثيرا من عباراتها، محدّثا نفسي بأن ذلك قد يكون إرثي الوحيد.
من هذه الكتب "فساد الأمكنة".
***
سنوات مضت منذ قرأت رواية الكاتب صبري موسى هذه للمرة الأولى، ولم أزل أعيش بصحبة بطلها نيكولا، في منفاه الطوعي بصحراء مصر الشرقية، أرافقه مثلما أرافق الملازم "جيوفاني دروجو" وهو يقضي السنين تلو السنين منصتا كلَّ ليلة إلى تقاطر الماء على صخر جدران القلعة الحدودية التافهة منتظرا التتار فلا يظهرون في رواية "دينو بوتزاتي" البديعة "صحراء التتار" ـ وذلك كتاب آخر أرشحه للكوكب التالي.
ربما يكون فن الرواية كله قد بدأ بشخص رمت به الطبيعة إلى جزيرة فاكتشف فيها حقيقة أساسية من حقائق الوجود الإنساني غابت عنه في عاصمة العالم آنذاك، مدينة لندن. حقيقة أن كلا منا يولد فردا، ويعيش فردا، ويموت فردا، وأن المجتمع بكل صوره الممكنة ليس إلا محاولة للإلهاء عن هذه الحقيقة المفزعة، أو لمقاومة ضغط هذه الوحدة وهذه الوحشة وهذه اللعنة، وأنها محاولة لا يكتب لها من النجاح إلا بقدر ما يكتب لكل فرد منا من العمى أو القدرة على التعامي.
غير أن نيكولا عند صبري موسى، ودروجو عند دينو بوتزاتي، لا يذهبان إلى عزلتيهما بدفع من الطبيعة القاهرة، فما من عاصفة ملموسة تقذف بأيٍّ منهما إلى مصيره، بل هي ذاته نفسها، أو هي جرثومة فيها قد تدعى الأمل في حالة دروجو، أو الندم في حالة نيكولا.
وفي جزيرة تلقى إليها رغم أنفك قد يكون منطقيا أن تنتظر سفينة تظهر في الأفق، أو قد ينفعك رفيق يخرج لك من الغابة، أما حينما تكون العاصفة بداخلك، والجزيرة أنت، فلا يبدو أن لك مفرا. يقول نيكولا لنفسه "ما فائدة الرحيل يا نيكولا ما دمت تحمل داخلك معك أينما حللت؟" ومثل ذلك قاله قسطنطين كفافيس أيضا في قصيدة "المدينة" حيث يقول ـ وأستدعي من الذاكرة ـ "إذا كانت حياتك قد خربت هنا، في هذا الركن الصغير من العالم، فهي خراب أينما حللت".
لعلنا نخلص من هذا إلى أن حفنة من الكتب العظيمة نحملها معنا قد لا تحول دون خراب كوكب جديد، وإلا فلماذا لم تحل دون خراب كوكبنا هذا؟ لعلنا نخلص إلى أننا حينما ننجو بأنفسنا من هذه الكوكب، ونلوذ بكوكب جديد، نحمل بأنفسنا ما فيه خراب الكوكب الجديد: نحمل إليه أنفسنا. لعل الأمر كذلك حقا، ولكن ماذا بأيدينا غير أن نثق في بعض منا، في بعض العقول البصيرة والقلوب الشفافة، في بضعة كتب قد تمنحنا فرصة أخرى، إن نحن منحناها فرصة أخرى؟ ماذا بأيدينا غير هذه القشة نتشبث بها؟
***
في أسوأ قراءة ممكنة ـ في تقديري ـ لـ"فساد الأمكنة"، قد يرى القارئ الرواية أهجية للملكية، أعني نظام الحكم الملكي في مصر ما قبل ثورة 23 يوليو 1952. قد يودّ قارئ أن يضيّق الأفق إلى بلد معيَّن في زمن معيَّن يحكمه شخص معيَّن، ثم ينتهي من قراءة الرواية ليحدّث نفسه بأن كل ذلك زال بزوال ذلك الحاكم الذي حلّ بالصحراء فقضى فيها طرفا من ليلة وطرفا من نهار، فترك على صفحتها البيضاء بقعة دم سوداء ملوثة إلى الأبد. نعم، قد يحلو لقارئ أن يتعامى إلى حد أن يبحث لتراجيديا كبرى من تراجيديات الأدب عن سبب تافه كنظام حكم، بل شديد التفاهة كشخص، مجرد شخص، أفسدته السلطة المطلقة فأفسد غير عابئ ناسا وأمكنة.
ولكن الرواية توشك في كل فقرة منها أن تلمح لقارئها بما صرحت به الآلة أو "العميل سميث" في سلسلة أفلام ماتريكس. قالت الآلة من وراء  قناعها الإنساني لـ نيو إن "البشر مرض، البشر سرطان هذا الكوكب". ترصد الآلة نشاط الإنسان الطبيعي وسعيه ـ سعي الحيوانات إلى المراعي ـ بحثا عن الموارد في قطعة من الأرض حتى إذا أنهكها وأتى على ما فيها من خيرات، تركها جرداء ميتة إلى غيرها، وسأل نيو: أتعرف أي كائن يسلك مثل هذا السلوك؟ وأجاب: الجراثيم. وقال إن البشر هم جرثومة هذا الكوكب. لم يقل إن البشر هم فساد الأمكنة.
في حين كان الملائكة أكثر وضووحا ومباشرة إذ قالوا لله شخصيا "أتجعل فيها من يفسد فيها؟".
لعل عنوان الترجمة الإنجليزية لهذه الرواية ـ وهو "بذور الفساد" Seeds of Corruption ـ أقرب إلى الدقة من عنوانها العربي، وإن يكن نصيبه من الجمال أقل بما لا يقارن. لعل العنوان الأدق بالعربية هو "إفساد الأمكنة".
                                                                           ***
بعد سنين طويلة من قراءة "فساد الأمكنة" للمرة الأولى، قرأت كتابا آخر، وجوهرة أخرى من جواهر صبري موسى، صدر ضمن أعماله الكاملة (عن الهيئة العامة للكتاب) في مجلد أدب الرحلات. كتاب قصير عنوانه "في الصحراء".
في زمن كانت مؤسسة الأهرام (في ظل رئاسة محمد حسنين هيكل) لا تجد من ترسله لتغطية احتفالات إنجلترا على مدار عام كامل بذكرى شكسبير إلا قامة بحجم لويس عوض، فيقضي الرجل شهورا هناك، يرسل خلالها متابعاته الصحفية إلى الجريدة، ثم يترك للمكتبة العربية كتابا بديعا اسمه "البحث عن شكسبير"، وفي زمن كانت مؤسسة صحفية أخرى ترسل فيه كاتبا مثل عبدالله الطوخي ورساما ـ نسيت اسمه للأسف ـ ليسجلا بالقلم والريشة وصفا جديدا ساحرا لنهر النيل يصدر لاحقا في كتاب ليته يجد من يتحمس لإعادة طبعه هو "رباعية النهر". في ذلك الزمن، البعيد (ربما سنة 1963) أرسلت مجلة صباح الخير كاتبا شابا هو صبري موسى ورساما إلى صحراء مصر الشرقية، هذا ليرسم، وذلك ليكتب، مقدمة خدمة صحفية جديرة بعد ذلك بأن تصبح كتابا يكتنزه قارئ ضمن أعز ما لديه من كتب.
"في الصحراء" هو "فساد الأمكنة" وأكثر. أو هو "فساد الأمكنة" إلا قليلا. فيه نيكولا، لكنه هارب إلى مناجم مصر من الثورة البلشفية، وفيه الرجال الذين تأكلهم ثعابين البئر، لكنهم لم ينزلوا البئر تنفيذا لأمر الشيخ الشريك في المنجم، بل لأن محافظ البحر الأحمر طلب من أهل الصحراء أن يجدوا ماءهم بأنفسهم لأن الدولة مشغولة عن خدمة الشعب بالتفنن في قهره والاستمتاع المريض بسلطتها عليه. فيها الوصف الواقعي لعناء عمال المناجم مثلما في "فساد الأمكنة". وفيها من التأملات ما نقل حرفيا من الصحافة إلى الرواية. فهذا الكتاب الصغير (المؤلف من نحو 130 صفحة) هو نخاع هذه الرواية الفذة. لكن فيه ما هو أكثر. أو لعله أقل.
فيه أنه واقع.
منذ اللحظة الأولى يبدو موسى واضحا إزاء غاية رحلته، مدركا لها تمام الإدراك: "أن أعذبكم .. أن أغسلكم بالشمس .. أن أضع كلا منكم أمام نفسه .. ليتفرج عليها .. ويكتشفها".
ثمة هيام بالصحراء والطبيعة البكر والبساطة الشديدة والصراحة المطلقة، ونفور ورفض للمدينة والحضارة يمكن لمن يشاء منكم أن يصرف كل ذلك عن نفسه معتبرا إياه ضربا من رومنتيكية لم يعد لها مكان في زماننا أو وعينا.
***
"نحن الذين نعيش في المدن أغلب حياتنا تصبح عيوننا قاصرة وضعيفة، لأننا ما نكاد نطلقها حتى تصطدم بأشيائنا .. بمصنوعاتنا .. تصطدم بتمديننا [...] ولا تجد فرجة صغيرة تحلق منها إلى آفاق أمنا الطبيعة، فنتأمل القمر والأرض والسماء .. وقد أحسست بعيني تفلتان مني في هذا الخلاء الفسيح".
تلك كانت لحظة لقاء الكاتب الأولى بالصحراء، وواضح تماما أنه نظر حوله فرأى ما ليس حوله، رأى المدينة، رأى الموضع الذي جاء منه ("وما فائدة الرحيل يا نيكولا؟") ولكن الوقت سيتاح له لاحقا ليتخلص من ذهنه، ويتيح لعينيه بغير قيود هذا الذهن وإملاءاته أن تريا ما حولها فعلا فيتعلم منه ما يسعه أن يتعلمه.
لا أريد لهذه السطور أن تكون انتصارا للواقع على الأدب، أو للدقة، لا أريدها أن تكون انتصارا له على الخيال. لأنني لا أرى حربا بين الاثنين، ولا أرى هذه القسمة حاسمة كما تبدو. فلست أعرف كيف يمكن اعتبار أي منتج إنساني ـ والخيال منتج إنساني في نهاية المطاف ـ مغايرا للواقع. الخيال حفيد الواقع، بما هو ابن للإنسان. الخيال يوسِّع الواقع، ويعلمه، ويكشف عوراته. ولكنه في نهاية المطاف خيال. و"فساد الأمكنة" في نهاية المطاف رواية، هي شهادة كاتبها وتأملاته، فلنا أن نقبلها منه أو نرفضها، لنا أن نتخذها تسلية أو عبرة أو نفعل فيها ما نشاء. في حين أن الصحافة ترصد واقعا لن يكون استخفافنا به أو حتى انصرافنا عنه ذوقا أو ميلا، بل هو جحود وقسوة وعوار في إنسانيتنا نفسها.
***
في لحظة اللقاء الأول بين الكاتب والصحراء، "ذهبت ألاعب صديقي الجديد وأكتشفه.. صديقي السراب [...] أقسم أنني رأيت أشجارا.. أشجارا كثيفة وارفة، تبدو وكأنها تموج وتتحرك". في هذه اللحظة يلمس رفيقه الخبير بالصحراء كتفه ويسأله "أتتفرج على السراب؟". هكذا، لا يكاد الكاتب يقضي لحظات في الصحراء حتى يشف، وينكشف أمام صاحبه انكشاف الصحراء أمام كليهما. هكذا يصبح حتى خيال الإنسان ووهمه شركة بينه وبين أخيه الإنسان.
ليس غريبا إذن أن يعرف السائق الخبير بالصحراء أن عليه أن يتتبع آثار السيارة السابقة، أو للدقة آثار السائق الذي سبقه إلى السير على الطريق، فإن راوغته الآثار للحظة أوقف السيارة، ونزل بنفسه مفزوعا يحملق في الأرض بحثا عن أخفت ما بقي من ندهة أخيه الإنسان القائلة له من وراء الزمن "اتبعني". في الصحراء، نتعلم أن نولي إنسانا هذا القدر الهائل من الثقة، فنأتمنه على حياتنا نفسها، على نجاتنا من الموت جوعا وعطشا، وليس ذلك فقط بدون أن نعرفه، بل وبدون أن يكون حاضرا. فقد نكون نحن فساد الأرض كما يقول موسى في الرواية وكما سبق أن قالت الملائكة في لحظة خلق آدم، قد تكون الحضارة علمتنا أن لا يأمن بعضنا إلى بعض، ولكننا في الصحراء نسترد هذه الثقة في البشر، نتذكر أن ذلك الإنسان الغائب عنا  حريص حرصنا على الحياة، وأن هذا السبب وحده كاف لأن نقتفي أثره. هذا ما تخفيه الحضارة عنا في المدن وفي القرى وفي الزحام.
واقعية "في الصحراء"، أو صحفيته، هي ما تجعله قراءة ثقيلة على النفس تماما، فنحن هنا غيرنا في "فساد الأمكنة"، فلسنا متفرجين نقيس براعة الكاتب ونقيّم حبكاته ورسمه شخصياته، بل شهود، نرى أمام أعيننا آباء لنا لا بد أن الموت غيّبهم، ولكننا نراهم في شبابهم وهم يهدرون أيامهم يستجدون بالمعاول من صخور الجبل قروشا قليلة، نراهم يختلون إلى أنفسهم قارئين رسائل الأهل والزوجات، نراهم يلتقطون علب وجبات المهندسين إذ تسقط من أعلى الجبل لتكون لهم آنية، ونراهم فور أن يكتمل ما يكفي شراء قطعة أرض يفرون من الجبل إلى الوادي غير آسفين عليه وعلى معادنه وعلى مهنة التعدين كلها (وهي "مهنة بلا محبين"). يرينا "في الصحراء" أن وهم حقل الغاز ومنجم الذهب ونبع الدولارات التي لا وجود لها إلا في صفحات جرائدنا الأولى هو وهم قديم ومكرور وسخيف صدقه آباؤنا وفرحوا به وانتظروا منه الخير مثلما يصدقه بيننا من يصدقه ويفرح به وينتظره. ويرينا الكتاب السيول التي ضربتنا أخيرا وهي تتكون منذ أربعين عاما وأكثر دون أن يعنى أحد بترويضها، فيموت في الستينيات ثلاثة رجال في جوف بئر يستجدونه قليلا من الماء، ويموت في 2016 كل من ماتوا ضحايا سيول الماء، ترينا أننا متنا ولا نزال نموت، بينما يحكمنا من لا يبالون بموتنا بل من يضيقون بحياتنا.
***
لا أريد أن أنتصر للصحافة على الأدب أو الأدب على الصحافة. فما من معركة أصلا. فلا تكاد تتوافر الموهبة حتى يصل كل إلى مناطق في وعينا تستعصي على سواه.
"في الصحراء" يمنحنا كل ما تمنحنا إياه "فساد الأمكنة" من مساحات شاسعة لتأمل وجودنا، ويزيد عليها أنه يدفعنا أن ننظر إلى ماضينا في غضب، وحاضرنا في غضب، ومستقبلنا إذا سمح الوقت. يمنحنا ميزة ـ أو عيب ـ أن نتذكر أننا مصريون وأننا نعيش في بلد ذلك ماضيه وهذا حاضره.
وتمنحنا "فساد الأمكنة" ما لا يمكن أن يمنحه الواقع: أن نرى أنفسنا في الجبل مثلما نراها في الإنسان، أن نحاسب أنفسنا على جريمة قد لا نرى دماءها على أيدينا، لكننا إن أمعنا النظر، نرى دماءها سارية في عروقنا.


نشر المقال اليوم في جريدة القاهرة، والعنوان مستعار من كتاب لسلافوي جيجيك

Wednesday, November 02, 2016

خبرات صديقة

خبرات صديقة
أصدقائي خبراء في الاقتصاد
يفتونك في تذبذب العملة
والركود والتضخم
ويسهبون في أحجية فائض القيمة
لكنني على المستوى الشخصي
لم أحتج فتوى بعد.
وخبراء في السياسة
لكنني لم أزل أعتقد بسذاجة
أنه قد لا يكون آمنا لمثلي
أن يعرف بهذه الدقة المريبة
كلّ مبررات القتلة.
وخبراء في البيئة
لا يشق على ألسنهم
أن تنطق "الاحترار"،
لكنْ هذه البيئة التي يفهمونها
شديدة الغرابة
لا تحب أن يستعملها أحد.
وخبراء في كرة القدم
لكنهم في هذا بالذات
كأصدقاء أي أحد.
وخبراء في الأدب
قرأوا الروايات القليلة
التي تغني عن قراءة بقية الروايات
وكل الأدب.
وبدا في لحظة أنهم
خبراء ثورات محنّكون
أنبأوني مبكرا أن الثورة ستموت،
كانت ثورة جميلة كالحلم
لكنه جمال لم يشفع لها عند د أصدقائي
حانوتية الثورات.
وخبراء في تفسير الأحلام
لكن من سوء حظي 
ليس في تحقيقها.
وهم عموما
خبراء في النفس البشرية
حتى لو كنت أنا
الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

كيف
وقد كنا معا طول الوقت
لم أصبح
خبيرا في شيء؟
أم تراها خبرة أيضا:
أن تعرف كيف تصمت
بلغتين على الأقل؟