Tuesday, September 12, 2017

كثير من "الشعر" .. قليل من "العربي"

كثير من "الشعر" .. قليل من "العربي"


من هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك شاعراً مقروءاً؟  
هناك إجابة تصلح لأي سؤال تقريبا: لا أعرف. لكن إجابتي هنا هي: لا أحب أن أعرف. بالقطع أنا شاعر مقروء، بالقوة على الأقل، بما أن لي كتبا منشورة، وقد أكون مقروءا بالفعل لعدد مهما يكن من الناس. أعرف بعض قرائي، لكنني أحاول أن أتخلص من هذه المعرفة، فمن واقع متابعتي، أغلب الشعراء الذين عرفوا قراءهم ظلوا يكتبون لهم القصائد نفسها المرة تلو الأخرى.
كيف هي علاقتك مع الناشر، هل لديك ناشر وهل هو الناشر الذي تحلم به لشعرك؟
أنشر ترجماتي بالدرجة الأساسية منذ بضع سنوات مع الكتب خان، ومعها أيضا نشرت رواية وكتابا شعريا. وهذا الناشر يلائمني تماما، ويوفر لي من الكتاب والمترجمين صحبة مشرفة. ولكنني لا أحلم للشعر بناشر فقط، بل بموزع، بمساحة لائقة في متاجر الكتب، بمبادرات ذكية تجعل الشعر جزءا من حياة الناس، ليس فقط لأن الشعر "جدير" و"يستحق"، بل لأن حياة الناس بدونه "ناقصة" و"شقية".

كيف تنظر إلى النشر في المجلات والجرائد والمواقع؟
أنظر إلى النشر في المجلات نظرتي إلى مومياوات جديدة توضع في توابيت ممتلئة أصلا، ومنسية تماما. وإلى النشر في مواقع الإنترنت نظرتي إلى الكتابة بالكحول. أغلب المواقع المعنية بنشر الشعر لدينا فقيرة ماليا، وفقيرة بصريا. غير أنها في ما أرجو أكثر قابلية للتطور من المجلات والجرائد والورق عموما.
هل تنشر شعرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف ترى تأثير ذلك في كتابتك أو كتابة زملائك ممن ينشرون شعرهم على وسائل التواصل؟
نعم، أنشر قصائدي من خلال حسابي في فيسبوك تحديدا، وأفكاري، وشذراتي، وملاحظاتي. وكتبت كثيرا من قصائدي في السنوات الأخيرة على هذه الصفحة مباشرة، فمنها ما كتبته في دقائق، ومنها ما ظللت أكتبه لساعات، ومنها ما بقي لأيام غير متاح إلا لي، مسودة ملحة تواجهني كلما فتحت صفحتي. لعل الكتابة في هذه المساحة، ومن خلال الهاتف في أغلب الأحيان، هي جزء من أسباب نزوعي في كتابي الأخير إلى القصيدة القصيرة. والمهم بالقدر نفسه أن عرض الشعر على الآلاف يعطيني مؤشرا أو أداة للتقييم، فحتى عدد المجاملين له دلالته.
من هو قارئ الشعر العربي اليوم في رأيك؟
لا أظن إجابة هذا السؤال تطلب من شاعر. لعل مراكز استطلاع الرأي أقدر على منحنا بعض المؤشرات، ولكنني أستبعد أن تهتم. في حدود تصوراتي، إضافة إلى الشعراء أنفسهم، هناك كتَّاب الرواية الأذكياء، وأفضل قراء الشعر في رأيي هم الشعراء السابقون، الذين كان لديهم من البصيرة ما جعلهم يكتشفون أن القراءة فقط هي طريقتهم المثلى للحياة مع الشعر.
هل توافق أن الشعر المترجم من اللغات الأخرى هو اليوم أكثر مقروئية من الشعر العربي، ولماذا؟
يبدو أنني أوافق. عشرات القصائد تجد طريقها كل يوم من لغات العالم إلى العربية. ثمة ترجمات رائعة، وأخرى مريعة، وترجمات فاترة، لكنها جميعا ترجمات محبة، ومجرد وجودها يعني وجود قراء لها. لي صديقة تترجم الشعر يوميا، وتنشره عبر صفحتها في فيسبوك فقط، وأرى العشرات يتفاعلون معها. قارئ الشعر مرغم أن يبحث عنه في كل لغة وفي كل عصر، لأن الشعر الجميل حقا نادر للغاية، فلا غنى عن الترجمة.
ما هي مزايا الشعر العربي الأساسية وما هي نقاط ضعفه؟
أظن أن أهم مزايا الشعر اليوم، الشعر العربي والشعر في العالم، أنه ليس جزءا من سوق كالرواية مثلا، وليس جزءا من سلطة كما كان في يوم من الأيام. الشعر اليوم حر أن يكون ما يريد، وأن يقول ما يرى حتمية قوله، وبالطريقة التي تروق له. ولعل من أوضح عيوب الشعر العربي أن من الشعراء أنفسهم من لم ينتبهوا بعد إلى أي مدى هم أحرار.
شاعر عربي تعتقد أن من المهم استعادته الآن؟
محمود حسن إسماعيل. لأنني أحبه. ولأنه ممتع. ولأن خياله شديد الخصوبة، وموسيقاه شديدة العذوبة، ومعجمه رقيق ومنتقى بمحبة، ولأنه يبدو منسيا إلى أن تذكر اسمه فيقال "فعلا". الجميع يتذكرونه فور أن يشار إليه بمثل بهجة العثور على رزمة نقود في جيب معطف مهمل منذ الشتاء السابق.
ما الذي تتمناه للشعر العربي؟
كثيرا من "الشعر"، قليلا من "العربي" 

نشر الحوار في "العربي الجديد" ضمن زاوية بعنوان "هموم شعرية"




Friday, August 25, 2017

في محبة الترجمات الرديئة

في محبة الترجمات الرديئة
أتصور أن كلمات كثيرة في المعجم تريد أن تسألنا لماذا لم نعد نستعملها؟ لماذا مثلا نكتفي بالرديئة وصفا لبعض الترجمات وننسى "الجافة" و"السقيمة" و"الجاهلة" و"المتعجلة" و"الغافلة" وغيرها. غير أن هذه الكلمات تقتضي منا جهدا لإيضاح ما نعنيه به، فنقرأ بدقة، وننقد عن علم ومعرفة. أما القول بالرداءة فيسير.
لا شك أن الغواية إلى القول برداءة ترجمة أكبر من الغواية إلى القول بجودتها. فمع الرداءة أنت أعلى مما قرأت، وأنت حَكَم عليه، ومع الجودة أنت مدين له بالفضل. ولا أحد يفضل ـ في تقديري ـ أن يكون مدينا. والمترجمون، جميعا، يساعدوننا على أن نزداد تقديرا لنفسنا. فمنهم من يساعدنا لأن ترجمته معيبة فعلا، وواضحة العيوب، وبقيتهم يساعدوننا لأن كل ترجمة ـ بمرور الوقت ـ ترجمة رديئة. فمن منا اليوم يستطيع أن يقرأ ترجمة إسحق بن حنين لكتاب الطبيعة لأرسطوطاليس إلا متوسلا إليها بعبدالرحمن بدوي أو بغيره من الشراح؟ قليلون للغاية من الممعنين في التخصص. ومن منا لا يعلي إحدى ترجمتي سليمان العطار وصالح علماني لمائة عام من العزلة على الأخرى، أو إحدى ترجمتي محمد عناني وكمال أبو ديب لاستشراق إدوار سعيد على الأخرى (ما لم يرفض كلتيهما)، ومن منا لا يعتمد للكتاب المقدس ترجمة تبطل لديه كل ترجمة عداها؟
ولو أنني ارتضيت قابلية الترجمة للاستعمال معيارا لجودتها، فما من ترجمة رديئة، لأن كل ترجمة قابلة لاستعمال شخص، شخص على الأقل، وإن يكن المترجم نفسه. ربما لهذا يجب أن نلين قليلا في حكمنا على الترجمات التي نراها رديئة، لأنها بالفعل تقدم خدمة، ولو لقارئ في أول عهده بالقراءة، أو قارئ لا يقرأ بغير لغته الأم، فيلم هذا أو ذاك من القراء بطرف من كتاب مهما تكن الوسيلة إلى ذلك مشوهة
أما وقد قلت هذا فإنني أقول إن في الترجمات الرديئة متعة
فمن المترجمين ذلك المترجم الرديء البارع في لغته العربية، وهذا  يخدعك باسترسال لغته في سلاسة إلى أن يصطدم وجهك بجبل جليد من الخلل المنطقي، وتدخل المتاهة باحثا عن الأصل الذي أخطأ المترجم في نقله إلى أن تعثر عليه فكأنك فأر ظافر بقطعة جبن. وهناك المترجم الرديء المحظوظ الذي يخطئ فينتج جمالا يصرف أنظار قرائه عن الشك فيه ـ وكم يحدث هذا في الشعر، واكتشاف الخطأ هنا يستوجب دربة كبيرة من القارئ لكن متعة مصادفته لا تعدلها متعة. وهناك المترجم الرديء المتخصص وهذا ملعبه المقدمة يخفي بها عوار ترجمته، فهو ينفرد بك فيها موجها إليك سلسلة من اللكمات المتتابعة، ينتزع منك ثقتك في نفسك، فأنت لا تعرف شيئا، أي شيء، وفرصتك الوحيدة في أن تعرف هي أن تفتح فمك وأذنيك وعينيك وتستلم للصفحات التالية، وهذا المترجم عليك أن تقرأه بالمقلوب، فتبدأ بالنص، ثم تنتهي إلى المقدمة، فكلما قال إنك "لا تعرف شيئا" تقول "وبهذا نصير اثنين". وهناك المترجم الرديء الإغراقي وهذا لا تكفيه المقدمة ليلهيك عن سقم ترجمته، فيطلق عليك الحواشي، أعني الحواشي في كل صفحة وفي آخر كل فصل ثم في آخر الكتاب، ويتبعها بالملاحق، والفهارس، ولديه غير ذلك كله الأقواس المضلعة داخل النص نفسه. هذا المترجم لا يتركك لحظة واحدة، ولا يسمح لكاتب النص الأصلي أن ينفرد بك، بل إن من هذا النوع من قد يملي عليك طريقة القراءة: اقرأ المقدمة والحواشي والملاحق أولا، ثم اقرأ النص بالتزامن مع قراءة الإضافات، ثم اقرأ النص وحده بدون الاكسسوارات. مع هذا المترجم يمكنك أن تقول له "شكرا، هناك ترجمات أخرى" أو "شكرا، سأنتظر ترجمات أخرى". وهناك المترجم الرديء صديقك، وهذا صديقك، ومن ثم فهو مترجم جيد. وهناك المترجم الرديء السوقي، وهذا تعرفه ببساطة، لأنه لا يترجم غير الروايات، والرائج من الروايات، وهذه نادرا ما تكون قراءتها ضرورة. وهناك المترجم الرديء الجرادة وتقول الأسطورة إنه يترجم بكلتا يديه في وقت واحد، فكل يد تترجم نصا مختلفا، وهذا تعرفه بطريقة سهلة، حينما يحدث وأنت تقرأ له أن تقلب صفحة فتنخدش أصابعك ويسيل دمها، تعرف عندئذ أن هذه الصفحة مترجمة بيده اليسرى، تماما كما أن أظافر يدك اليمني ـ التي تقصها بيدك اليسرى ـ نادرا ما تكون منضبطة ناعمة آمنة. وهناك المترجم الرديء بحب، وهذا غالبا ليس مترجما، هو في الغالب شخص ناجح في مجال غير الترجمة، ولكنه يقرر أن يترجم. وهذا تعرفه حين تكتشف أنك لا تقرأ ترجمته بقدر ما تفكر في الجملة التي ستكتبها لمجاملته على صفحتك في فيسبوك، حينما تجد أنك لست سعيدا بما تقرأ، بل سعيد أنك بصحبة المترجم نفسه، وهذا ينقلنا إلى أهم أسباب وجود الترجمات الرديئة: القارئ.
لو أن القراء يدققون في جودة الكتاب الذي يشترونه مثلما يهتمون بجودة أي سلعة أخرى يشترونها، لما خرج في وجوههم كتاب رديء. لو أن القراء يهتمون بعقولهم اهتمامهم بأحذيتهم لما نالوا من المترجمين والمؤلفين ما ينالون.

كتبت هذه الكلمات مشاركة في تحقيق صحفي لم ينشر  قط

Tuesday, August 01, 2017

الحقيبة

الحقيبة

كنا نستعد للانتقال من أيوا إلى مدينة ما، لعلها شيكاغو، وكان علينا أن نشحن أمتعتنا بالبر إلى أن نلحقها جوا. وحدَّد لنا المشرفون على برنامج إقامة الكتاب الذي كنا نشارك فيه هناك خمسين كيلو جراما لكل كاتب. ولما طلبنا أن يوفروا لنا ميزانا جاؤونا بميزان لا بد من تعليقه، ولم يتسنَّ لي أنا على الأقل أن أجد ما أعلقه عليه، فكان لزاما عليّ أن أحمل الميزان بالحقيبة بيد واحدة، وأرفعها إلى مستوى عيني تقريبا، فيمكنني أن أسجّل قراءته. وجاء من طلبة الدراسات العليا بجامعة أيوا من تبرعوا بنقل حقائبنا جميعا إلى حيث تشحن، ثم جاءتنا رسالة عبر البريد الإلكتروني تطمئننا إلى أن الأمتعة جميعا شحنت، وأشارت كاتبة الرسالة إلى أنها ترفع قبعتها لشخص واحد من بين تسعة وعشرين كاتبا كانوا مشاركين في البرنامج في تلك السنة ـ 2014 ـ لأن حقيبته كانت تزن خمسين كيلوجراما بالضبط، لا تزيد ولا تنقص. ذلك الشخص هو أنا.
وتكرّر الموقف ونحن نستعد للطيران الداخلي الأخير في الولايات المتحدة، إلى واشنطن. كان كل واحد فينا قد جمع على مدار عشرة أسابيع من الإقامة في الولايات المتحدة ما لا حصر له من التذكارات، فكلٌّ وهوسه. كلنا كنا نشترك في الكتب والأسطوانات بالقطع، ولكن من المؤكد أن لدى الجميع كلَّ ما يمكن تخيله من أنواع الجنون والميول والأهواء. وهكذا وقفنا في صف طويل أمام الميزان في المطار، لا نعرف أينا سيدفع التكلفة الباهظة لأي كيلوجرام زائد عن المسموح به، وهو مرة أخرى خمسون كيلوجرام. كنا قد اتفقنا جميعا على أن يحمل أصحاب الوزن الخفيف بعض أثقال زملائهم. ووصلت إلى الميزان ورفعت حقيبتي إليه، وسئلت مثلما سئل كل من سبقني "كم؟" فقلت "تسعة وأربعون" وهذه المرة كان الثناء فوريا. فهذه المرة كنا قد حزمنا جميعا أمتعتنا، لسبب أو لآخر، بدون ميزان.
تلك كانت ثمرة خبرة تسع سنوات سابقة من حزم الأمتعة، وترتيب الحقائب، ومراعاة الوزن. تسع سنوات لا أتذكر أنني دفعت فيها مرة واحدة غرامة الوزن الزائد، ولا أتذكر أيضا أنني ضحيت باصطحاب شيء رغبت فعلا في اصطحابه.
لا بد أن هذه اللحظة تكرَّرت مرَّات كثيرة، لكن مرة واحدة هي الأوضح بينها جميعا، والأبقى في ذاكرتي: لحظة كنت أختار الكتب التي لن أستطيع اصطحابها معي في السفر. كنت في كل عام أرجع من حيث أعمل في مسقط بسلطنة عمان لأقضي بضعة أسابيع في إجازة بمصر، فلا أرجع يوما إلى البيت إلا محمَّلا ببعض مما فاتني اقتناؤه من الكتب على مدار الشهور السابقة، وقبل سفري بليلة، أختار الرواية (دائما رواية) التي سأحملها معي لقراءتها في مقهى المطار وفي الطائرة إن أمكن، ثم أبدأ في تقسيم الكتب، ما لا بد أن أحمله معي، وما يمكن أن أتركه في القاهرة. إلا في مرة واحدة انقسمت الكتب فيها إلى ثلاثة أقسام، القسمين السابق ذكرهما، وقسم فيه كتاب "هدايا الوحدة" لمحمد خير. كتاب قليل الصفحات، لكاتب أحب كل ما يكتبه منذ أول ما كتب. كنت أعرف أنني لن أصطحب الكتاب إلى مسقط، وأنني لن أتركه في القاهرة. هكذا أغلقت حقيبتي قبل نصف يوم من السفر، ووضعت في صناديق ما لم أصطحب من كتب، وبقي كتاب محمد خير على منضدة الطعام المكسوة بمفرش قديم لن يحمل غير الغبار على مدار سنة تالية.
قبل السفر بساعات، اغتسلت، وأعددت آخر فنجان قهوة، حريصا بالطبع أن أجعله أثقل من المعتاد، واصطحبته إلى البلكونة. ليس فيها كرسي، فكل أثاث البيت الآن مكفَّن في أقمشة وأكياس. وضعت فنجان القهوة على حافة سور البلكونة، وأشعلت سيجارة، وفتحت كتاب خير فقرأته واقفا. هكذا، لم أصطحب هدايا الوحدة، ولم أتركه، وهكذا أيضا أكون، بمعنى من المعاني، حقيبة.
***
لم أعرف قط ما الذي يحمله المثقفون في حقائبهم الصغيرة المعلقة أبد الدهر إلى أكتافهم، يتنقّلون بها في شوارع وسط البلد. ربما أقلاما وأوراقا وسجائر وولاعة. ربما كتابا للمترو أو الأتوبيس، أو للحظات انتظار بعضهم بعضا في المقاهي أو الحانات. ربما وصاياهم. ولكنها بدت ظاهرة في أولى أيام اقترابي من المثقفين. كان في أتيليه القاهرة، مثلما في مقهى التكعيبة، بجوار كل كرسي حقيبة صغيرة، أو هي على حجر صاحبها، أو على كرسي بجواره بديلا عن صديق لم يأت بعد، ومنعا لنادل المقهى أن يصادر الكرسي الإضافي. كنت في تلك الأيام قد أنهيت دراستي الجامعية ولا أزال أنتظر أن يحدِّد الجيش مدى احتياجه لي من عدمه. نوع من اليمبوس: فلا مجال للحصول على أي وظيفة ما لم ترفق بأوراقك موقفك من التجنيد. هكذا كنت أعمل بالقطعة مع مكاتب ترجمة يديرها دائما شايلوك مختفيا وراء شتى أنواع الأقنعة. وفي الليلة السابقة على ذهابي إلى مركز التجنيد لإجراء الكشف الطبي، جاءني أبي بحقيبتي الثقافية الأولى.
أتذكَّر بوضوح وقفتي في صالة البيت أكوي الثياب التي سأرتديها في الصباح المبكر من يومي التالي، متعكِّر المزاج إلى أقصى حد ممكن، وكيف رددت على محاولة أمي لمواساتي بأول عبارة تجديف معلنة. لعلها قالت شيئا من قبيل أن الله يخبئ لي مفاجأة طيبة. فقلت ما قلت. واسودّ وجه أمي حرفيا لوهلة، وبدا عليه التفهّم للحظة، ثم استقرَّ أخيرا على الشفقة بابنها الذي بلغ خوفه على سنة تضيع من عمره في التجنيد أن انزلق إلى فقدان الثقة في الله. في تلك اللحظة تقريبا دخل أبي. لعله رأى وجه أمي، واسوداد وجهي أنا الآخر، فأخرج لي الحقيبة. قال لكي لا تضيع أوراقي. وابتسمت، برغم الكآبة التي كنت أستشعرها منذ أسابيع، وبرغم توجسي أن مثلي إذا دخل الجيش فإنه لن يقوى على سنة من الامتثال الأعمى للأوامر، وأنه على الأرجح لن يخرج منه، وإن خرج فبما يشبه توصية لعينة من المؤسسة العظمى لكل جهة عمل في البلد أن أغلقوا أبوابكم في وجه حامل هذا المستند.
لا بد أنني صعدت إلى غرفتي بقميصي المكوي في يد، وحقيبتي الجديدة في الأخرى، ولا بد أنني علَّقت القميص وراء الباب، وانفردت بالحقيبة أخليها من الأوراق التي ينفخونها بها، وأرتِّب فيها أشيائي. أي أشياء؟ لست في الغد ذاهبا إلى وسط البلد، بل إلى مركز التجنيد، إلى الهايكستب. ولن ينفعني غدا دفتر وقلم، بل سندوتشات ومناديل وزجاجة ماء، وإن بقي في الحقيبة الصغيرة مكان، فلرواية. لكنني في تلك الفترة كنت أقرأ دوستويفسكي للمرة الأولى، وما كان يمكن أن أضع في تلك الحقيبة الصغيرة أيا من مجلداته. بمرارة حقيقية، ملأت حقيبة المثقف بأغراض الجندي المحتمل، ونظرت إليها قبل أن أنام نظرة من يودع هذا الغرض الملكي على أمل لقاء لن يحدث قبل عام، في أحسن الأحوال.
في اليوم التالي، تبيَّن أن الجيش يبادلني مثل مشاعري. كان علي أن أتعرَّى إلا من سروالي الداخلي، وأمرَّ بإجراءات الكشف الطبي جميعا، ثم أنتظر في العراء إلى أن ينادي علينا من يعلن عن الدفعات التي يحتاج إليها الجيش. وجاءت البشارة. مواليد 1977 معفون من التجنيد باستثناء خريجي كليات لم تكن بينها كلية الآداب.
كأنه ميلاد جديد. تدافع المطلق سراحهم إلى أتوبيسات مضت تنطلق بهم وهم بارزون من كل فتحة فيها كأنها توشك أن تلفظهم، وفتحت أنا بمتعة حقيبتي، وأخرجت علبة السجائر السوبر، أشعلت سيجارة، وقرَّرت أنني سأقطع كيلومترات الطريق الداخلي سائرا على قدميَّ حتى الطريق العام. ولم أكن وحدي على أية حال. كثيرون غيري أرادوا أن يتنزَّهوا على الأرض العسكرية تلك، مفرغين توتر الشهور السابقة في نكات تتبعها ضحكات لا تخصها في الغالب، أو في دخان ينفثونه كأنه دخان سجائرهم لا نفثات أخيرة من حرائقهم الذاوية.
على الطريق العام، ركبت سيارة إلى "الألف مسكن". كنت قد اتفقت مع صديقي الشاعر هاني فضل أني سأزوره في بيته هناك للمرة الأولى، إن حصلت على الإعفاء، فإن لم أطرق بابه، فمعنى هذا أننا قد لا نلتقي إلا بعد شهور. نظر إلى الحقيبة على كتفي وقال "مبروك". تصورت أنه يهنئني بالإعفاء. أوضح "على الشنطة" ضحكت وقلت له إن أبي فاجأني بها أمس. قال بهدوئه الأسطوري "أبوك دا حد كويس".
لا شك أن الحقيبة كانت مؤشرا، لكن كان لا بد أن تنقضي عشر سنوات حتى أوافق هاني.
***
عندي حقائب كثيرة. السوداء والبنية والزرقاء الداكنة والحمراء النبيذية والزيتية. عندي الحقائب المصنوعة من جلد طبيعي (وهذه دائما هدايا من زوجتي)، ومن قماش، ومن خامات يصعب القطع بماهيتها. عندي الحقيبة التي تتسع للابتوب حجمه 15 بوصة، والحقيبة التي تتسع للابتوب صغير قد تتصوره هاتفا للوهلة الأولى، وحقيبة تتسع لبجامة وفوطة ولابتوب أيضا. وحقيبة لا تكاد تتسع لأكثر من الباسبور والسجائر والنظارة الشمسية. عندي حقائب في شقتي في القاهرة، وفي بيت أمي بطحانوب، وفي حقيبة سيارتي أيضا. عندي حقائب منسية فوق الدولاب، وتحت السرير، ووسط الكتب. عندي حقائب رخيصة للغاية وأخرى غالية. عندي حقائب لأنني لا أحب أن أتحرك وحدي. عندي حقائب لأنني بغيرها لا أشعر بالأمان.
والدنيا تغيَّرت. تسع سنوات خارج مصر (انتهت في 2014) غيَّرت الكثير هنا. دعكم من الثورة. أقصد أمورا أبسط بكثير. زي المثقفين الموحد تغير، لم يعد موحدا. بات نادرا الآن (وإن لم يكن منعدما) أن أرى بين أترابي من يحمل حقيبة. الأغلبية يسيرون خفافا، أنيقين، معطَّرين، في أيديهم هوافتهم الذكية تغنيهم عن الكتاب، وفي جيوب ستراتهم مكان كاف لسجائرهم، وربما في بطاقاتهم البنكية ما يغنيهم حتى عن محفظة في جيوبهم الخلفية. صحيح أنك لن تعدم من لا يزال على  العهد. لكنني أتكلم عن أترابي أنا، عن أصدقائي، عن حملة الحقائب السابقين، لماذا صاروا سابقين؟
قبل أسابيع كان الشاعر عماد فؤاد في القاهرة، قادما في إجازة قصيرة من بلجيكا، والتقينا في مقهى، وبينما كنا نتأهَّب للخروج منه، وقفنا نرتدي ستراتنا، ونعلق حقيبتينا. رأيت عماد يضع شريط الحقيبة في ناحية من عنقه، ويتركها تتدلَّى بجانب خصره في الجانب الآخر. تماما كما كان الجميع يفعلون قبل سنين. لم أقل لعماد إن سنوات إقامته خارج مصر هي السبب في أنه إلى الآن لم يزل على العهد. لكنني عرفت ذلك.
تسع سنوات جعلتني الآن وأنا أسير مع أصدقائي بحقيبة معلقة على كتفي لا أبدو كمثقف، بل ككشاف نور، كمحاسب، كفني صيانة كمبيوتر. بل صرت أسمع تعليقات من هذا النوع فتثير دهشتي وتذكرني بقصيدة لشاعرة أمريكية لم يعلق اسمها في ذهني، ولا علق من قصيدتها إلا قولها:
أمي تقول لكل من لا تضع المكياج
ما هذا يا فتاة؟
ما الذي لا تحاولين إخفاءه؟
وأسأل أيضا ذلك الذي لا يحمل حقيبة: ما هذا يا أزعر؟ ما الذي تتصور أنك في غنى عنه؟
***
هي ببساطة كالساق الصناعية. بديل ساق أخرى غائبة. الحقيبة الموضوعة على كرسي في المقهى قد تكون بديل صديق. لكنها، حتى لو لم أكن بانتظار أحد، بديل شيء آخر. بديل حقيبة معطوبة قليلا، حقيبة هي أنا. لم يكن الأمر كذلك طول الوقت. لكنه هكذا أصبح.
في الحقيبة حبوب القولون العصبي، وفيها عدة التدخين (خاصة في الفترات التي أستسلم فيها لغواية لف السجائر). فيها القلم الأحمر والكتاب. فيها شاحن الهاتف، والهاتف الصغير الذي لا يعرف رقمه غير أقل القليلين، وفيها الدفتر الصغير بديل الذاكرة المعطوبة. الذاكرة التي كانت قديما تتسع لكتاب كهدايا الوحدة، صارت الآن لا تتسع لشيء. وماذا في أن أشبه كشاف نور أو مأمور ضرائب؟ المهم أن أجد ما يسعفني حين أنسى في وسط الطريق اسم الشارع الذي أقصده، أو رقم العمارة التي انتقلت إليها دار النشر التي ستقام فيها ندوة لمناقشة كتاب يثقل حقيبتي. صحيح أن الهاتف الذكي قد يغني عن كثير من هذا، لكن لجيمس تيت (وهذا لا أستطيع أن أنساه) قصيدة عن سجين ذي ساق واحدة، ظل سنين يعد خطة للهرب من السجن، وحينما فاجأته إدارة السجن بساق صناعية رفضها. لقد أعد خطة الهرب، وهي لا تحتاج إلا إلى ساق واحدة.
***
عندي قصيدة قديمة، نشرت في كتاب قبل سبع سنوات، ولا بد أن تكون كتبت قبل ذلك بسنتين أو ثلاث على الأقل، فيها اقتراح على صديقي "محمد عبدالنبي" يخص مجموعة قصصية كان يكتبها آنذاك ولعله أقرأني مسودتها مثلما كنا نفعل في غابر الدهر:
"اقترحت على محمد عبدالنبي أن يجعل بطله ينسى شيئا نفيسا في القطار، وفي الصباح [التالي] يجده في موضعه، فيهجس أن الزحام المحيط به غير حقيقي"، ولم يقتنع عبدالنبي "ومع هذا ظللت أفكر في كنه ذلك الشيء النفيس الذي يمكن أن ينساه واحد في القطار" أهو نظارته التي لم يخلعها طول حياته؟ "أم الحقيبة التي بداخلها كل ذكرياته، حتى ما نسيه منها؟" وبدأت أفكر إن كنت أنا نسيت في قطار من قبل شيئا نفيسا، فلم أجد إلا أنني ذات مرة نسيت أن أنزل، "نسيت نفسي، نسيت جسدي، نسيت الحقيبة التي بداخلها ذكرياتي جميعا، حتى ما نسيته منها".
أهذا صحيح؟ أفي هذه الحقيبة اللصيقة بي، الحقيبة التي بغيرها لا يعرفني أحد، وربما لا أعرف أنا نفسي، أفيها فعلا الذكريات التي نسيتها؟
وأليس غريبا، أن تظل الذكريات "المنسية" محتفظة باسمها، اسمها الدال عليها وظيفيا لا اصطلاحيا وحسب؟ لماذا لم يجد أهل اللغتين اللتين أعرفهما داعيا لسك كلمة أخرى للذكريات بعد أن تتوقف عن كونها ذكريات؟ يصبح الجسد بالموت "جثة" و"جثمانا" وبتحلله يصبح "رمة" و"رفاتا". يولد الواحد منا فهو "وليد" فـ"رضيع" فـ"ولد" و"صبي" "وشاب" إن صح هذا الترتيب. ربما تنبئنا اللغة بمجرد أن تجري على لساننا كلمة "الرجل" أنه لا رجوع لـ"الشاب"، وبمجرد أن توجد "الجثة" أن "الجسد" ينعدم.
ربما  أبقت اللغة للذكرى المنسية اسم الذكرى الحاضرة على سبيل التمني. أما الحقيبة/الجسد فاللغة واضحة إزاءها أشد الوضوح، هذه تفرَّغ حتى من اسمها.
***
وعندي حقيبة أحبها في ماضيها وأمقتها في حاضرها. حقيبة شفافة. اسمها الذي بيعت به أول ما بيعت في مصر هو الكلير باج. كان ذلك مكتوبا عليها، clear bag. ملف يتسع لعشرات الأوراق، ويغلق فيحكم إغلاقه. ظهر على الأرجح للمرة الأولى في أوائل التسعينيات، حينما كنت في الثانوي. رأيته أول ما رأيته عند أحد أساتذتي أصدقائي. أو أصدقائي أساتذتي. كان قد كلَّمني عن ملفات لا ينتهي من إعدادها، تبقى دائما عرضة للإضافة والحذف، مصادرها كثيرة، لكن أهمها رحلات له منذ كان طالبا في الكلية، رحلات إلى كل ربوع مصر، إلى الواحات والجبال والسواحل طبعا، لكن أيضا إلى القناطر والقرى والنجوع. إلى تلال رملية ناشزة وسط أراض زراعية. إلى ينابيع مياه عذبة وسط مياه مالحة. إلى الأديرة. إلى معابد مغمورة. إلى مناطق حدودية. كلمني عن حلايب وشلاتين قبل أن يتكلم عنها أحد. وعن جبل علبة. في بيته رأيت حقائبه الشفافة، مليئة بملاحظاته، وقصاصات الجرائد. شخص على علاقة بمصر كانت تجعله يقبض يده ويشرح لي على عظام يده، وأخاديد ما بين أصابعه، تضاريس صحراء مصر الشرقية. ويبسطها فيريني في انبساط راحتها تضاريس صحراء مصر الغربية. شخص استطاع ونحن واقفان في الفسحة، في ربع ساعة، أن يشرح لي مناخ وادي النيل من منابعه إلى مصبه. شخص يتكلم، فترى أمام عينيك خريطة هذا البلد الذي يتفنَّن في خلق مجاذيبه.
أما حقيبتي الشفافة الحالية ففيها تقاريري الطبية. هي ملفي عن نفسي. عن التدهور المحتوم. حقيبتي هذه لا أريد أن أتذكرها.
***
الثالث الثانوي كان ثورة على الحقيبة. فصل تالتة أول أدبي. الفصل المشاغب، الصاخب، كابوس المعلمين إلا أحدهم. الفصل المارق غير القابل للسيطرة، والمدجن تماما بين يدي مدرس الفلسفة.
يوما ما، جاء أحد طلبة تالتة أدبي ـ الممعنين في الشغب ـ مجيء ثائر.
في السنتين الأوليين من الثانوي كان قد ظهر نوع من الحقائب عجيب بعض الشيء. هو في الحقيقة صندوق من الورق المقوى. مستطيل. يتسع لكتب وكراسات. ظهر وعليه شتى أنواع الرسوم. منها الرومنتيكي الكيتشي المثير للغثيان، والذكوري الفج، والجميل، الجميل فعلا، بسيط الخطوط، قليل الألوان، القريب من التجريد. كان حمل هذه الحقيبة حلا لمأزقنا، ورطتنا الوجودية، بعدما طالت قاماتنا، ونبتت شواربنا، وبقيت على ظهورنا حقائب التلاميذ الجلدية. ومثل غيري، لجأت إلى الحقيبة العلبة.
إلى أن جاء يوم ودخل علينا "شريف" الفصل دخول الثوار. فقط بحمله كتبه في حقيبة بلاستيكية. كيس كالذي تشترى فيه الثياب، أو الكتب. لا أدري ما الثوري في ذلك، لكنه بدا يومها كذلك. شريف يحمل كتبه في كيس بلاستيكي، كأنه يحمل غيارات. كأنه يحمل سندوتشات. بدا أن في استعمال كيس كهذا للكتب المدرسية إهانة أردت أنا أيضا توجيهها للعالم. ولم أكن وحدي. في اليوم التالي كان كثيرون يحملون كتبهم في أكياس كتلك. والغريب، أن الأكياس أثارت استهجان المعلمين، لكنهم لم يضعوا أيديهم على مخالفة واضحة، فلم يملكوا أكثر من إبداء استهجانهم.
كان في الأمر أيضا جزء عملي. في بداية كل حصة، تتحرك أيدي ثلاثين شخصا في وقت واحد، في ثلاثين كيسا، لإخراج الكتب. تخيلوا ضجة تلك الأكياس، وتخيلوا إمعاننا في الخشخشة بالأكياس. وعجز أي مدرس عن الاعتراض.
وجاءت حصة الفلسفة. وبدأ عرض الأكياس الصوتي. وانتهى. إلا من كيس واحد ظل يخشخش. ويخشخش. ويخشخش. والمدرس واقف في صبر. وبدأنا نبتسم، ونستشعر أن معركة في الأفق. واقترب المدرس حتى وقف بجوار شريف. وشريف مستمر في الخشخشخة، متصنع أنه لم يلاحظ اقتراب المدرس. ثم بيج بانج.
أهي يد مدرس الفلسفة على قفا شريف، أم جبهة شريف على التختة، أم اندفاعة الكرسي إلى الخلف بمن عليه، أم اندفاع شريف حتى ارتطامه بالسبورة، أم ارتطام كيس كتبه المقذوف في وجهه. كل شيء حدث بسرعة، فإذا هو صوت هائل كثيف حاد، تلاه الإعلان عن نظرية فلسفية شديدة الإيجاز: الراجل فيكو ييجي بكرة بكيس بلاستيك.
تبيَّن أننا، على سخافتنا الشديدة، وتفاهتنا البالغة، نكن بدون أن ندري احتراما عميقا للفلسفة.
***
في إعدادي، فقد أبي أحذية كثيرة، وحقيبة عزيزة.
كانت قدمي تنمو بمعدل جزمة في الشهر. ولحظة أصبح قياس قدمي 42، انفتحت لي جنة أحذية أبي القائمة أسفل الدولاب في غرفة النوم الرئيسية. كنت أنتقي كل يوم حذاء، وفي بحر يوم واحد أو يومين أرجع به مقطوعا عند موضع الإصبع الأكبر. كانت قدمي تنمو بسرعة شديدة، وتجاوزت قياس أبي بسرعة، لكن ليس قبل أن أفقده بعض أحذيته التاريخية.
أما حقيبته فلها شأن آخر.
في حياة أبي رحلتان، إحداهما إلى مكة لا تعنينا، والأخرى في طفولتي المبكرة إلى فرنسا. بعثة تعليمية ترفيهية لمعلمي اللغة الفرنسية. رجع أبي بأغراض من تلك الرحلة ظللت وإخوتي نتلف فيها لسنوات بعد ذلك. إلى أن جاء يوم استنقذ فيه أبي من بين مخالبنا فضلات ما بقي له من ذكريات رحلته، وأغلق على ذلك كله دولابا معدنيا.
لم يمض وقت يذكر حتى تعلمت كيف أفتح الدولاب بالسكين. وفي هدوء شديد، أفتح، أحصل على قلم حبر باركر، وأغلق الدولاب بالسكين، في سرية تامة. لم يكن أبي يستعمل أقلامه تلك. بل إن بعضها كان لم يزل في علبه الأولى. هناك أيضا دفاتر شديدة الأناقة لم يكتب فيها أكثر من صفحات في يمينها أو يسارها. هذه بوضوح دفاتر وأقلام لشاعر. وهو ليس شاعرا. كان في تلك الأسرة شاعر واحد، وبالمصادفة، كان يستطيع أن يفتح الدولاب بالسكين.
طبعا اكتشف أبي بعد فترة أنه يغلق دولابه على خواء، فلم يعد يهتم بإغلاقه. وقبل أن ينهب الدولاب، طلبت بوضوح ما لم يكن من الممكن أن أسرقه بدون أن يلاحظ غيابه: حقيبة جلدية سوداء بديعة. قال: فيها أوراق مهمة. كنت بالطبع قد قرأت تلك الأوراق المهمة بالواحدة من قبل. وعرفت عن تاريخ أسرتنا، وبعض المشكلات الاجتماعية المعاصرة ما لم يكن ينبغي أن أعرفه. أحضرت له على الفور علبة حذاء جديد، ووقفنا معا ننقل الأوراق ورقة بعد ورقة، ليكتشف ضاحكا أنني على اطلاع تام بكل ما فيها. قال في تسليم "هي عموما مش أسرار".
لا أظن أحدا آخر في القليوبية كان يذهب إلى المدرسة الإعدادية بحقيبة فرنسية.
***
أوضح حقيبة في ابتدائي كانت حقيبة توم هانكس.
في الثانوي سيلاحظ أحد زملائنا الشبه المذهل بين ح. أ. وتوم هانكس، في دوره كـ فوريست جامب. بل إنه سيلاحظ تفوق ح. أ. على جامب، لدرجة أن يؤلهه. اختار له اسم إله ذا جرس إغريقي: يويوس. يويوس إله الغباء.
كان لدى يويوس في ابتدائي أجمل الحقائب على الإطلاق. حقيبة ظلت صامدة على ظهره أربع سنوات متتالية. كانت تتميز عن كل حقائب الدنيا، بدون استثناء حقيبتي، بميزة واحدة.
الحقائب في تلك الفترة كانت مستطيلة. وكانت لها أشرطة لتعليقها على الظهر. الشريطان في حقيبتي وكل حقائب الدنيا كانا ينزلان من نقطة واحد في منتصف أعلى الحقيبة، ويسير كل منهما نحو أحد طرفيها السفليين. أما الشريطان في حقيبة يويوس فكانا مستقلين، كل منهما ينزل من نقطة عند أحد أطراف الحقيبة إلى الطرف السفلي تحته مباشرة. والآن ما الفارق؟
الفارق أن جميع حقائب الدنيا كانت تبدو مائلة على ظهورنا، إلى هذه الجهة أو تلك. بينما حقيبة يويوس كانت تبدو منضبطة تماما، معتدلة أتم الاعتدال، وهي معلقة على ظهره: لوحة بديعة على حائط.
لم أذهب مرة لأشتري حقيبة مدرسية إلا وبحثت في شريطيها. ولم أجد مرة حقيبة بهذه الميزة. وسألت يويوس من أين اشتراها؟ فقال لا أعرف.
لم يكن يعرف مصدر أي شيء معه، وكل شيء معه كان مختلفا. الآلة الحاسبة في إعدادي مختلفة، المشط الشبيه بالمطواة (وهذا في حد ذاته مبهر) كان معه منذ ابتدائي في حين لم يصلنا نحن إلا في الثانوي مثلا، وكان يستعمله أسوأ استعمال، إذ يصفِّف به شعره المزيت دائما، وعلى الجنب لمزيد من العار. كراسات الريان وصلته قبلنا جميعا، بورقها الناعم الأبيض الجميل. أقلامه الرصاص. ممحاواته. حتى نوعية طعامه. لماذا؟ لماذا لا يدار العالم بعدل؟
وكان يويوس زميل مقعدي طوال سنوات الابتدائي. وكنت أمرَّ وإياه ببيته قبل أن أصل إلى بيتي. ومرة كانت أمام بيته عربة نصف نقل عليها شعار مصر للطيران. رآها فنظر في ساعة رقمية بلاستيكية رخيصة ستصل إلينا بعد سنتين على الأقل، لكنها وصلت إليه هو ضمن بشائر ومقدمات الغزو الصيني. رأى العربة فقال: بابا جه.
وفهمت من أين كل تلك الأعاجيب. ورضيت بحقيبتي رضا من أدرك عن الكون إحدى حقائقه الأساسية.
***
هناك حقيبة أولى، ولا رجوع إليها.
***

هناك حقيبة أخيرة، ولا مهرب منها.

نشر هذا النص في موقع ضفة ثالثة ـ أواخر يوليو مطلع أغسطس 2017

Monday, June 05, 2017

شجرة المكرونة

شجرة المكرونة

بينما تقرأ فتاة نتكتم على اسمها مئة عام من العزلة، كانت أغصان شجرة خارج شباكها تمتد باتجاه جسمها. ولو أن رواية أخرى تقول العكس: لم تكن قرب شباكها شجرة قط قبل أن تبدأ القراءة. غير أن الروايتين سريعا ما تتفقان: كانت فتاة عادية، تستعد للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ويحبها ابن خال لها مقيم في المنامة ويكبرها بست سنين. يقال إنها كانت قد بدأت تكتب قصصا قصيرة جدا وإن مدرس الجغرافيا في مدرستها اصطحبها مرة أو اثنتين على سبيل التشجيع إلى نادي الأدب القريب. ينكر هذا المدرس الآن جملة وتفصيلا أن يكون قال لها "دعك من موراكامي، وعليك  بالبداية الصحيحة". يقول "أنا مدرس جغرافيا فقط، حتى أنه ليست في بيتي اصلا نسخة من مئة عام من العزلة".

المهم، ومهما يكن اتجاه الأغصان، أن لدينا الآن في قرية عادية، اسمها موجود في دفاتر الحكومة خلافا لماكوندو، شجرةً متصلة بفتاة، شجرة تلقى حول جذعها المكرونة بالشطة، وفتاة تعيش على النور والماء، وشباكا لا يغلق، ومعلم جغرافيا يصعد كل ليلة إلى سطح بيته فيحرق نسخة من مئة عام من العزلة، وبمجرد أن ينزل إلى شقته يجدها على الرف، بلا ذرة غبار عليها، بينما مجلدات قصة الحضارة عن يمينها، وشخصية مصر عن يسارها، غارقة في تراب أسود. وما الذي يمكن أن نقوله عن المنامة؟ الكلام الآمن أنها عاصمة مملكة البحرين، وأنها ـ بحسب ويكيبديا ـ تقع على ساحلها الشمالي، وتتجاوز مساحتها سبعة وعشرين كيلو مترا بقليل. ولا داعي لأي كلام عن طبيب أمراض جلدية مقيم فيها بحسب ما يشهد به مرضى وأصدقاء ومستندات حكومية، ومع ذلك، ومع ذلك كله ...

Friday, June 02, 2017

رسالة في زجاجة

حدث مرة، وأنا في الكلية، أن دعاني صديقان في نهاية يوم دراسي إلى الذهاب معهما إلى زميل لنا لداع ما، ربما أنه تغيب أياما عن الحضور، أو أن أحدهما كان يريد منه كتبا أو ورقا أو شيئا مما يريده الطلبة من بعضهم بعضا. قالوا إنه يقيم في قرية تابعة لمركز في محافظة الشرقية هو الأقرب من الإسماعيلة، أهو أبو كبير؟، وإننا سنركب القطار من بنها، ثم عربة إلى القرية، وفجأة كنا هناك.
سألنا عن البيت ووجدنا من دلنا. فتح لنا أحمد. أو أبوه: رجل كبير السن، لم ينجب غير أحمد وأخ له أصغر منه. واضح أنه موظف، وأنه أنجب كبيرا، ضعيف النظر، فهي وراثة إذن في الأسرة، يرتدي نظارة ندر أن صادفت أسمك من عدساتها. كان اليوم يصادف أحد المواسم. أكلنا في بيتهم رقاقا في مرق ولحما، وشربنا شايا جميلا، ومضينا عائدين.
ركبنا قطارا معتما مليئا بالمجندين العائدين من وحداتهم.
كان البيت على أطراف القرية، في خلاء لا بد أن يكون ازدحم، يرتقى إليه بدرجات قليلة، غارقا في نور العصر، مضاء من الداخل بلمبات نيون قوية.
ربما الضوء، ربما بياض بشرة الأسرة كلها، ربما أننا عوملنا للمرة الأولى ـ أو أنا على ألأقل ـ معاملة رجال يزورون صديقهم الرجل. ربما نظافة البيت والراحة التي بعثها في نفسي. ربما الرحلة. ربما الحنان الطاغي لدى أبوين في عمر جدين. ربما رقة أحمد ودماثته الطاغية. المهم، أن زيارة هذا البيت تلح عليَّ على مدار كل تلك السنين. رغبة حارقة عنيفة كأنها غصة دائمة، كأنها نقص في الكافيين، كأنها دين كلما عاودتني ذكراه طار من عيني النوم.
رأيت أحمد مرة واحدة بعد سنين من تخرجنا. كنت جالسا في ميني باص يتحرك من أمام جامع الفتح إلى عملي، ورأيته في الميدان، وناديته، وانتبه لي وعرفني. كان بيننا زجاج لا يتزحزح. أشار إلى أذنه فقلت ربما لم يضع منه رقم تليفوني المنزلي مثلما ضاع مني رقمه. ولم يتصل.
نسيت من كانا معي في تلك الرحلة. نسيت في أي سنة دراسية كنا.  ولا بد أن يكون أحمد فقد أباه مثلما فقدت أبي. 
ليست لدي صورة تجمعني بأحمد، أو تسجل ذلك اليوم. ولا أستطيع أن أقاوم حنيني كلما داهمني.
وأكتب 
عسى أن أقهر هذا الحنين. 

أو أن يقرأ.

Sunday, May 28, 2017

أفضل ما يكتبه المصريون منذ التسعينيات هو الشعر

أفضل ما يكتبه المصريون منذ التسعينيات هو الشعر

حوار محمود خير الله


ـ أحببت الذات "المناكفة" التي تكتب بها الشعر، من دون أن تتخلى عن عنفوان خيالها.. بينما سقطت قصائد نثر كثيرة في عاديتها.. كيف فعلت ذلك.. أقصد على ماذا كان رهانك؟
ـ نحن لا نختار ذواتنا، أتكلم عن الناس بصفة عامة وليس الشعراء استثناء، كل واحد فينا مبتلى بنفسه. حتى من يحاول تغيير نفسه أو تربيتها، هو يفعل ذلك في حدود قدرات هذه الذات نفسها. أنا متقبل تماما للذات الوحيدة التي أتيحت لي، وسعيد بها، بكل ما فيها من تعقيد أو تناقض.
المناكفة ابتداء كلمة جميلة، وأنا سعيد فعلا بأن نستعملها. لعلك تقصد الاعتراض. أو ربما أن تكون النظرة الأولى إلى أي شيء هي مبدئيا نظرة ارتياب. أعتقد أن من الممكن فعلا أن تقرأ قصائد من هذا الديوان، أو ربما كل قصائده، باعتبارها اعتراضا على شيء ما، على قانون كوني مثلا، على وضاعة إنسانية معينة، على نقيصة شخصية وضع الشعر مشكورا يدي عليها وفضحها أمام عيني.
رهاني في هذا الكتاب، أو المسعى الذي كان نصب عيني طوال سنوات كتابتي لقصائده، هي أن أعرف كل مرة شيئا عن نفسي. الرغبة في إقناع أي قارئ بأنني "الشاعر" أو "اللاعب" أو "الماهر" تقلصت إلى أقصى درجة في هذه القصائد، إلى مجرد الدرجة التي تبقيني داخل الفن، ومع ذلك أعتقد أن في الكتاب قصائد لم تنجح في امتحان الفن، ليس بالطريقة التي ترضيني كقارئ. لكن عزائي أن أغلب قصائد الكتاب نجحت في الامتحان الذي كنت أكثر انشغالا به.
ـ من وجهة نظرك لماذا يكتب الشعراء في سن الأربعين كل هذا الموت، أنت تبدأ الديوان بقولك "أعرف الشخص الذي بعد أن أموت لن يكون لديه ما يكنسه"، وتتعدد مشاهد الموت في أغلب القصائد وتقول مرة: "أريد أن أموت قبل أن أكبر/أعني أكثر من هذا"..؟
ـ سأتكلم عن نفسي طبعا. أعتقد أن لحظة ما تأتي على الإنسان قرب الأربعين فيتوقف عن عادة شبابية حتمية، هي التعامل مع الحياة باعتبارها عصفورا مضمونا سوف يبقى دائما في اليد. في الأربعين يفتح الرجل يده فلا يرى فيها العصفور، لا يرى أنه كان فيها قط، لا أثر منه على الإطلاق. وما بقي من الحياة مهما يكن قدره، هو بالأحرى العصفور الأخير من عصافير كانت تبدو كثيرة على الشجرة.
في القرآن، وهو كتاب لا أتوقف عن مطالعته، حتى حين لا أطالعه، آية عن الموت الذي سوف يدركنا ولو كنا في بروج مشيدة. حين أفكر في هذه الآية، حين أسأل بطفولية: كيف؟ أجد الإجابة الطفولية: الشيء الوحيد القادر على الدخول معك إلى أمنع حصونك هو شيء موجود أصلا بداخلك. هذا ما أكتشفه قرب الأربعين: الموت جزء مني، كيان صغير، ولد معي، ويكبر معي يوما بيوم، وستأتي لحظة يلزمه فيها أن يستريح من عناء النمو والتدهور، وستكون هذه بالمصادفة هي اللحظة التي سوف ينال التعب مني أنا الآخر، فنرقد، أنا وهو، في سلام في ما أرجو.

ـ على الرغم من أن الديوان يخلو من العناوين والأسماء إلا أن اسم أحمد شافعي يلعب دوراً محورياً في بعض القصائد.. هل يعكس ذلك انشغالاً بالذات عن العالم والآخرين؟
ـ مرة أخرى، نحن مبتلون بأنفسنا. وأتذكر والت ويتمن وأحذو حذوه: أحتفل بنفسي، وأغنيها. لا أعتقد أن الانشغال المجدي بالذات يحجب الانشغال بالعالم وبالآخرين. فالحقيقة أنني أعرف عن نفسي بتأملها، وأعرف عنها أيضا بتأمل صورتها لديك، وأعرف عنها بعضا من أهم وأثمن ما أعرفه عنها حين أضع نفسي مكانك. ظهور مرض جديد في قرية نائية بكندا رسالة موجهة إليَّ أنا باسمي، لكنها وصلت إلى عنواني في كندا. احتمال قيام حرب بين أمريكا وكوريا الشمالية تهديد شخصي لأمني. وجود إسرائيل في فلسطين ورم في جسدي نفسه. لا أظن شاعرا يستطيع الانصراف عن العالم، لكن كل واحد يهتم بطريقته. لا أظن قصيدة يمكن أن تلهينا عن العالم إلا بقدر ما نريد ونحن نقرؤها أن نتلهى عن العالم.

ـ أريد أن أعرف رأيك في جيلك من الشعراء، أقصد أبناء الموجة اللاحقة على شعراء التسعينيات.. هل هناك ملامح لهذا الجيل في رأيك؟
ـ أحب من شعراء ما بعد التسعينيات محمد خير ومنتصر عبد الموجود ومحمد أبو زيد وأدهم الصفتي. ولا أرى أن شيئا يجمعهم إلا أنهم يكتبون قصائد جميلة. وأحب شعراء وشاعرات أصغر من هؤلاء سنا. ولكن للأسف، ربما لا أكون الشخص المناسب لرصد الملامح المشتركة التي تصنع أو لا تصنع "جيلا" أو "اتجاها" في الكتابة. فقط ألاحظ أن أفضل ما يكتبه المصريون منذ التسعينيات وحتى هذه اللحظة ليس الرواية كما يتوهم البعض، بل هو على وجه التحديد شعر النثر.

ـ كتبت الرواية والشعر، ماذا عن عملك الروائي الجديد؟
ـ أعتقد أنني بصدد كتابة قصيدة نثر طويلة. سوف يبدو في النهاية أنها رواية. نوفيلا مثلا. لكن ما أكتبه حقا هو قصيدة نثر. ولا أعرف إن كنت سأحافظ على اهتمامي إلى أن أنتهي منها، فالذي يحدث دائما أنني أظل أكتب ربما آلاف الكلمات في نشوة حقيقية، ثم تأتي اللحظة التي يتحتم أن يبدأ فيه عمل الروائي الحقيقي: العتالة، فأفضِّل أحيانا عمل الشاعر على عمل العتال.
ـ معنى انك أصدرت ديوانين اثنين فقط خلال تسعة أعوام فهذا يعني أنك تلقي قصائد كثيرة في البحر؟
ـ نعم، أفعل الشعر وأرميه في النت J. كتبت بين ديواني "وقصائد أخرى" و"77" قصائد قد تصنع كتابا أو اثنين، ونشرت كثيرا منها، في مدونتي، وفي مواقع إلكترونية، وفي مجلات وجرائد أيضا. ولكنها لم تحرضني على جمعها في كتاب.

ـ أريد أن أعرف رأيك فيما يسمى بـ "مؤتمرات" الشعر في وزارة الثقافة مثل مؤتمرات المجلس الأعلى للثقافة وكيف ترى جوائز الدولة التشجيعية للشعر؟
ـ الحقيقة أن تجمع أي عدد من الشعراء بعيدا عن مقهى أو حانة أمر لا ضرورة له.
أما جائزة الدولة ففي الحقيقة لا أعرف عنها الكثير. أعرف فقط أن لدى الدولة جائزة للشعر، وجائزة لشعر العامية، وهذا يعني أن الدولة لا تفهم جيدا، أو لا تفهم مطلقا، وأنا أرى أن الدولة لا بد أن تقرأ أكثر لأن القراءة مفيدة عموما.

ـ أنت مترجم نابه ونشيط، كيف ترى حالة السلاسل الأدبية المصرية الصادرة عن وزارة الثقافة وهل تحقق إشباعاً للقاريء المصري المتعطش لقراءة الأدب الأجنبي؟
ـ أغلب الترجمات رديئة في الحقيقة. لكن ليس في وزارة الثقافة المصرية وحدها. دور النشر المصرية الخاصة تنافس بقوة، ودور النشر الكبرى في العالم العربي لها ثقلها أيضا. هناك زخم مبهر في الترجمات الرديئة يجعل الواحد مطمئنا على أننا لن نعاني قريبا من أي نقص في هذا الجانب.

ـ لديك تجارب نشر مع وزارة الثقافة من ناحية ومع دور نشر خاصة من ناحية أخرى.. ما أبرز العيوب والمزايا في الناحيتين؟
ـ الناشر تعريفا هو ذلك الشخص الذي يعيش من الكتب، مع أنه لا يكتبها، ولا يطبعها، ولا يقرؤها (في أغلب الحالات). هو الوسيط بين الكاتب والمطبعجي والقارئ. أحلم باليوم الذي نتخلى فيه عن الناشرين، فنضع كتبنا على الإنترنت، ويشتريها الناس منا مباشرة بقروش قليلة، فنعيش نحن الكتاب، ويستمتع القراء، وبالنسبة لحفنة الأشخاص الذين يعملون بالنشر، فيمكن توجيههم إلى مراكز تدريب، ومن يدري، ربما يتحول بعضهم من مصاصي دماء، إلى حالبي أبقار نافعين.

ـ أعلنت إعجابي بكتاب "بيت حافل بالمجانين" حوارات باريس ريفيو مع عدد من الروائيين العالميين الكبار، ماذا عن حوارات المجلة نفسها مع الشعراء هل تقوم بترجمتها قريباً وهل تضم بعض الشعراء العرب؟
ـ طبعا يشغلني هذا الحلم، وربما في القريب أصدر كتيبا مع إحدى المجلات العربية اتفقنا أن يحتوي ثلاثة فقط من هذه الحوارات. أرجو أن أبدأ العمل فيه في مطلع العام القادم.

ـ أريد أن أعرف خلاصة تجربتك مديرا لتحرير مجلة عالم الكتاب التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب؟
ـ كان العمل مع محمد شعير وأمير زكي وأحمد اللباد متعة خالصة. ثبت أن بإمكان أربعة أشخاص لا يلتقون لـ"العمل" إلا في المقهى أن ينتجوا شيئا جميلا. وثبت أيضا أن العمل مع وزارة الثقافة المصرية غلطة عمر أي فرد من الهومو سابينز. مجلات وزارة الثقافة لا تمتلك مقومات ذاتية للبقاء، ناهيك عن النجاح، فهي كائنات طفيلية بحاجة دائما إلى أن تعيش على امتصاص دماء كتاب جدد.


نشر جزء من الحوار في عدد الأسبوع الحالي من مجلة الإذاعة والتليفزيون

Sunday, May 07, 2017

أهمية أن لا تلتئم

أهمية أن لا تلتئم


لعل أجمل ما في كتاب "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" الصادر حديثا للشاعرة إيمان مرسال هو ما لم يقله عن الأمومة (والأبوة في نظري على الأقل، أو في تجربتي على الأقل): أنها حوار. أخذ ورد. تعلم بالتجربة والخطأ. ذلك ما لم يقله الكتاب نصا، لكنه كانه من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة. حوار متصل مع قصائد من بولندا ومن سوريا ومن مصر، ومع الفوتغرافيا، ومع الذات بالطبع، ومع الأم ومع الابن، مع اليتم، ومع النمط.
الأمومة في شكلها البيولوجي البحت تفتح الجسد نفسه للآخر، تسخِّره له يستعمله استعمالا. الأمومة بهذا المعنى (ومهما يكن ضغط النمط هنا) لا تعني إلا الانفتاح على الآخر والانفتاح للآخر، لكن هذا الكتاب يبيِّن كيف أن الأمومة تعني أيضا استعمال الآخر لمصلحة فهم الذات.
حضور عشرات الأسماء والأفكار في الكتاب (الذي افترضت قبل قراءته وأحببت أن يكون تجربة امرأة/شاعرة مع الأمومة) لا يساوي بين الخاص (تجربة أمومة معينة) والعام (تجارب الأمومة الكثيرة المختلفة)، فيسقط التجربة الشخصية على تنويعة التجارب العامة الإنسانية، بل ربما يفعل العكس، أي أنه يتصالح مع العالم، ويعتبره طريقا إلى فهم الذات. أو هو ببساطة استغاثة من الذات بالعالم، فكأن إيمان مرسال وهي تحاول أن تفهم الأمومة، تعترف ببنوتها هي للعالم، وتطلب أن يعينها على فهم ذاتها.
كفرد يقرأ الكتاب، شعرت للوهلة الأولى أن تلك الجولة في عالم مترام من الأفكار قد لا تكون إلا مهربا من مواجهة التجربة الشخصية مواجهة مباشرة لعلها مخيفة، خاصة وأن التجربة الشخصية (أعني أمومة إيمان نفسها كما تظهر في فصل اليوميات مثلا) تنطوي على خصوصية تجعلها بالفعل تبدو ـ لي ـ مخيفة، لكن قليلا قليلا تبيَّن لي أن هذا الدوران كله كان يرمي إلى محاصرة التجربة الفردية لفهمها، أو هو ببساطة إظهار عملي لما تفعله الأمومة في الإنسان: توسِّع ذاته مثلما لا يفعل شيء آخر.
لعل الأمومة بانتهاكها جسد المرأة جرح فعلا، جرح فيزيقي لا يخلو قطعا من ألم ومن دم ومن حاجة إلى الشفاء. لكنه جرح قد لا يلتئم إلا بالاعتراف بوجوده، والتسامح مع دوامه، والإيمان بضرورته، جرح دواؤه التعايش معه، ومحبته، ربما شأن أي جرح.