Tuesday, May 12, 2009

قراءات في 10 مايو 2009

في صباح السابع من يوليو عام 2002 نشرت صحيفة أمريكية نعيا بدأ على النحو التالي: كينيث كوك، شاعر من مدرسة نيويورك، جمع شعره تهكم ممثل كوميدي، ونزق فنان سوريالي، وحكمة جندي في حرب مقدسة. رحل كينيث كوك أمس السادس من يوليو عن عمر يناهز السابعة والسبعين، بعد صراع طويل مع اللوكيميا. عاش كوك حياة أدبية امتدت نحو خمسين عاما، وأثمرت ثلاثين كتابا شعريا على الأقل، قدمت منها في العدد الماضي طرفا يسيرا من كتاباته، سواء النثرية كما في نص "أوليفتّي تتكلم"، أو الشعرية كما في عدد من النصوص. واستبقيت شذرة من شذرات النص الطويل "أوليفتي تتكلم":

يحكى أني كنت أعلم الدببة القطبية كتابة الشعر. كنت أرجع إلى البيت من حصة كل أسبوع (وكان الدرس أسبوعيا) لأرتمي على السرير. فقد كان العمل مرهقا إلى أقصى حد. ذلك أن الدببة كانت تتعمد مضايقتي، فرفضت لشهور أن تكتب كلمة واحدة. هذا إن كان الرفض مصطلحا يصلح استخدامه مع كائنات لم تكن لديها أدنى فكرة عما كنت أفعله، وما كنت أريدها أن تفعله. ومع ذلك، حدث في يوم من أوائل ابريل، أن بدأ الثلج يذوب، فامتلأت المدن بمناظر ساطعة على زجاج الشبابيك، وبدأت الدببة تظهر المزيد من الهدوء، وشعرت أني بدأت أنفذ إليها. وأقبلت عليَّ دبةٌ ذات يوم فوضعت حافرها الأيسر فوق رأسي. كان فمها مفتوحا، ولسانها الأحمر متدليا. فأدركت أنها ـ والدببة الأخرى ـ ظمآنةً، فدبرت لها العديد من براميل المياه. وراحت هي تشرب في لهفة، وبين الحين والآخر ترفع رءوسها لتنظر إلي في امتنان. ولكنها، أيضا، لم تكتب قصائد. لم تكتب كلمة، ومع ذلك، لا أظن أن هذا التعليم كان مضيعة للوقت، وأخطط لمواصلته في المستقبل لو وجدت في نفسي القوة اللازمة. فمن الصعب والمرهق أن تحاول شيئا أنت تعرف أنه مستحيل ـ لكن، ماذا لو بدأت الدببة يوما تكتب الشعر؟ أظن أننا سنعرض عما لدينا من ستيفان جورج وييتس ونولي لها كل انتباهنا. أية أعاجيب ستنكشف! أية أحلام للدببة!

تلك هذ شذرة كينيث كوك.
كان الفن في القديم، يصف حياة الآلهة، فإن اجترأ ونظر إلى حياة البشر فما كان يعنى بغير حياة الأبطال الأسطوريين أنصاف الآلهة. ثم حدث أن بدأ الفن يتناول حياة البشر بصورة تكاد تكون حصرية، ولكنهم الملوك والأمراء ومن اقترب منهم. ثم تخلص الفن من لزوم ما لا يلزم هذا، وبدأنا نرى البشر العاديين شخصيات رئيسية ـ ولا نقول أبطالا ـ في روايات وقصص وقصائد، كأن نرى الموظف الذي عطس عند تشيخوف، أو البائع الجوال جورج سامسا الذي تحول إلى صرصار عند كافكا، بل وفي نماذج أقدم من هذين بكثير. وبات واضحا أن في حياة كل إنسان رواية محتملة تنتظر من يكتبها.
تماما، كما أن في حياة كل دب كنزا من الأسرار، عالما كاملا من المشاعر والمخاوف والرغبات والأحلام لا يعرف الإنسان عنه أي شيء. ويتحرق شوقا إلى معرفته فيطمح أن يعلم الدببة كتابة الشعر. قد يتصور كثيرون أن في تعليم الدببة كتابة الشعر شيئا من التزيد، فربما من الكافي جدا أن نعلمها القراءة والكتابة، أو حتى الكلام وحسب، وحينئذ سوف تنهال علينا تفاصيل العالم كما تراه الدببة. ولكن هذا خطأ. فالبشر كلهم ـ إلا قليلا ـ يتكلمون، وكثير منهم يقرأون ويكتبون، ولكن قليلا للغاية منهم هم القادرون على التعبير عن أنفسهم. لا بد إذن من تعليم هؤلاء ـ الدببة طبعا وليس البشر ـ كتابة الشعر، لكي نعرفهم، لكي نعرف ما يشعرون به. لأن في صمتهم هذا وأدا لمعارف هم أنفسهم ربما لا يعرفون بوجودها

افتتاحية قراءات في 10 مايو 2009