Friday, August 25, 2017

في محبة الترجمات الرديئة

في محبة الترجمات الرديئة
أتصور أن كلمات كثيرة في المعجم تريد أن تسألنا لماذا لم نعد نستعملها؟ لماذا مثلا نكتفي بالرديئة وصفا لبعض الترجمات وننسى "الجافة" و"السقيمة" و"الجاهلة" و"المتعجلة" و"الغافلة" وغيرها. غير أن هذه الكلمات تقتضي منا جهدا لإيضاح ما نعنيه به، فنقرأ بدقة، وننقد عن علم ومعرفة. أما القول بالرداءة فيسير.
لا شك أن الغواية إلى القول برداءة ترجمة أكبر من الغواية إلى القول بجودتها. فمع الرداءة أنت أعلى مما قرأت، وأنت حَكَم عليه، ومع الجودة أنت مدين له بالفضل. ولا أحد يفضل ـ في تقديري ـ أن يكون مدينا. والمترجمون، جميعا، يساعدوننا على أن نزداد تقديرا لنفسنا. فمنهم من يساعدنا لأن ترجمته معيبة فعلا، وواضحة العيوب، وبقيتهم يساعدوننا لأن كل ترجمة ـ بمرور الوقت ـ ترجمة رديئة. فمن منا اليوم يستطيع أن يقرأ ترجمة إسحق بن حنين لكتاب الطبيعة لأرسطوطاليس إلا متوسلا إليها بعبدالرحمن بدوي أو بغيره من الشراح؟ قليلون للغاية من الممعنين في التخصص. ومن منا لا يعلي إحدى ترجمتي سليمان العطار وصالح علماني لمائة عام من العزلة على الأخرى، أو إحدى ترجمتي محمد عناني وكمال أبو ديب لاستشراق إدوار سعيد على الأخرى (ما لم يرفض كلتيهما)، ومن منا لا يعتمد للكتاب المقدس ترجمة تبطل لديه كل ترجمة عداها؟
ولو أنني ارتضيت قابلية الترجمة للاستعمال معيارا لجودتها، فما من ترجمة رديئة، لأن كل ترجمة قابلة لاستعمال شخص، شخص على الأقل، وإن يكن المترجم نفسه. ربما لهذا يجب أن نلين قليلا في حكمنا على الترجمات التي نراها رديئة، لأنها بالفعل تقدم خدمة، ولو لقارئ في أول عهده بالقراءة، أو قارئ لا يقرأ بغير لغته الأم، فيلم هذا أو ذاك من القراء بطرف من كتاب مهما تكن الوسيلة إلى ذلك مشوهة
أما وقد قلت هذا فإنني أقول إن في الترجمات الرديئة متعة
فمن المترجمين ذلك المترجم الرديء البارع في لغته العربية، وهذا  يخدعك باسترسال لغته في سلاسة إلى أن يصطدم وجهك بجبل جليد من الخلل المنطقي، وتدخل المتاهة باحثا عن الأصل الذي أخطأ المترجم في نقله إلى أن تعثر عليه فكأنك فأر ظافر بقطعة جبن. وهناك المترجم الرديء المحظوظ الذي يخطئ فينتج جمالا يصرف أنظار قرائه عن الشك فيه ـ وكم يحدث هذا في الشعر، واكتشاف الخطأ هنا يستوجب دربة كبيرة من القارئ لكن متعة مصادفته لا تعدلها متعة. وهناك المترجم الرديء المتخصص وهذا ملعبه المقدمة يخفي بها عوار ترجمته، فهو ينفرد بك فيها موجها إليك سلسلة من اللكمات المتتابعة، ينتزع منك ثقتك في نفسك، فأنت لا تعرف شيئا، أي شيء، وفرصتك الوحيدة في أن تعرف هي أن تفتح فمك وأذنيك وعينيك وتستلم للصفحات التالية، وهذا المترجم عليك أن تقرأه بالمقلوب، فتبدأ بالنص، ثم تنتهي إلى المقدمة، فكلما قال إنك "لا تعرف شيئا" تقول "وبهذا نصير اثنين". وهناك المترجم الرديء الإغراقي وهذا لا تكفيه المقدمة ليلهيك عن سقم ترجمته، فيطلق عليك الحواشي، أعني الحواشي في كل صفحة وفي آخر كل فصل ثم في آخر الكتاب، ويتبعها بالملاحق، والفهارس، ولديه غير ذلك كله الأقواس المضلعة داخل النص نفسه. هذا المترجم لا يتركك لحظة واحدة، ولا يسمح لكاتب النص الأصلي أن ينفرد بك، بل إن من هذا النوع من قد يملي عليك طريقة القراءة: اقرأ المقدمة والحواشي والملاحق أولا، ثم اقرأ النص بالتزامن مع قراءة الإضافات، ثم اقرأ النص وحده بدون الاكسسوارات. مع هذا المترجم يمكنك أن تقول له "شكرا، هناك ترجمات أخرى" أو "شكرا، سأنتظر ترجمات أخرى". وهناك المترجم الرديء صديقك، وهذا صديقك، ومن ثم فهو مترجم جيد. وهناك المترجم الرديء السوقي، وهذا تعرفه ببساطة، لأنه لا يترجم غير الروايات، والرائج من الروايات، وهذه نادرا ما تكون قراءتها ضرورة. وهناك المترجم الرديء الجرادة وتقول الأسطورة إنه يترجم بكلتا يديه في وقت واحد، فكل يد تترجم نصا مختلفا، وهذا تعرفه بطريقة سهلة، حينما يحدث وأنت تقرأ له أن تقلب صفحة فتنخدش أصابعك ويسيل دمها، تعرف عندئذ أن هذه الصفحة مترجمة بيده اليسرى، تماما كما أن أظافر يدك اليمني ـ التي تقصها بيدك اليسرى ـ نادرا ما تكون منضبطة ناعمة آمنة. وهناك المترجم الرديء بحب، وهذا غالبا ليس مترجما، هو في الغالب شخص ناجح في مجال غير الترجمة، ولكنه يقرر أن يترجم. وهذا تعرفه حين تكتشف أنك لا تقرأ ترجمته بقدر ما تفكر في الجملة التي ستكتبها لمجاملته على صفحتك في فيسبوك، حينما تجد أنك لست سعيدا بما تقرأ، بل سعيد أنك بصحبة المترجم نفسه، وهذا ينقلنا إلى أهم أسباب وجود الترجمات الرديئة: القارئ.
لو أن القراء يدققون في جودة الكتاب الذي يشترونه مثلما يهتمون بجودة أي سلعة أخرى يشترونها، لما خرج في وجوههم كتاب رديء. لو أن القراء يهتمون بعقولهم اهتمامهم بأحذيتهم لما نالوا من المترجمين والمؤلفين ما ينالون.

كتبت هذه الكلمات مشاركة في تحقيق صحفي لم ينشر  قط