كنت مثل كثيرين ينظرون بتوجس إلى الترجمات التي تتم عن غير لغة "الأصل"، أو ما يعرف بالترجمة عن لغة وسيطة. وكنت مع ذلك "أضطر" إلى ممارستها لأسباب شتى، ليس أقلها أهمية أن يفرض نص ما نفسه عليّ لأهميته أو لجماله أو لمجرد الرغبة الإنسانية البسيطة في إشراك آخرين في المتعة.
كنت أتوجس من هذا النوع من الترجمة، لمعرفتي أن كل نص يفقد شيئا أو أشياء عند ترجمته إلى لغة أخرى. ولأن البعض يعلي من شأن هذا الفاقد إلى حد أن يعرف روبرت فروست الشعر بأنه "ما يضيع في الترجمة".
وكنت أتوجس من هذه الترجمة برغم أن بعضا من أهم النصوص المؤسسة لوعيي ـ وآخرين بالقطع ـ لم تكن إلا ترجمات عن لغات وسطى، ولعل أهم الأمثلة التي تحضرني هنا هي ترجمة سامي الدروبي لأعمال دوستيفسكي الكاملة عن الفرنسية، وترجمة المهدي أخريف لأعمال فرناندو بيسوا عن الأسبانية، وترجمة إزرا باوند للشعر الصيني، ولعل هذا المثال الأخير هو المثال الصارخ للترجمة عن غير اللغة الأصلية. لقد كتب إليوت يوما ـ والعهدة على مقال نشره مؤخرا آدم كيرش في ذي نيو ريببليك ـ أن إزرا باوند هو "مخترع الشعر الصيني في اللغة الإنجليزية" فلولاه لتأخرت معرفة الناطقين بالإنجليزية لهذا الشعر.
إزرا باوند لم يكن يجيد اللغة الصينية. ولكنه تلقى ذات يوم دفترا يضم ملاحظات حول قصائد صينية كلاسيكية. هذا الدفتر كتبه أستاذ أمريكي للعلوم السياسية في إحدى جامعات اليابان. وهذا الرجل بدوره لم يكن يجيد الصينية أو اليابانية. فاستعان على قراءة الشعر الكلاسيكي الصيني القديم بأساتذة يابانيين.
كان الأسلاتذة اليابانيون يترجمون النصوص الصينية إلى اليابانية، ثم يأتي مترجمون فينقلونها من اليابانية إلى الإنجليزية، ثم يعدل أستاذ العلوم السياسية ترجمتهم، لينتج نص أخير هو الذي وصل إلى يدي إزرا باوند، فاعتبره مادة خاما أعد منها كتيبا صغيرا ضم أول ترجمة إنجليزية لنصوص من الشعر الصيني القديم. وبدأت رحلة هذا الشعر في هذه اللغة، وتوالت الترجمات، ولم تفقد ترجمة باوند قط أهميتها، وجودتها.
يبرر البعض الترجمة عن لغة وسطى بأنها عمل مؤقت. فحين يوجد نص مهم، ويتعذر العثور على مترجم يجيد لغته الأصلية، فلا ضير ـ هكذا يرون ـ من ترجمته عن لغة وسطى. ولكن كل ترجمة، حتى التي تتم عن اللغة الأصلية، هي ترجمة مؤقتة. فكلما كان النص أصيلا، كلما دعت الحاجة إلى إعادة ترجمته.
معروف أن في كل كلمة مهما تكن هذه الكلمة فائضا في المعنى، أو لنقل معاني جانبية، أو لنقل إن لكل كلمة حقلا دلاليا، وما يفعله المترجم والقارئ هو أنه ينتخب من كل كلمة معنى، فتتوالى في ذهنه معاني الجملة والفقرة والفصل والكتاب. وقد يقع اختيار قارئ أو مترجم غيره على سلسلة أخرى من المعاني. وهكذا فإن أي ترجمة لأي نص هي بمعنى من المعاني ترجمة عن إحدى نسخ النص، وليس عن الأصل، إن كان ثمة شيء اسمه "الأصل" بهذا النقاء.
لعبد السلام بنعبد العالي كتاب اسمه "في الترجمة". هذا هو الكتاب الذي يجعلني أقول إنني "كنت" ـ أي أنني لم أعد ـ ممن يتوجسون من الترجمات الوسيطة. فالرجل يطرح عددا من الأسئلة الذكية: أليس واردا أن ينطوي ما نسميه "نصا أصليا" على ترجمة أو حتى ترجمات، بحيث يكون النص الأول هذا نصا ثانيا من الأساس؟ ماذا لو أننا نريد ترجمة نص لهابرماس يناقش فيه حوارا يجريه دريدا مع أوستين، سيكون هذا النص مكتوبا بالألمانية اعتمادا على نص فرنسي يحاور نصا إنجليزيا، فهو أصل حاو للعديد من النسخ؟
ثم إننا وإن سلمنا بأن كل نص يفقد شيئا عند ترجمته، إلا أننا نتجاهل أن كل نص يكسب شيئا أيضا عند ترجمته. ورحم الله جوته الذي كتب قصيدة عن عودته إلى البيت بزهرة ذابلة، سرعان ما انتعشت بمجرد أن وضعها في الماء. جوته ينهي قصيدته بقوله إن تلك هي حال قصيدته في لغته أخرى.
ahmed shafie
هناك كتاب ربما يكون لابن الجوزية اسمه "صيد الخاطر" لم أقرأه ولكن بقي العنوان مغويا، ودالا: أن أصطاد الخاطر عند مروره، أدونه وأنساه، أتحول في آخر العمر إلى حصالة مقلوبة تخيلوا حصالة قماشية مقلوبة، جوربا مقلوبا مفرغا من قدم تنقلت به بلاد الله لخلق الله
Sunday, May 24, 2009
Tuesday, May 12, 2009
قراءات في 10 مايو 2009
في صباح السابع من يوليو عام 2002 نشرت صحيفة أمريكية نعيا بدأ على النحو التالي:
كينيث كوك، شاعر من مدرسة نيويورك، جمع شعره تهكم ممثل كوميدي، ونزق فنان سوريالي، وحكمة جندي في حرب مقدسة. رحل كينيث كوك أمس السادس من يوليو عن عمر يناهز السابعة والسبعين، بعد صراع طويل مع اللوكيميا.
عاش كوك حياة أدبية امتدت نحو خمسين عاما، وأثمرت ثلاثين كتابا شعريا على الأقل، قدمت منها في العدد الماضي طرفا يسيرا من كتاباته، سواء النثرية كما في نص "أوليفتّي تتكلم"، أو الشعرية كما في عدد من النصوص. واستبقيت شذرة من شذرات النص الطويل "أوليفتي تتكلم":
يحكى أني كنت أعلم الدببة القطبية كتابة الشعر. كنت أرجع إلى البيت من حصة كل أسبوع (وكان الدرس أسبوعيا) لأرتمي على السرير. فقد كان العمل مرهقا إلى أقصى حد. ذلك أن الدببة كانت تتعمد مضايقتي، فرفضت لشهور أن تكتب كلمة واحدة. هذا إن كان الرفض مصطلحا يصلح استخدامه مع كائنات لم تكن لديها أدنى فكرة عما كنت أفعله، وما كنت أريدها أن تفعله. ومع ذلك، حدث في يوم من أوائل ابريل، أن بدأ الثلج يذوب، فامتلأت المدن بمناظر ساطعة على زجاج الشبابيك، وبدأت الدببة تظهر المزيد من الهدوء، وشعرت أني بدأت أنفذ إليها. وأقبلت عليَّ دبةٌ ذات يوم فوضعت حافرها الأيسر فوق رأسي. كان فمها مفتوحا، ولسانها الأحمر متدليا. فأدركت أنها ـ والدببة الأخرى ـ ظمآنةً، فدبرت لها العديد من براميل المياه. وراحت هي تشرب في لهفة، وبين الحين والآخر ترفع رءوسها لتنظر إلي في امتنان. ولكنها، أيضا، لم تكتب قصائد. لم تكتب كلمة، ومع ذلك، لا أظن أن هذا التعليم كان مضيعة للوقت، وأخطط لمواصلته في المستقبل لو وجدت في نفسي القوة اللازمة. فمن الصعب والمرهق أن تحاول شيئا أنت تعرف أنه مستحيل ـ لكن، ماذا لو بدأت الدببة يوما تكتب الشعر؟ أظن أننا سنعرض عما لدينا من ستيفان جورج وييتس ونولي لها كل انتباهنا. أية أعاجيب ستنكشف! أية أحلام للدببة!
تلك هذ شذرة كينيث كوك.
كان الفن في القديم، يصف حياة الآلهة، فإن اجترأ ونظر إلى حياة البشر فما كان يعنى بغير حياة الأبطال الأسطوريين أنصاف الآلهة. ثم حدث أن بدأ الفن يتناول حياة البشر بصورة تكاد تكون حصرية، ولكنهم الملوك والأمراء ومن اقترب منهم. ثم تخلص الفن من لزوم ما لا يلزم هذا، وبدأنا نرى البشر العاديين شخصيات رئيسية ـ ولا نقول أبطالا ـ في روايات وقصص وقصائد، كأن نرى الموظف الذي عطس عند تشيخوف، أو البائع الجوال جورج سامسا الذي تحول إلى صرصار عند كافكا، بل وفي نماذج أقدم من هذين بكثير. وبات واضحا أن في حياة كل إنسان رواية محتملة تنتظر من يكتبها.
تماما، كما أن في حياة كل دب كنزا من الأسرار، عالما كاملا من المشاعر والمخاوف والرغبات والأحلام لا يعرف الإنسان عنه أي شيء. ويتحرق شوقا إلى معرفته فيطمح أن يعلم الدببة كتابة الشعر. قد يتصور كثيرون أن في تعليم الدببة كتابة الشعر شيئا من التزيد، فربما من الكافي جدا أن نعلمها القراءة والكتابة، أو حتى الكلام وحسب، وحينئذ سوف تنهال علينا تفاصيل العالم كما تراه الدببة. ولكن هذا خطأ. فالبشر كلهم ـ إلا قليلا ـ يتكلمون، وكثير منهم يقرأون ويكتبون، ولكن قليلا للغاية منهم هم القادرون على التعبير عن أنفسهم. لا بد إذن من تعليم هؤلاء ـ الدببة طبعا وليس البشر ـ كتابة الشعر، لكي نعرفهم، لكي نعرف ما يشعرون به. لأن في صمتهم هذا وأدا لمعارف هم أنفسهم ربما لا يعرفون بوجودها.
افتتاحية قراءات في 10 مايو 2009
Posted by
Ahmed Shafie
at
7:58 AM
Tuesday, May 05, 2009
قراءات في 3 مايو 2009
يحدث لي كثيرا، حين أقف أمام رف في مكتبة مستغرقا في استعراض كعوب الكتب، أو متصفحا أحدها، أو حين أقف أمام رف في أحد الأسواق متصفحا تواريخ بداية الصلاحية ونهايتها، وبالجملة، يحدث لي كثيرا كلما أوليت العالم ظهري، وتلهيت عنه بما بيني وبين الحائط، أن أفيق على هاجس يجعلني ألتفت خلفي لبرهة، قبل أن أعود من جديد إلى ما كنت فيه، هاجس بأن أحدهم سوف يطعنني من الخلف، فينتهي هكذا وجودي، دون أن أعرف من، ودون أن أعرف لماذا؟
بارانويا؟ ليكن.
وأقرأ عن شاب اسمه مالونكيابوتا، ولندلله بـ مالو. قرر مالوا أنه لن يسكت أكثر مما سكت، وأنه ذاهب لا محالة إلى صاحب الغبطة، أستاذه ومرشده، المغفور له بوذا، وسيسأله: أستاذ بوذا، هل العالم خالد؟ أم أنه غير خالد؟ هل له نهاية أم لا نهاية له؟ والنفس يا أستاذ، أهي الجسد، أم شيء في الجسد؟ وهل للنفس حياة بعد موت الجسد؟ سيسأله إن كان يعرف هذه الأمور ولا يخوض فيها، وفي هذه الحالة لماذا؟ أم أنه لا يعرف شيئا عن هذه الأمور، ويخجل أن يقر بجهله، فيتظاهر أنه لا يخوض فيها لعلة أخرى غيرالجهل؟
وإذا ببوذا يقول: الأمر يا مالو (وكان بوذا مغرما بتدليل ذوي الأسماء الصعبة) مثل شخص أصابه سهم مسموم فهرع أهله إليه بجراح. ولكن الجريح قال: لن أدع أحدا ينزع السهم ما لم أعرف من الذي أطلقه، ولماذا، ومن أي طبقة اجتماعية أو دينية هو، ومن أي قرية أو مدينة، وطويل أم قصير، ومن أي قوس أطلق سهمه، ومن أي مادة صنع وتر قوسه، ومن أي ريشة صنع سهمه، وقبل أن يعرف جواب سؤال من أسئلته، مات.
ويستخلص بوذا من الحكاية درسا يعلمه لسائله: هو أن السعادة ممكنة دون التفتيش في أدراج الميتافيزيقا المتعبة. وكان يمكن للأستاذ أن يستخلص درسا آخر: هو أن السهم نفذ، عرفنا الذي أطلقه أم لم نعرفه، وأن السهم نفذ، أطلقه أحد أم لم يطلقه، وأن الحكم بالإعدام مدون في الدفاتر منذ انعقاد الجلسة الأولى، وأن إخطارنا به تم.
وكان يمكن للأستذا أن يستخلص درسا آخر: وهو أن المحيط الممتد أمامنا، أو الصحراء، أو الغابة، أو المستقبل، وأن القضية التي تستولي علينا، أو المعرفة أو الثروة أو الحب، أن كل تلك الأشياء هي أقنعة شتى لحائط واحد، وأننا مجرد مشغولين بتأمل تاريخ بداية الصلاحية ونهايتها، متلهين بمنظر المحيط أو الغابة، منهمكين في التخطيط للمستقبل، وليس كل هذا في انتظار أن تأتي الطعنة، بل في انتظار انسراب السم حتى آخر الشرايين، فالسهم، ببساطة، نفذ.
ثم إن بوذا كان ينبغي أن يكون أكثر تهذيبا، ففي ترجمة يوسف شلب الشام لكتاب "بوذا" لـ والبولا راهولا، نراه يقول لمالو "يا أحمق" لمجرد أن الأخير يريد أن يتسلى بالميتافيزيقا.
Posted by
Ahmed Shafie
at
9:37 AM
Wednesday, April 22, 2009
قراءات 19 ابريل 2009
خبر طريف حملته الجارديان الأربعاء الماضي عن مجلة سلوفاكية تعرضت لإدانات بسبب نشرها قصائد لـ رادوفان كارادزيتش، زعيم صرب البوسنة السابق المتهم بارتكاب مذابح جماعية وجرائم حرب وجرائم أخرى ضد الإنسانية.
كانت المخابرات الصربية قد اعتقلت رادوفان كارادزيتش في يوليو الماضي بعد "اثني عشر عاما" من الاختباء، وكان قد استطاع خلال هذه الفترة الطويلة أن يصدر ديوانا "جديدا" قال في إحدى قصائده: "يعذبني القضاة على أتفه الأمور، وما عدت أقوى على رؤياهم، على رؤيا أضابير النفاية هؤلاء، أضابير الحلازين".
تقول الجارديان إن نادي القلم السلوفاكي التابع لنادي القلم الدولي انتقد مجلة دوتايكي "من وجهة نظر أخلاقية وعرقية" لنشرها شعر كارادزيتش دون أي "تعليق تحريري يوضح خلفيته (أي خلفية كارادزيتش) كمجرم حرب مدان بارتكاب جرائب ضد الإنسانية في حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي. كما قام الفرع السلوفاكي لنادي القلم بتعليق عضوية رئيس تحرير المجلة في النادي لمدة عام.
وهذا كلام فارغ.
خبر الجارديان يشير إلى أن كارادزيتش حصل عن قصائده في عام 1994 على جائزة ميخائيل شولوخوف التي يمنحها اتحاد الكتاب الروس. كما يشير الخبر إلى أن قصائده دائما تتناول ثيمات العنف والحرب وتحمل عناوين من قبيل (وأرجو ألا يقرأ الأطفال ما يلي) "قنبلة يدوية في الصباح" و"القتلة" و"رجل من رماد" و"أحذية حربية".
أتفق طبعا مع كل من يرى أن هذه الجائزة ـ والجوائز عموما ـ لا تؤكد شاعرية شاعر، ولكنها على الأقل تبين لنا أن اهتمام الرجل بالشعر قديم، ومواز لاهتمامه بالذبح والقتل. (كم يذكرني هذا برواية جميلة للصديق طارق إمام عن شاعر/قاتل متسلسل خصص إحدى يديه للقتل والأخرى لكتابة القصائد. أنا أدين هذه الرواية طبعا، أقصد أني أدين لها).
فيما أقرأ الخبر، كان ما لفتني كثيرا هو الفترة الطويلة التي قضاها ذلك الرجل مختبئا (بالمناسبة، وجود أسامة بن لادن كل هذه السنوات في مجاهل أفغانستان بين السماء والجبل واليقين بأنه على حق، وبأن كل العالم على باطل، يثيرني بالقدر نفسه، برغم رفضي الطبيعي كإنسان لما فعله كارادزيتش وبن لادن).
يرى كارادزيتش أن قضيته التي حارب من أجلها قضية عادلة، ويرى أن ما يعذبه القضاة بسببه ليس إلا أفعالا تافهة، أخطاء بسيطة وقعت على هامش النضال النبيل. حسن، هذا رجل تفكيره مريض. أو لنقل إنه مغاير لإجماع الأغلبية من البشر. وهو لذلك يتلقى عقابه الآن.
ولكن الحديث الآن عن الشعر. سيكون من دواعي سروري كمحرر أن أنشر الأعمال الشعرية الكاملة لإبليس لو قرر نشرها، فالشعر له قوانين أخرى، حتى لو حمل رسائل أخلاقية مسمومة. وقارئ الشعر ليس طفلا يحتاج إلى "تعليق تحريري" من أي نوع. والحضارة الإنسانية حضارة بشر لا ملائكة، فليس لأحد أن يحذف من طبيعة البشر جانبها الشرير. نحن أبناء قابيل لا هابيل. أجدادنا هم المركيز دي ساد وهتلر ونابليون والقديسون والأولياء والأنبياء. ومنا الآن، وفي كل آن، قتلة وقتلى ومجرمون وأبرياء. وليس من السهل دائما أن نميز القاتل المحتمل من القتيل المحتمل.
Posted by
Ahmed Shafie
at
2:06 PM
Monday, March 23, 2009
تداول السلطة الشعرية
سأكون أول شخص في التاريخ يحق له أن يقول "كنت شاعرا للبلاط" هكذا كتب الشاعر آندرو موشن شاعر البلاط الملكي وأمير شعراء بريطانيا. ومع أن هذا ليس صحيحا تماما، فقد حق لشاعر من قبل هو جون درايدن (الذي تم طرده من منصبه كشاعر للبلاط الملكي) أن يقول نفس العبارة، إلا أن آندرو موشن ـ وبعيدا عن هذا الاستثناء ـ سيكون بالفعل أول شاعر سابق للبلاط البريطاني، فقد كان المنصب حتى عشر سنوات مضت منصبا يستمر مدى الحياة، وحدث أن أتت الانتخابات بتوني بلير رئيسا لوزراء بريطانيا، فرأى أن يغير هذا الوضع ويجعل للمنصب مدة محددة بعشر سنوات فقط.
سيكون آندرو موشن إذن أول من يحق له في التاريخ أن يقول عن نفسه إنه كان شاعرا للبلاط. فهل تنبع البهجة التي أستشعرها خلف كلماته من دخوله "التاريخ" بوصفه "أول" المتقاعدين، أم أنها تنبع من خروجه من "البلاط" و"المنصب" وعودته من جديد إلى صفوف الجماهير يؤدي دورها كأي مواطن عادي؟
لعلنا قادرون على تلمس إجابة ما في فقرة أخرى من مقال موشن الطويل والعذب المنشور في الجارديان بتاريخ الحادي والعشرين من مارس الجاري (وهو بالمناسبة اليوم العالمي للشعر)، يقول موشن:
"قابلت بالترحاب فكرة أن تدوم ولايتي عشر سنوات فقط؛ ذلك أن محدودية الفترة شجعتني على الشعور بأنني ينبغي أن أكون أكثر نشاطا. كما سمحت لي أيضا بالشعور بأنني سوف أسترد في نهاية المطاف حياتي".
كان ثمة إذن بهجة منذ البداية، بهجة بالعمل وبالارتياح من العمل. بهجة إنسان متزن لم يفرح بما قالته له ملكة بريطانيا ورئيس وزرائها عندما التقي بكليهما ـ كل على حدة ـ في مستهل ولايته، فكرر كل منهما الآخر قائلا للشاعر "لن تكون مضطرا إلى عمل أي شيء".
يصف موشن الملكة ورئيس الوزراء عند قولهما هذا بأنهما "كانا مبتسمين" ويضيف "لقد جعلاني أشعر أنني سوف أوضع في البرج إن أنا لم أقم بعمل أي شيء فعلا. وما حدث هو أنني لم ألق تشجيعا كثيرا على أن أشغل نفسي. وفي حين فسر أسلافي المنصب بوصفه تكريما، شعرت أنا أنه بمثابة دعوة إلى القتال".
ومضت السنوات العشر، فخدم الرجل الشعر كثيرا، ومثَّله في كل محفل يمكن أن يمثله فيه، ولم يكتب في المناسبات الملكية على مدار عشر سنوات إلا ثماني قصائد، بمعدل أربعة أخماس قصيدة في العام. وآن له أن يخرج، مفسحا المجال أمام صوت آخر، ومذاق آخر، مستجيبا لا لقانون غيره رئيس وزراء ـ هو نفسه خرج من الحكم ـ بل لقانون الطبيعة البسيط، ولروح الشعر الذي لا يعيش إلى على جثة الجمود والتكلس.
ولا نزال مع أخبار الشعر، ولكن على صعيد آخر جدا، ومن ناحية أخرى بصورة مفزعة، حيث فاز الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي بجائزة الشعر التي يمنحها مؤتمر سنوي هو رئيسه بحكم منصبه كمقرر أبدي للجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة.
افتتاحية ملحق قراءات بتاريخ 22 مارس 2009
Posted by
Ahmed Shafie
at
9:23 AM
Monday, March 02, 2009
حبيبتي دي ليت
أنا ممتن كثيرا لـ ديليت. يصلح اسما لحبيبة من أصل غربي. دي ليت. منذ قليل كنت أقرأ رسائل وردت إلي على الإيميل الخاص بي في الفيس بوك، وبعد أن قرأت رسالة تنبئني بأن "روائيا" انتهى من كتابة روايته الثانية (أنا شخصيا قرأت روايته الأولى وأقطع أنه لم ينته منها أصلا)، لجأت إلى ديليت. ولم يعد للخبر وجود. سأنساه تماما. الخبر، والـ "روائي". بعد ذلك انتقلت لقراءة بعض الأخبار الثقافية على أحد المواقع، ولاحظت قصور الإنترنت. ليس من الممكن حتى الآن أن تقوم بإلغاء الخبر الذي تنتهي من قراءته. صحيح أنك تنتقل إلى غيره، تخرج من الموقع نفسه إلى سواه، تخرج من الإنترنت تماما، ولكن الإلغاء أمر آخر.
في هيئة الاستعلامات كان في مكتبي مفرمة ورق، وكان لي زميل يحذر دائما من أن المفرمة أكلت ربطة عنقه مرة وشدت وجهه حتى التصقت بها. أنا أريد مفرمة للروايات الرديئة. نجيب محفوظ كانت عنده مفرمة كهذه، ولكنه لم يكن يستخدمها مع الروايات الرديئة، كان يستخدمها مع كل كتاب ينتهي منه. ابن الحرام العظيم لم يقرأ كتابا مرتين. ربما كان يكذب، ولكن ما الفارق، كان هذا رأيه في الكتب جميعا، سواء عمل برأيه أم لم يعمل، أنها جميعا غير قابلة إلا لقراءة واحدة.
نجيب محفوظ، العظيم، المختفي الآن، بلغني أن الطيب صالح طلب أن يقابله بمجرد رحيله إلى العالم الآخر، فقيل له إنه منذ اختفى من القاهرة لم يظهر في مكان آخر.
Posted by
Ahmed Shafie
at
11:32 PM
Sunday, February 22, 2009
ضرورة ألا نستخدم سلة القمامة
يجلس حابي ـ 35 سنة ـ على مصطبة بيته المقام من اللبن على شاطئ نيل أتريب (بنها حاليا)، وقد شعر بدنو أجله. عن يمين حابي سلة (مَشَنَّة) مليئة بمزق من البردي، وفي حجره لفائف ولفائف، بين حين وآخر يفض إحداها ليقرأها، فحينا يدمع، وحينا يضحك، ولكنه في كل الأحيان يمزقها بلا تردد، فتستقر في نهاية الأمر في المشنة.
حابي، في آخر العمر، يطالع ذكرياته التي ظل يدونها يوما بعد يوم: كيف خرج من أتريب إلى منف ليدرس في معبدها، وكيف كان وزملاؤه يكيدون للكاهن المعلم ويسخرون منه، وكيف عاد بعد الأحلام العظام إلى أتريب ليعمل في بلاط حاكم الإقليم، وكيف أنه أحب خادمة هناك، هي التي تزوجها من بعد، وهي التي قصفت عمره. كل تفاصيل حياة حابي بين يديه الآن، وإنه يمزقها ـ غير راغب في ترك أثر منها لأبنائه. "فليبق لهم ما يتصورونه، وليس ما أنا إياه".
وتمر السنوات (حوالي سبعة آلاف وست عشرة مثلا)، والذي يجلس الآن ليس حابي، بل عالم مصريات، يزيل، ما استطاع، وسخ آلاف السنين عن مزق من البردي (عثر عليها فلاح من بنها) ويكد ليلصق مزقة جنب مزقة عساه يكون صفحة أو ربما الصفحات كلها من جديد. وبين حين وآخر تفلت منه لعنة لذلك المصري القديم السفيه الذي مزق حياة كان يمكن أن تكشف لنا الكثير من أسرار حياة القدماء.
ولكن حابي لم يكن سفيها، هو لم يكن واعيا أنه يمزق ثروة من ثروات الإنسانية لا تقدر بثمن. لقد كان يفعل في شيء يملكه هو وحده ما عنّ له أن يفعله.
ثم إن ورقات حابي لم تكن آثارا في ذلك الوقت. لقد كانت بالضبط مثل أي كراسة في زماننا هذا يحدث أن يلقي بها أحدنا إلى سلة القمامة حين يرى في سلة القمامة مكانا مناسبا لها.
هذا لا ينفي أن حابي اعتدى على أثر مملوك للإنسانية، حتى وإن جاء اعتداؤه على الأثر قبل أن يصبح الأثر أثرا. وهذا ما نفعله طول الوقت، وتخيلوا التالي:
أحدنا ـ وليكن اسمه "حبيب" مثلا ـ يصحو من النوم راغبا في أخذ حمام بارد، فيأخذه. حبيب يفطر على عجل، إنه يفض عن قطعة الجبن ورقة تغلفها، إنه يكورها وهو شارد، وإنه يتركها تسقط إلى هاوية سلة القمامة (هذه اللفافة بالذات هي الدليل الذي سيفتقر إليه عالم بعد بضعة آلاف سنة يريد أن يثبت أن أجداده البشر القدماء كانوا يلفون أطعمتهم في لفائف آمنة). حبيب يستقل سيارته ويرى أن الجو بديع فيترك الشباك مفتوحا ويستقبل طوال الطريق إلى العمل سيلا من الهواء، وحين يوقف سيارته، ويغلقها، وينزل منها، يعطس. حبيب يعطس. حبيب يخرج منديلا ورقيا ويتمخط. وحبيب شخص مهذب، إنه لا يلقي المنديل على الأرض حيث كان الهواء سيغطيه بالتراب، فتتراكم عليه التربة عبر آلاف السنين إلى أن يجده عالم يبحث عن دي إن آيه للبشر القدماء. حبيب يلقي المنديل في سلة القمامة. وهناك عامل مجد سوف يفرغ السلة ليتم إعدام هذه القمامة، إعدام ثروة هي ملك للإنسانية، هي ثروة من ثروات أحفادنا لا تقدر بثمن، وماذا نفعل نحن؟ نحن نهدرها أيها الأعزاء!
عن ملحق قراءات 22 فبراير 2009
Posted by
Ahmed Shafie
at
9:23 AM
Subscribe to:
Posts (Atom)
