ahmed shafie

هناك كتاب ربما يكون لابن الجوزية اسمه "صيد الخاطر" لم أقرأه ولكن بقي العنوان مغويا، ودالا: أن أصطاد الخاطر عند مروره، أدونه وأنساه، أتحول في آخر العمر إلى حصالة مقلوبة تخيلوا حصالة قماشية مقلوبة، جوربا مقلوبا مفرغا من قدم تنقلت به بلاد الله لخلق الله

Sunday, July 26, 2009

الشعر

مؤخرا، نشرت ذي نيويوركر قصيدة لـ بورخس عنوانها "حلم"، فلم أكد أقرأها حتى ترجمتها، ولم تمر أيام قليلة حتى وجدت ترجمة الشاعر الأردني الصديق تحسين الخطيب للقصيدة نفسها منشورة في "القدس العربي"، وعرفت من ترجمته لها أن سرعتي في ترجمتها أوقعتني في خطأ، حيث قرأت كلمة place أي مكان وكأنها palace أي قصر. فصححت ترجمتي على الفور. غير أن سرعتي وسرعة تحسين في ترجمة القصيدة بينتا لي كم نحن بحاجة إلى المزيد من بورخيس شاعرا. فالمتاح من شعره باللغة العربية لم يزل بالغ الضآلة. فلا يوجد كتاب يعتد به ـ في ظني وفي حدود ما أعرف ـ إلا الذي صدر قبل سنوات عن دار توبقال للمترجم المغربي ابراهيم الخطيب بعنوان "مديح العتمة".

فيما عدا ذلك لدينا ترجمات وفيرة لبورخيس ناقدا أو قاصا منها ترجمة عابد اسماعيل لـ "سبع ليال" و"صنعة الشعر" الذي ترجمه صالح علماني و"ألف"، و"تاريخ لعار العالم" وغيرها من الكتب غير الشعرية.

وبقي الشاعر غير حاضر تقريبا إلا في "مديح العتمة"، ذلك الكتاب النحيل الذي يغوي قراءه ولا يشبعهم، والذي بقدر ما يمتعهم يمنيهم. وأخيرا، أخيرا جدا، يقع بين يدي كتاب يضم مختارات من بورخيس ترجمها إلى الإنجليزية ثلاثة عشر مترجما من بينهم على سبيل المثال الشاعر الأمريكي الكبير و س مرون، والشاعر والكاتب الراحل جون آبدايك. كتاب يشارف على خمسمائة صفحة، ويجمع بين النصوص بلغتها الأصلية ـ الأسبانية ـ وترجمتها الإنجليزية. وبمثل لهفتي على ترجمة حلم ذي نيويوركر، كانت لهفتي خلال الأيام الثلاثة الماضية على التنقل بين قصائد هذا الكتاب.

ليست قراءة شعر بورخيس بالأمر اليسير، وترجمته أصعب، فالمرء بحاجة إلى موسوعة محترمة في متناول يده، أو إنترنت لا يتباطأ، فالراحل العظيم يتحرك بين ثقافات العالم، شرقيها وغربيها، وكأنما يتنقل بين غرف بيته. يكتب عن جون ميلتن وديكارت بمثل الحميمية التي يكتب بها الشعراء عن حبهم الأول. يألف قرطاجنة مثلما يألف شوارع بيونس آيرس.

نحو مائتين وخمسين صفحة لدي الآن من الشعر (المتعوب عليه). الشعر المكتوب لأن الكتابة صناعة وبنيان وفن، وليست فقط بوحا وتهريجا واستسهالا واستهانة بالقراء. نحو ماتئين وخمسين صفحة لا أعرف إلى الآن ماذا أنا فاعل بها بالضبط، طبعا ستنضم إلى ما لا يعار (وهذا قطعا للطريق على كل من يراوده شيء)، ولكني أفكر فيما سأقدمه لكم منه. إليكم، مؤقتا، وبعد تعديلها، قصيدة حلم:

حلم

في مكان مهجور في إيران، هناك برج حجري غير شاهق للغاية، لا باب فيه ولا شباك. هنالك، في الغرفة الوحيدة (الدائرية، ذات الأرض المكسوة بالغبار)، منضدة خشبية ومقعد. في تلك الزنزانة الدائرية، ثمة رجل يشبهني، يكتب بحروف لا أفهمها قصيدة طويلة عن رجل هو في زنزانة أخرى دائرية يكتب قصيدة طويلة عن رجل هو في زنزانة أخرى دائرية ... وما لذلك الأمر أن ينتهي، ولا لأحد أن يقرأ ما يكتبه السجناء ...

افتتاحية قراءات في 26 يوليو 2009

Sunday, July 12, 2009

قراءات في 12 يوليو 2009

على القهوة المقهى مكان، مناضد ومقاعد، وأكواب وأوان، ورواد وندل، وفواتير وشاشات؛ فكيف تجلس على مقهى؟ ليس بوسعك إلا أن تجلس فيه. ومع ذلك نقول ـ على الأقل في العامية المصرية ـ إن فلانا يجلس على المقهى، بل إن فلانا يجلس على القهوة. فالقهوة في العامية المصرية مشروب ومكان. ولكن العربية الفصحى ترفض الاعتراف بهذا، لأن القهوة قهوة والمقهى مقهى ولا مبرر مطلقا للخلط بينهما.00 ولكن العربية الفصحى استطاعت أن تضيف إلى كلمات قديمة ـ مثل "الثقافة" و"القاطرة" ـ معاني جديدة، بل لقد التصقت المعاني الجديدة بهذه المفردات إلى حد أنها صارت معانيها الأولى، وصارت المعاني القديمة أو حتى "الأصلية" معاني بائدة لا يعرفها الكثيرون. 00 مؤخرا، كتب الشاعر والمترجم المصري رفعت سلام مقالا عن ترجمة طاهر البربري لإحدى روايات كازو إيشيجيرو أشار فيه إلى عدد من الأخطاء التي وقع فيها البربري، وكثير منها فادح فيما يبدو (لم أطلع على ترجمة البربري). من الأخطاء المشار إليها ما يتعلق بقواعد اللغة (وهذه لا يمكن تبريرها ولا يكفي الاعتراف بها والاعتذار عنها، بل لا بديل عن تصحيحها في طبعات جديدة من الرواية)، ومنها ما له علاقة بما أسميه "التطور الطبيعي" للغة وهو شيء مختلف عن "التطور الطبيعي" للحاجة الساقعة أو "التطور الطبيعي" للمستوطنات. 00 يتساءل رفعت سلام في مقاله: "هل يجلس أحد علي طاولة"؟ ولا يجيب. فهو يفترض أن للسؤال إجابة بديهية يعرفها الجميع. ولكن من الجميع الذين يستشهد بهم رفعت سلام؟ إنهم المصابون بشيزوفرينيا لغوية كلما استفحلت أصبح المصاب بها أعلم باللغة. فنحن في حياتنا اليومية نجلس "على المقهى" ونجلس "على المنضدة" ونجلس "على ما" نستريح، ولكننا في آخر اليوم حينما نجلس لندون يومياتنا بلغة عربية فصحى إذا بنا كنا جالسين في المقهى، وجالسين إلى المنضدة، وجالسين إلى أن نستريح. وكأنما نتعمد أن يبقى استخدام "على" مقصورا في حدود استخدامات الأقدمين له، أي في ما عليه "شواهد" من شعر الموتى الممعنين في الموت. 00 00 لماذا لا نحاول من خلال الاعتراف باستخدامات جديدة لمفردات قديمة أن نفهم أشياء عن أنفسنا وعن وعينا بالعالم وعلاقتنا باللغة؟ لماذا لا ننظر مثلا إلى استخدامنا العامي لكمة "حاجة" كمرادف لـ "شيء"؟ ألا يعني استخدامنا هذا أننا نرى كل "شيء" بوصفه "حاجة"؟ ألا يعني هذا أننا نحترم كل شيء، وأننا نقر ـ ربما دونما أن نعي ـ بحاجتنا إلى كل شيء؟ لماذا لا يوضع في المعجم بجوار مفردة "حاجة" معنى جديدا اكتسبته لأن الأحياء أرادوا لها أن تكتسبه؟ 00 00 السؤال الذي يطرحه رفعت سلام يفترض إجابة معينة هي "لا، بل نجلس بجوار الطاولة أو نجلس إلى الطاولة". وأنا بدوري أسأل: هل يمكن أن يوضع شيء فوق "استحياء" أو فوق "سفر"؟ مع ذلك نقول على سفر، وعلى استحياء وعلى حين غرة. هذا لأننا لا نقول هذه العبارات بقدر ما نكرر قولها، نقلد أسلافا لنا تعاملوا مع اللغة بوصفهم منتجيها لا مقترضين لها ينبغي أن يحافظوا عليها إلى أن يعيدوها لأصحابها على حالتها، وبالمناسبة، هل يمكن أن يوضع شيء على "حالتها"؟ 0000
كنت مرة أترجم مسرحية مع صديق لي، وقال إنه من الخطأ أن أقول "نفس الشيء" والصواب هو "الشيء نفسه" لأن الشيء ليس له نفس! قلت له يومها إن اللغة تتطور، وإن العربية يمكن أن تستوعب استخدامات جديدة لمفرداتها ما دامت هذه المفردات أصيلة فيها وما دامت الاستخدامات الجديدة لحقت بها نتيجة لشيء بسيط هو حياة الناطقين بها. وبرغم أنه اقتنع، بقيت أستخدم "الشيء نفسه" أكثر بكثير من استخدامي "نفس الشيء". ذلك لأنني أحاول أن أتعلم كل يوم ما يمكنني من امتلاك لغة عربية "سليمة"، بعيدة كل البعد عن اللغة التي أستخدمها في حياتي، في محاولة دائمة لتأكيد الشيزوفرينيا التي تصلح مقياسا لما عليه كل منا من "ثقافة". و

Sunday, May 24, 2009

قراءات في 24 مايو 2009

كنت مثل كثيرين ينظرون بتوجس إلى الترجمات التي تتم عن غير لغة "الأصل"، أو ما يعرف بالترجمة عن لغة وسيطة. وكنت مع ذلك "أضطر" إلى ممارستها لأسباب شتى، ليس أقلها أهمية أن يفرض نص ما نفسه عليّ لأهميته أو لجماله أو لمجرد الرغبة الإنسانية البسيطة في إشراك آخرين في المتعة. كنت أتوجس من هذا النوع من الترجمة، لمعرفتي أن كل نص يفقد شيئا أو أشياء عند ترجمته إلى لغة أخرى. ولأن البعض يعلي من شأن هذا الفاقد إلى حد أن يعرف روبرت فروست الشعر بأنه "ما يضيع في الترجمة". وكنت أتوجس من هذه الترجمة برغم أن بعضا من أهم النصوص المؤسسة لوعيي ـ وآخرين بالقطع ـ لم تكن إلا ترجمات عن لغات وسطى، ولعل أهم الأمثلة التي تحضرني هنا هي ترجمة سامي الدروبي لأعمال دوستيفسكي الكاملة عن الفرنسية، وترجمة المهدي أخريف لأعمال فرناندو بيسوا عن الأسبانية، وترجمة إزرا باوند للشعر الصيني، ولعل هذا المثال الأخير هو المثال الصارخ للترجمة عن غير اللغة الأصلية. لقد كتب إليوت يوما ـ والعهدة على مقال نشره مؤخرا آدم كيرش في ذي نيو ريببليك ـ أن إزرا باوند هو "مخترع الشعر الصيني في اللغة الإنجليزية" فلولاه لتأخرت معرفة الناطقين بالإنجليزية لهذا الشعر. إزرا باوند لم يكن يجيد اللغة الصينية. ولكنه تلقى ذات يوم دفترا يضم ملاحظات حول قصائد صينية كلاسيكية. هذا الدفتر كتبه أستاذ أمريكي للعلوم السياسية في إحدى جامعات اليابان. وهذا الرجل بدوره لم يكن يجيد الصينية أو اليابانية. فاستعان على قراءة الشعر الكلاسيكي الصيني القديم بأساتذة يابانيين. كان الأسلاتذة اليابانيون يترجمون النصوص الصينية إلى اليابانية، ثم يأتي مترجمون فينقلونها من اليابانية إلى الإنجليزية، ثم يعدل أستاذ العلوم السياسية ترجمتهم، لينتج نص أخير هو الذي وصل إلى يدي إزرا باوند، فاعتبره مادة خاما أعد منها كتيبا صغيرا ضم أول ترجمة إنجليزية لنصوص من الشعر الصيني القديم. وبدأت رحلة هذا الشعر في هذه اللغة، وتوالت الترجمات، ولم تفقد ترجمة باوند قط أهميتها، وجودتها. يبرر البعض الترجمة عن لغة وسطى بأنها عمل مؤقت. فحين يوجد نص مهم، ويتعذر العثور على مترجم يجيد لغته الأصلية، فلا ضير ـ هكذا يرون ـ من ترجمته عن لغة وسطى. ولكن كل ترجمة، حتى التي تتم عن اللغة الأصلية، هي ترجمة مؤقتة. فكلما كان النص أصيلا، كلما دعت الحاجة إلى إعادة ترجمته. معروف أن في كل كلمة مهما تكن هذه الكلمة فائضا في المعنى، أو لنقل معاني جانبية، أو لنقل إن لكل كلمة حقلا دلاليا، وما يفعله المترجم والقارئ هو أنه ينتخب من كل كلمة معنى، فتتوالى في ذهنه معاني الجملة والفقرة والفصل والكتاب. وقد يقع اختيار قارئ أو مترجم غيره على سلسلة أخرى من المعاني. وهكذا فإن أي ترجمة لأي نص هي بمعنى من المعاني ترجمة عن إحدى نسخ النص، وليس عن الأصل، إن كان ثمة شيء اسمه "الأصل" بهذا النقاء. لعبد السلام بنعبد العالي كتاب اسمه "في الترجمة". هذا هو الكتاب الذي يجعلني أقول إنني "كنت" ـ أي أنني لم أعد ـ ممن يتوجسون من الترجمات الوسيطة. فالرجل يطرح عددا من الأسئلة الذكية: أليس واردا أن ينطوي ما نسميه "نصا أصليا" على ترجمة أو حتى ترجمات، بحيث يكون النص الأول هذا نصا ثانيا من الأساس؟ ماذا لو أننا نريد ترجمة نص لهابرماس يناقش فيه حوارا يجريه دريدا مع أوستين، سيكون هذا النص مكتوبا بالألمانية اعتمادا على نص فرنسي يحاور نصا إنجليزيا، فهو أصل حاو للعديد من النسخ؟ ثم إننا وإن سلمنا بأن كل نص يفقد شيئا عند ترجمته، إلا أننا نتجاهل أن كل نص يكسب شيئا أيضا عند ترجمته. ورحم الله جوته الذي كتب قصيدة عن عودته إلى البيت بزهرة ذابلة، سرعان ما انتعشت بمجرد أن وضعها في الماء. جوته ينهي قصيدته بقوله إن تلك هي حال قصيدته في لغته أخرى.

Tuesday, May 12, 2009

قراءات في 10 مايو 2009

في صباح السابع من يوليو عام 2002 نشرت صحيفة أمريكية نعيا بدأ على النحو التالي: كينيث كوك، شاعر من مدرسة نيويورك، جمع شعره تهكم ممثل كوميدي، ونزق فنان سوريالي، وحكمة جندي في حرب مقدسة. رحل كينيث كوك أمس السادس من يوليو عن عمر يناهز السابعة والسبعين، بعد صراع طويل مع اللوكيميا. عاش كوك حياة أدبية امتدت نحو خمسين عاما، وأثمرت ثلاثين كتابا شعريا على الأقل، قدمت منها في العدد الماضي طرفا يسيرا من كتاباته، سواء النثرية كما في نص "أوليفتّي تتكلم"، أو الشعرية كما في عدد من النصوص. واستبقيت شذرة من شذرات النص الطويل "أوليفتي تتكلم":
يحكى أني كنت أعلم الدببة القطبية كتابة الشعر. كنت أرجع إلى البيت من حصة كل أسبوع (وكان الدرس أسبوعيا) لأرتمي على السرير. فقد كان العمل مرهقا إلى أقصى حد. ذلك أن الدببة كانت تتعمد مضايقتي، فرفضت لشهور أن تكتب كلمة واحدة. هذا إن كان الرفض مصطلحا يصلح استخدامه مع كائنات لم تكن لديها أدنى فكرة عما كنت أفعله، وما كنت أريدها أن تفعله. ومع ذلك، حدث في يوم من أوائل ابريل، أن بدأ الثلج يذوب، فامتلأت المدن بمناظر ساطعة على زجاج الشبابيك، وبدأت الدببة تظهر المزيد من الهدوء، وشعرت أني بدأت أنفذ إليها. وأقبلت عليَّ دبةٌ ذات يوم فوضعت حافرها الأيسر فوق رأسي. كان فمها مفتوحا، ولسانها الأحمر متدليا. فأدركت أنها ـ والدببة الأخرى ـ ظمآنةً، فدبرت لها العديد من براميل المياه. وراحت هي تشرب في لهفة، وبين الحين والآخر ترفع رءوسها لتنظر إلي في امتنان. ولكنها، أيضا، لم تكتب قصائد. لم تكتب كلمة، ومع ذلك، لا أظن أن هذا التعليم كان مضيعة للوقت، وأخطط لمواصلته في المستقبل لو وجدت في نفسي القوة اللازمة. فمن الصعب والمرهق أن تحاول شيئا أنت تعرف أنه مستحيل ـ لكن، ماذا لو بدأت الدببة يوما تكتب الشعر؟ أظن أننا سنعرض عما لدينا من ستيفان جورج وييتس ونولي لها كل انتباهنا. أية أعاجيب ستنكشف! أية أحلام للدببة!
تلك هذ شذرة كينيث كوك.
كان الفن في القديم، يصف حياة الآلهة، فإن اجترأ ونظر إلى حياة البشر فما كان يعنى بغير حياة الأبطال الأسطوريين أنصاف الآلهة. ثم حدث أن بدأ الفن يتناول حياة البشر بصورة تكاد تكون حصرية، ولكنهم الملوك والأمراء ومن اقترب منهم. ثم تخلص الفن من لزوم ما لا يلزم هذا، وبدأنا نرى البشر العاديين شخصيات رئيسية ـ ولا نقول أبطالا ـ في روايات وقصص وقصائد، كأن نرى الموظف الذي عطس عند تشيخوف، أو البائع الجوال جورج سامسا الذي تحول إلى صرصار عند كافكا، بل وفي نماذج أقدم من هذين بكثير. وبات واضحا أن في حياة كل إنسان رواية محتملة تنتظر من يكتبها.
تماما، كما أن في حياة كل دب كنزا من الأسرار، عالما كاملا من المشاعر والمخاوف والرغبات والأحلام لا يعرف الإنسان عنه أي شيء. ويتحرق شوقا إلى معرفته فيطمح أن يعلم الدببة كتابة الشعر. قد يتصور كثيرون أن في تعليم الدببة كتابة الشعر شيئا من التزيد، فربما من الكافي جدا أن نعلمها القراءة والكتابة، أو حتى الكلام وحسب، وحينئذ سوف تنهال علينا تفاصيل العالم كما تراه الدببة. ولكن هذا خطأ. فالبشر كلهم ـ إلا قليلا ـ يتكلمون، وكثير منهم يقرأون ويكتبون، ولكن قليلا للغاية منهم هم القادرون على التعبير عن أنفسهم. لا بد إذن من تعليم هؤلاء ـ الدببة طبعا وليس البشر ـ كتابة الشعر، لكي نعرفهم، لكي نعرف ما يشعرون به. لأن في صمتهم هذا وأدا لمعارف هم أنفسهم ربما لا يعرفون بوجودها.
افتتاحية قراءات في 10 مايو 2009

Tuesday, May 05, 2009

قراءات في 3 مايو 2009

يحدث لي كثيرا، حين أقف أمام رف في مكتبة مستغرقا في استعراض كعوب الكتب، أو متصفحا أحدها، أو حين أقف أمام رف في أحد الأسواق متصفحا تواريخ بداية الصلاحية ونهايتها، وبالجملة، يحدث لي كثيرا كلما أوليت العالم ظهري، وتلهيت عنه بما بيني وبين الحائط، أن أفيق على هاجس يجعلني ألتفت خلفي لبرهة، قبل أن أعود من جديد إلى ما كنت فيه، هاجس بأن أحدهم سوف يطعنني من الخلف، فينتهي هكذا وجودي، دون أن أعرف من، ودون أن أعرف لماذا؟ بارانويا؟ ليكن. وأقرأ عن شاب اسمه مالونكيابوتا، ولندلله بـ مالو. قرر مالوا أنه لن يسكت أكثر مما سكت، وأنه ذاهب لا محالة إلى صاحب الغبطة، أستاذه ومرشده، المغفور له بوذا، وسيسأله: أستاذ بوذا، هل العالم خالد؟ أم أنه غير خالد؟ هل له نهاية أم لا نهاية له؟ والنفس يا أستاذ، أهي الجسد، أم شيء في الجسد؟ وهل للنفس حياة بعد موت الجسد؟ سيسأله إن كان يعرف هذه الأمور ولا يخوض فيها، وفي هذه الحالة لماذا؟ أم أنه لا يعرف شيئا عن هذه الأمور، ويخجل أن يقر بجهله، فيتظاهر أنه لا يخوض فيها لعلة أخرى غيرالجهل؟ وإذا ببوذا يقول: الأمر يا مالو (وكان بوذا مغرما بتدليل ذوي الأسماء الصعبة) مثل شخص أصابه سهم مسموم فهرع أهله إليه بجراح. ولكن الجريح قال: لن أدع أحدا ينزع السهم ما لم أعرف من الذي أطلقه، ولماذا، ومن أي طبقة اجتماعية أو دينية هو، ومن أي قرية أو مدينة، وطويل أم قصير، ومن أي قوس أطلق سهمه، ومن أي مادة صنع وتر قوسه، ومن أي ريشة صنع سهمه، وقبل أن يعرف جواب سؤال من أسئلته، مات. ويستخلص بوذا من الحكاية درسا يعلمه لسائله: هو أن السعادة ممكنة دون التفتيش في أدراج الميتافيزيقا المتعبة. وكان يمكن للأستاذ أن يستخلص درسا آخر: هو أن السهم نفذ، عرفنا الذي أطلقه أم لم نعرفه، وأن السهم نفذ، أطلقه أحد أم لم يطلقه، وأن الحكم بالإعدام مدون في الدفاتر منذ انعقاد الجلسة الأولى، وأن إخطارنا به تم. وكان يمكن للأستذا أن يستخلص درسا آخر: وهو أن المحيط الممتد أمامنا، أو الصحراء، أو الغابة، أو المستقبل، وأن القضية التي تستولي علينا، أو المعرفة أو الثروة أو الحب، أن كل تلك الأشياء هي أقنعة شتى لحائط واحد، وأننا مجرد مشغولين بتأمل تاريخ بداية الصلاحية ونهايتها، متلهين بمنظر المحيط أو الغابة، منهمكين في التخطيط للمستقبل، وليس كل هذا في انتظار أن تأتي الطعنة، بل في انتظار انسراب السم حتى آخر الشرايين، فالسهم، ببساطة، نفذ. ثم إن بوذا كان ينبغي أن يكون أكثر تهذيبا، ففي ترجمة يوسف شلب الشام لكتاب "بوذا" لـ والبولا راهولا، نراه يقول لمالو "يا أحمق" لمجرد أن الأخير يريد أن يتسلى بالميتافيزيقا.

Wednesday, April 22, 2009

قراءات 19 ابريل 2009

خبر طريف حملته الجارديان الأربعاء الماضي عن مجلة سلوفاكية تعرضت لإدانات بسبب نشرها قصائد لـ رادوفان كارادزيتش، زعيم صرب البوسنة السابق المتهم بارتكاب مذابح جماعية وجرائم حرب وجرائم أخرى ضد الإنسانية.
كانت المخابرات الصربية قد اعتقلت رادوفان كارادزيتش في يوليو الماضي بعد "اثني عشر عاما" من الاختباء، وكان قد استطاع خلال هذه الفترة الطويلة أن يصدر ديوانا "جديدا" قال في إحدى قصائده: "يعذبني القضاة على أتفه الأمور، وما عدت أقوى على رؤياهم، على رؤيا أضابير النفاية هؤلاء، أضابير الحلازين".
تقول الجارديان إن نادي القلم السلوفاكي التابع لنادي القلم الدولي انتقد مجلة دوتايكي "من وجهة نظر أخلاقية وعرقية" لنشرها شعر كارادزيتش دون أي "تعليق تحريري يوضح خلفيته (أي خلفية كارادزيتش) كمجرم حرب مدان بارتكاب جرائب ضد الإنسانية في حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي. كما قام الفرع السلوفاكي لنادي القلم بتعليق عضوية رئيس تحرير المجلة في النادي لمدة عام.
وهذا كلام فارغ.
خبر الجارديان يشير إلى أن كارادزيتش حصل عن قصائده في عام 1994 على جائزة ميخائيل شولوخوف التي يمنحها اتحاد الكتاب الروس. كما يشير الخبر إلى أن قصائده دائما تتناول ثيمات العنف والحرب وتحمل عناوين من قبيل (وأرجو ألا يقرأ الأطفال ما يلي) "قنبلة يدوية في الصباح" و"القتلة" و"رجل من رماد" و"أحذية حربية". أتفق طبعا مع كل من يرى أن هذه الجائزة ـ والجوائز عموما ـ لا تؤكد شاعرية شاعر، ولكنها على الأقل تبين لنا أن اهتمام الرجل بالشعر قديم، ومواز لاهتمامه بالذبح والقتل. (كم يذكرني هذا برواية جميلة للصديق طارق إمام عن شاعر/قاتل متسلسل خصص إحدى يديه للقتل والأخرى لكتابة القصائد. أنا أدين هذه الرواية طبعا، أقصد أني أدين لها). فيما أقرأ الخبر، كان ما لفتني كثيرا هو الفترة الطويلة التي قضاها ذلك الرجل مختبئا (بالمناسبة، وجود أسامة بن لادن كل هذه السنوات في مجاهل أفغانستان بين السماء والجبل واليقين بأنه على حق، وبأن كل العالم على باطل، يثيرني بالقدر نفسه، برغم رفضي الطبيعي كإنسان لما فعله كارادزيتش وبن لادن).
يرى كارادزيتش أن قضيته التي حارب من أجلها قضية عادلة، ويرى أن ما يعذبه القضاة بسببه ليس إلا أفعالا تافهة، أخطاء بسيطة وقعت على هامش النضال النبيل. حسن، هذا رجل تفكيره مريض. أو لنقل إنه مغاير لإجماع الأغلبية من البشر. وهو لذلك يتلقى عقابه الآن.
ولكن الحديث الآن عن الشعر. سيكون من دواعي سروري كمحرر أن أنشر الأعمال الشعرية الكاملة لإبليس لو قرر نشرها، فالشعر له قوانين أخرى، حتى لو حمل رسائل أخلاقية مسمومة. وقارئ الشعر ليس طفلا يحتاج إلى "تعليق تحريري" من أي نوع. والحضارة الإنسانية حضارة بشر لا ملائكة، فليس لأحد أن يحذف من طبيعة البشر جانبها الشرير. نحن أبناء قابيل لا هابيل. أجدادنا هم المركيز دي ساد وهتلر ونابليون والقديسون والأولياء والأنبياء. ومنا الآن، وفي كل آن، قتلة وقتلى ومجرمون وأبرياء. وليس من السهل دائما أن نميز القاتل المحتمل من القتيل المحتمل.

Monday, March 23, 2009

تداول السلطة الشعرية

سأكون أول شخص في التاريخ يحق له أن يقول "كنت شاعرا للبلاط" هكذا كتب الشاعر آندرو موشن شاعر البلاط الملكي وأمير شعراء بريطانيا. ومع أن هذا ليس صحيحا تماما، فقد حق لشاعر من قبل هو جون درايدن (الذي تم طرده من منصبه كشاعر للبلاط الملكي) أن يقول نفس العبارة، إلا أن آندرو موشن ـ وبعيدا عن هذا الاستثناء ـ سيكون بالفعل أول شاعر سابق للبلاط البريطاني، فقد كان المنصب حتى عشر سنوات مضت منصبا يستمر مدى الحياة، وحدث أن أتت الانتخابات بتوني بلير رئيسا لوزراء بريطانيا، فرأى أن يغير هذا الوضع ويجعل للمنصب مدة محددة بعشر سنوات فقط.
سيكون آندرو موشن إذن أول من يحق له في التاريخ أن يقول عن نفسه إنه كان شاعرا للبلاط. فهل تنبع البهجة التي أستشعرها خلف كلماته من دخوله "التاريخ" بوصفه "أول" المتقاعدين، أم أنها تنبع من خروجه من "البلاط" و"المنصب" وعودته من جديد إلى صفوف الجماهير يؤدي دورها كأي مواطن عادي؟
لعلنا قادرون على تلمس إجابة ما في فقرة أخرى من مقال موشن الطويل والعذب المنشور في الجارديان بتاريخ الحادي والعشرين من مارس الجاري (وهو بالمناسبة اليوم العالمي للشعر)، يقول موشن:
"قابلت بالترحاب فكرة أن تدوم ولايتي عشر سنوات فقط؛ ذلك أن محدودية الفترة شجعتني على الشعور بأنني ينبغي أن أكون أكثر نشاطا. كما سمحت لي أيضا بالشعور بأنني سوف أسترد في نهاية المطاف حياتي".
كان ثمة إذن بهجة منذ البداية، بهجة بالعمل وبالارتياح من العمل. بهجة إنسان متزن لم يفرح بما قالته له ملكة بريطانيا ورئيس وزرائها عندما التقي بكليهما ـ كل على حدة ـ في مستهل ولايته، فكرر كل منهما الآخر قائلا للشاعر "لن تكون مضطرا إلى عمل أي شيء". يصف موشن الملكة ورئيس الوزراء عند قولهما هذا بأنهما "كانا مبتسمين" ويضيف "لقد جعلاني أشعر أنني سوف أوضع في البرج إن أنا لم أقم بعمل أي شيء فعلا. وما حدث هو أنني لم ألق تشجيعا كثيرا على أن أشغل نفسي. وفي حين فسر أسلافي المنصب بوصفه تكريما، شعرت أنا أنه بمثابة دعوة إلى القتال".
ومضت السنوات العشر، فخدم الرجل الشعر كثيرا، ومثَّله في كل محفل يمكن أن يمثله فيه، ولم يكتب في المناسبات الملكية على مدار عشر سنوات إلا ثماني قصائد، بمعدل أربعة أخماس قصيدة في العام. وآن له أن يخرج، مفسحا المجال أمام صوت آخر، ومذاق آخر، مستجيبا لا لقانون غيره رئيس وزراء ـ هو نفسه خرج من الحكم ـ بل لقانون الطبيعة البسيط، ولروح الشعر الذي لا يعيش إلى على جثة الجمود والتكلس.
ولا نزال مع أخبار الشعر، ولكن على صعيد آخر جدا، ومن ناحية أخرى بصورة مفزعة، حيث فاز الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي بجائزة الشعر التي يمنحها مؤتمر سنوي هو رئيسه بحكم منصبه كمقرر أبدي للجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة.
افتتاحية ملحق قراءات بتاريخ 22 مارس 2009

Blog Archive

My Photo
أحمد شافعي
كاتب ومترجم
View my complete profile