Monday, February 29, 2016

هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن: اسمه أحمد ناجي

هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن: اسمه أحمد ناجي

من المؤكد أن هذه ليست اللحظة الملائمة للكتابة. لكن لو قُدِّر لي أن أنتهي من كتابة هذه السطور، ولو قدِّر لك أن تقرأها، فلن يكون معنى هذا إلا أحد اثنين: إما أنني غلبت خوفي وكتبت ما لا بد ـ في تقديري ـ من كتابته، أو غلبني الخوف وعلَّمني كيف أتمومس (بما أن "أتشرمط" قد تزج بي في السجن) فأكتب من موقع الخائف.
ليست هذه لحظة مناسبة للكتابة، لأنني منذ علمت بخبر الحكم على الروائي أحمد ناجي بالحبس لسنتين بدعوى خدش الحياء العام، وأنا لا أعرف حقا فيم ينبغي أن أفكر. في ناجي الذي حاولت فلم أحتمل أن أتخيل كيف هو في سجنه، أم في نفسي وفي فزعي وفي إحساسي بانعدام الحيلة وفي الأفكار التي لم تخطر لي أيٌّ منها إلا مصحوبة بما ينقضها ويعرِّي عورتها. هذه ليست لحظة مناسبة للكتابة لأنها لحظة اضطراب بالغ. لحظة خطرت لي فيها كل الأفكار الجبانة التي أثارت الاستياء وكل الأفكار الشجاعة التي نعتت بالحماقة. لحظة غضبت فيها من القانون ومن المجتمع ومن نفسي. لحظة لا أعرف فيها بصدق على من ينبغي أن أطلق الرصاص.
ليته كان اختفاء قسريا. أو رصاصة أطلقها أمين شرطة في الموضع الذي يشغله مواطن من الهواء. ليتها كانت قضية ملفقة بالتخابر لحساب المجلس الأعلى للعالم. ليته كان حبسا احتياطيا يطول بلا نهاية ولا مسوغ من قانون أو دستور. ليت المشكلة كانت مع انتهاك القانون. لكنها مع القانون. مع حكم صدر على أحمد ناجي باسم الشعب. باسمي أنا. أنا الذي لا أرضى بسجن ناجي، ولا أرضى أن يكون سجنه باسمي.
***
ولكن هل أنا فعلا من حُكم باسمه على ناجي؟ هل الشعب المصري متورط حقا في ارتكاب جريمة تقييد حرية إنسان لمجرد تأليفه قصة ونشره صفحات منها في جريدة؟ يفترض أن جهة تشريع القوانين في بلدنا هي البرلمان، الذي يمثل نوابه الشعب، ومن ثم فالقانون المصري قانون أقره الشعب. وهذا كما نعلم جميعا كلام فارغ. فنحن لم نختر نوابنا قط، إنما توارثت اختيارهم بالنيابة عنا قوى أخرى، ولا نوابنا هم الذين يقرون القوانين أو يشرعونها، إنما هم على مدار التاريخ بصمجية يساقون فينساقون. ولكن مع هذا، مع أن القانون الذي أدين به ناجي ليس قانون الشعب، فتغيير هذا القانون (وهو الحل الوحيد الذي أتصور أنه يمكن أن يجعلني آمن على نفسي أن أعيش وأبدع في هذا البلد) يستوجب إرادة من الشعب، ولا أعرف إن كانت هذه الإرادة متوفرة لدى الشعب الذي تآمرت عليه مؤسساته فحملته في لحظة اختيار زائف على بيع عشرة عصافير الحرية التي كانت جميعها بين يديه بوهم عصفور الأمان.
***
ماذا لو أن مؤلف "استخدام الحياة" ليس مجرد أحمد ناجي، بل الرائد أحمد ناجي، الضابط بالقوات المسلحة المصرية؟
كان الرائد ناجي ليمثل أمام قضاء مخصوص، قضاء عسكري مثله، يحاكمه فيه زملاؤه الذين يحملون على أكتفاهم نفس النسر الذي يحمله هو على كتفيه مضافا إليه نجوم وسيوف وغير ذلك من رموز الجيش البراقة. من وضع قانون هذا القضاء؟ الشعب؟ نواب الشعب؟ لا أعتقد. قانون الجيش وضعه الجيش، أو وضعه قانونيون محترفون وفقهاء متمرسون ثم أقره الجيش. ناجي في هذه الحالة كان ليحاكم بقانون ملاكي، ويسجن في سجن ملاكي أيضا. ما كان ليقيد وثاقه أو يقتاده إلى سجنه إلا ضابط في رتبته أو أعلى منه رتبة. كان ناجي ليأمن تماما، فهو في جميع المراحل بين أمثاله وزملائه وأشباهه. ثم إنه كان في النهاية، بفرض إدانته، ليسجن في سجن خاص، ربما لا يرقى إلى سجن حسني مبارك لكنه لا يختلف عنه في الجوهر.
طيب ماذا لو أن كاتب هذه الرواية هو المستشار أحمد ناجي رئيس هذه المحكمة أو تلك؟ هل كان ليزج به في السجن مع المجرمين الجنائيين؟ إطلاقا، كان ليحظى بسجن مخصوص هو حكر على المدانين من رجال القضاء فلا يختلطون إلا بأمثالهم.
ماذا لو كان من فلول نظام حسني مبارك؟ كانت لتحميه الحصانة البرلمانية.
ماذا لو كان رجل أعمال؟ كانت لتبدأ إجراءات تصالح، وهين قرشك ولا تهين نفسك.
وإذا كنت تعلمت من سنوات ما بعد الثورة المصرية شيئا، فهو أن هذا البلد، صاحب أقدم دولة في التاريخ، طالما كان قبليًّا في جوهره، لا أمان فيه لمن ليس فردا في قبيلة. ونحن الأدباء موزعون، لا تجمعنا قبيلة يخشى جانبها. ولا تتصوروا أنني أوشك أن أتكلم عن تقوية اتحاد الكتاب، أو إنشاء نقابة كنقابة الصحفيين (وناجي عضو فيها لم تنفعه عضويته) أو أي كيان من هذا المستوى. أنا أتكلم عن دولة.
أتخيل أن تكون لنا نحن الأدباء دولتنا الصغيرة داخل مصر. لا أتكلم عن حدود (ولكنها ستكون في وسط البلد) أو علم (ربما يكفينا لوجو يصممه محترف أغلفة) ولا أتكلم قطعا عن جيش (لأننا نعلم جميعا أنه سيتحول إلى دولة داخل الدولة داخل الدولة، وهذا كريه علاوة على أنه ركيك). أتكلم عن مجرد دولة بريئة مسالمة لها قانونها وقضاؤها وسجونها ونصيبها من المعونة الأمريكية ومستشفياتها وبنزيناتها ونواديها ومصايفها، وعندما ينشأ نزاع بين أحد مواطنيها ومواطني دولة أخرى (من دولة الجيش مثلا أو دولة القضاء أو دولة الشرطة) يذهب كل مواطن إلى قضاء دولته الملاكي فيرى في أمره ما يشاء.
أنا لا أفكر الآن في حل لمشكلة ناجي، لأن أمره الآن، وأمر إسلام البحيري أيضا إذا كنا نسينا، بين يدي سادة دولة لا يسمعون صوتنا، ولا يفكرون فينا. سيخرج ناجي من محبسه إن رأى السادة أن في خروجه تجميلا لصورتهم، أو أن في استمرار سجنه عبئا عليهم أمام أصدقائهم وأرباب نعمتهم في الغرب. إنما أفكر في نفسي، وفي أدباء آخرين لا قيمة لهم بغير هذه الدولة. علينا أن نعترف ببساطة أن مصر ليست المكان المناسب لحياة فرد مستقل، ومهما كان نفورنا من التكتل أصيلا، علينا أن نتجاهله، ونكبته، ونتحرك ككتلة.
ليس كلامي هذا هزلا. وليس بالقطع جدا. هو ببساطة شديدة مرارة من يرى كيف هي بلده، مرارة من ينظر إلى كل ذوي السلطات من حولنا فيرى مبلغ كراهيتهم لكل صاحب عقل مستقل وقدرة على الإبداع وتصور لما ينبغي أن يكون عليه وطنه، ويرى مبلغ احتقارهم لكل من لا يحمل سلاحا أو لا يملك ثروة أو لا يختال برتبة، ويرى مبلغ إصرارهم على قهر كل من يبرز بمجرد وجوده خواءهم وبلادتهم.
أعرف أن هذه ليست اللحظة المناسبة لهذه الكتابة، أو لأي كتابة. بل هي لحظة عمل لعل الخوف هو الذي يمنعني أن أراه، عمل ينبغي القيام به، لا لإخراج ناجي من سجنه فقط، بل لكي نزيل تماما هذا السجن الذي قد يكون ناجي داخله وأنا وأنتم خارجه، لكن مواقعنا جميعا باتت تتحدد قياسا إليه.