Monday, October 17, 2016

أنطولوجيا الشعر المصري الجديد.. أسئلة تجاب وأخرى تثار

أنطولوجيا الشعر المصري الجديد..
أسئلة تجاب وأخرى تثار



من عاش المشهد الأدبي في قاهرة التسعينيات، أو حتى شهد ـ مثلي ـ طرفا منه عن بعد، لبدا له أنه لم يكن صوت يعلو في القاهرة الأدبية على صوت قصيدة النثر. فقد كان لما عُرف بـ "قصيدة النثر التسعينية" ولشعرائها مثل ما للروايات اليوم وللروائيين من حضور طاغ على المشهد الأدبي كله، برغم أنه لم يكن ثمة جوائز أو إنترنت أو قوائم بيست سيلرز أو حفلات توقيع أو أي شيء مما نراه حاليا. وبرغم أن روائيي جيل الستينيات كانوا جميعا لا يزالون حاضرين، ومنهم من أصدر أهم أعماله في تلك الحقبة. لكن الغلبة كانت لقصيدة النثر، والاهتمام كان بها، والاختلاف إلى أقصى حدود الاختلاف كان عليها.
وبرغم أن شعراء من أجيال سابقة كانوا لا يزالون حاضرين، فكان محمد عفيفي مطر لا يزال حاضرا ويكتب وينشر ومن جيله فاروق شوشة ومحمد ابراهيم أبو سنة وآخرون، وشعراء السبعينيات الكبار جميعا كانوا حاضرين، وشعراء جيل الثمانينيات المضطهد بعض الشيء، كانت قصيدة النثر هي مصدر الضجة الكبرى في تلك الحقبة بلا منازع، وقصيدة النثر التي كان يكتبها من عرفوا في ذلك الحين ولا يزالون معروفين إلى الآن بـ شعراء التسعينيات.
لكن ليس هؤلاء الشعراء وحدهم هم الذين يصادفهم القارئ في أنطولوجيا "ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ" التي أعدها الشاعر ـ التسعيني ـ عماد فؤاد وصدرت أخيرا بالتعاون بين دار المكتب المصري للمطبوعات ودار الوردة في قرابة سبعمائة صفحة، ضامةً قصائد لأكثر من خمسين شاعرا مصريا ـ فضلا عن شهادات لهم ومقالات عنهم وحوارات معهم. شعراء هذه الأنطولوجيا ينشرون شعرهم منذ السبعينيات وحتى 2016، فهم موزعون ـ بحسب التقسيم الكريه الشائع ـ إلى أربعة أجيال، فهناك شعراء السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، وبضعة أسماء من جيل لم يسم بعد باسم حقبة ربما لصعوبة النسبة إلى العقد الأول من القرن الحالي.
عماد فؤاد
لعل من مزايا هذه الأنطولوجيا أنها تضم الشعراء معا، على اختلاف انتماءاتهم العمرية والجمالية، تحت لافتة يوجزها عنوان الأنطولوجيا الفرعي وهو "أنطولوجيا النص الشعري المصري الجديد"، وإن كنت شخصيا لا أطمئن كثيرا إلى هذه اللافتة وأجدها غير مريحة بعض الشيء.
***
من بين طرق ومناهج عديدة كان يمكن اتباعها لترتيب الشعراء المشاركين في الأنطولوجيا، اختار عماد فؤاد الترتيب الألفبائي بحسب الأسماء الثانية للشعراء، وما كان لمنهج آخر (وقد تمنيت، ثم سرعان ما عدلت عن أمنيتي، لو أنه رتَّب الشعراء بحسب تواريخ نشر قصائدهم الأولى، لا كتبهم) أن ينتج هذه الفوضى الجميلة. وبقوة هذا الفوضى فإن أول شاعر يصادفه قارئ الأنطولوجيا هو خالد أبوبكر الذي ما كان لمنهج غير هذا أن يمنحه هذه الصدارة. فخالد اختفى بعد إصداره ديوانه الأول سنة 1999 ولم يعاود الظهور إلا في عام صدور هذه الأنطولوجيا نفسه. ولكنه بقوة الترتيب الألفبائي يتصدر الأنطولوجيا وهو المولود سنة 1967، وبعده عصام أبو زيد صاحب الكتب الشعرية السبعة، فمحمد أبو زيد المولود سنة 1980، فعماد أبو صالح الذي لا ينازعه إلا قليلون في الجدارة بصدارة حركة قصيدة النثر المصرية كلها، إلى أن يكتمل للكتاب أكثر من خمسين شاعرا لا يتتابعون إلا بقوة اعتباطية تماما هي الأسماء التي يحملها آباؤهم أو أجدادهم.
لكن الفوضى الناجمة عن هذا مبهرة إلى أقصى حد. فضلا عن أنها  تتفادى عيبا كبيرا كان يمكن أن ينال من الأنطولوجيا لو اتبع منهج كالذي اقترحته، أو تمنيته لوهلة.
لو كان عماد فؤاد اتبع في ترتيب الشعراء المشاركين منهج أقدمية نشر القصائد في الدوريات والكتب على السواء، لكان ذلك كفيلا بجرِّ القراء إلى البحث عن ملامح تطور ما لقصيدة النثر المصرية. ولا أتصور أنه ينبغي البحث عن هذا التطور، لسبب بسيط للغاية: أنه غير موجود، أعني في هذا الكتاب، أعني أن عناصر هذا التطور ليست حاضرة كلها في الكتاب، لأسباب أرجو أن أنجح في تفصيلها في بقية هذه السطور.
***
بعد مدخل قصير كتبه عماد فؤاد، ومقدمة قصيرة بقلمه أيضا (كان قد كتبها لنسخة سابقة من الأنطولوجيا ضمَّت نحو ثلاثين شاعرا وصدرت في الجزائر قبل تسع سنوات)، تأتي مقالة طويلة للشاعر ـ السبعيني ـ رفعت سلام عنوانها "بحثا عن قصيدة النثر المصرية" وفيها فيض غزير من المعلومات المتعلقة بمصطلح "قصيدة النثر" وناقليه الأوائل إلينا، في رحلة تبدأ من بيروت في أواخر خمسينيات القرن الماضي وصولا إلى مقالة رفعت سلام هذه في أواخر 2016 مرورا بكثير من التخبطات والتحزبات على مدار السنين. لا يهمل سلام في فيضه المعلوماتي أسماء قديمة كبدر الديب، أو خافتة الحضور بل شبه مجهولة كعزت عامر وابراهيم شكر الله، وهو جهد محمود بالطبع، لكنه في تصوري لا يفضي ـ ولا يرمي ـ إلى إعادة قراءة لقصيدة النثر في ضوء ما قد يتوهمه البعض جذورا لها، فالجذور ليست جذورا لمجرد اختفائها في القاع، بل هي جذور بقدر ما يتغذى عليها من فروع وأغصان وثمار، وهو ما لا يبدو لي أنه حدث مع أي من هذه الأسماء أو غيرها كحسين عفيف مثلا.
لا يقول سلام إن هذه الجهود المبكرة (ما خفت منها كمحاولات الديب وشكر الله وعامر أو ما ذاع صيته فطبق في الآفاق كجهود أدونيس وأنسي الحاج ومجلة شعر كلها، أو ما بذله السبعينيون أنفسهم وما هم عنا ببعيد) هي التي أفرزت قصيدة النثر في التسعينيات أو أثرت فيها. فهو يقول عن قصيدة شعراء النثر التسعينيين إنها قصيدة "القطيعة مع كل الشعر العربي السابق، بل الأدب العربي السابق، على نحو يدعو للتساؤل، كأنها تبدأ الشعر من الصفر" ولا أحسب أنني وحدي من يتفق معه.
رفعت سلام
لن يفضي سرد رفعت سلام إذن إلى قراءة لـ "تطور" قصيدة النثر المصرية، لكن لعل الغرض الذي أراده رفعت سلام من مقدمته لا يعدو شيئا شديد البساطة والأهمية: وهو خلخلة التصور الشائع بأن قصيدة النثر المصرية هي حصريا الشعر الذي كتبه شعراء قاهرة التسعينيات. فقصيدة النثر حركة شعرية عربية بدأت منذ أواخر الخمسينيات في بيروت، ثم كانت لنسختها المصرية محطة مهمة في السبعينيات، قبل أن تحقق هذه النسخة انتصارها الكبير في تسعينيات القرن الماضي. وهي ليست قصيدة واحدة بأية حال، فلا يمكن اختزالها الآن على الأقل، وقد مضى كل هذا الزمن على ظهورها وانتصارها، في وصفة محددة خاصة وأن كثيرين للغاية خرجوا على أي وصفة لقصيدة النثر بل ومنهم من أمعن في الخروج إلى حد الارتداد عليها (وأعني هنا بالذات شعراء قصيدة النثر العامية المصرية في التسعينيات ممن لا أثر لهم في الأنطولوجيا أصلا).
***
الكتاب صورة مفعمة بالتفاصيل، التي تعارض بعضها بعضا، أو تعضد بعضها بعضا، بما يرسم في النهاية صورة متشظية، ومن ثم صادقة، للمشهد الشعري المصري المتشظي.
ففي مقالته، ينتصر رفعت سلام لجيله من الشعراء، على من سبقوهم ولم ينتبهوا إلى تناقضات سوزان برنار في كتابها الشهير عن قصيدة النثر واكتفوا بالتشبث فيها وفي كتابها تشبث الغريق بقشة. كما ينتصر سلام لجيله على من أعقبهم أيضا، فيكاد ينفي وجود شعراء الثمانينيات أصلا، ويرى في شعراء التسعينيات رأيا يحاول أن يكتمه فيستعصي عليه الكتمان. السبعينيون كما يظهرون في هذه المقدمة هم أصحاب المعادلة الأكثر اتزانا، فلا الذات الشعرية لديهم هي ذات النبي كمن قبلهم، ولا ذات العدمي كمن بعدهم، لم يشتبكوا مع الواقع على حساب الفن كمن قبلهم، ولم يعموا عنه تماما كمن بعدهم.
ولكن في الأنطولوجيا ما يناقض ذلك كله، ففارس خضر ينفي عن نفسه أن يكون "سوبر مان الشعر السبعيني" ذلك السوبر مان الذي اتضح لفارس أنه "تايواني، أونطه يعني". وفيها من يؤكد مثل ابراهيم داود أن "جيل الثمانينيات كان الأكثر حراكا" وأن النيل منه لا يتم إلا بدفع من شعراء السبعينيات، ومن يقول كفتحي عبدالله إن "الشعرية المصرية الجديدة ... بدأت مع بعض شعراء الثمانينيات وانتشرت في النص التسعيني". أما ذات التسعينيين العدمية فتكذبها شهادات بعضهم كعاطف عبدالعزيز مثلا، وحواراتهم كعماد أبو صالح مثلا، وقصائد الكثيرين منهم. وهكذا لا تدع هذه الأنطولوجيا بكل ما فيها مجالا لرأي أن ينفرد بالقارئ، فلا شك أن هذا من أمتع سمات هذا الكتاب وأكبر أسباب حيويته.
***
بصفة شخصية تماما، هي صفتي كقارئ لقصيدة النثر المصرية، ومساهم في مشهدها بقليل من الترجمة وقليل من الكتابة، أعترف أنني لا أعرف من أين جاءت هذه القصيدة، وأعترف أنني أحار حقا في أمرها. لقد كان المشهد الشعري العربي المعاصر منذ أواخر الأربعينيات في القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات لا ينبئ بهذه النقلة الجمالية الحادة. كان أغلب الشعر يعالج الأساطير حينا ويتوسل بالرمز حينا، ويخاطب القارئ طول الوقت من علياء لا بلوغ لها إلا لعليم بالفلسفة واللاهوت والتشكيل، وقد تلزمه بعد ذلك شفرة مضنون بها على غير أهلها. كان الشعر، أو أكثره على الأقل، شعر مثقفين لمثقفين. ثم تحوّل فجأة إلى شعر بشر لبشر. فجأة نفض الشعر عن نفسه كل زخرف الثقافة السافر ـ الطارد ربما ـ ليقابل القارئ عاريا متواضعا، وجميلا أيضا، لكنه الجمال البسيط السهل، جمال هنري ماتيس لا جمال سلفادور دالي. ولن أجادل كثيرا من يقول إنه الجمال الفقير لا البسيط.
عماد أبو صالح
لكن كيف حدثت هذه النقلة؟ يتجاور في هذه الأنطولوجيا شاعران، وما انتقيتهما إلا اعتباطا. هناك حلمي سالم الذي يقول " ليس لعينيك بدءٌ ولا ختامْ / تمام عينيك نقصٌ، ونقصهما تمام" وسامي سعد الذي يقول "ما أسخف أن تقول للأعور / أنت أعور / لا أحب الغلظة، وأقول يكفي / أن تنظر له / بنصف عين". ليس الأمر في تقديري اختلافا بين شاعرين في الذائقة أو رؤية العالم، إنما هذان شاعران من كوكبين مختلفين تقريبا، لكل منهما جماله ومفهومه عن الشعر ولغته وغايته. فكيف حدث هذا؟ كيف تأتى في بلد واحد أن يعد ما كتبه حلمي سالم شعرا ثم يعد ما كتبه سامي سعد شعرا؟ كيف ظهرت قصيدة نثر التسعينيات ومن أين جاءت؟
ربما الإجابة التي أخرج بها من هذه الأنطولوجيا، هي التي أردت أن أخرج بها منها، أو هي إجابتي التي دعمتها قراءتي للأنطولوجيا، بدون أن يعني ذلك أنها الإجابة الوحيدة أو القاطعة أو النهائية، حتى بالنسبة لي.
يشير رفعت سلام في مقالته إلى التطور الذي طرأ على ترجمة الشعر، فبعد أن كان يترجم موزونا مقفى (لدرجة أن بعض الشعراء المصريين القدامى كانوا يضمنون دواوينهم بعض ترجماتهم ومن أولئك مثلا مختار الوكيل) صار يترجم في شعر حر من التفعيلات والقوافي، ليبدو ـ على حد تعبير رفعت سلام ـ "قصيدة نثر من الطراز الرفيع" مثبتا قدرة اللغة حتى وإن تخففت من أي اشتراطات عروضية على إنتاج قصيدة.
عماد أبو صالح أيضا حينما سئل في حوار ـ مدرج في الأنطولوجيا ـ عن "جذر" قصيدته كان أول ما قاله على الإطلاق "أنا قارئ محترف ... للقصيدة المترجمة" وفي حوار شخصي كان قد دافع في مواجهتي عن الترجمات الرديئة قائلا إنه مدين أكبر الدين لهذه الترجمات الرديئة. وفي شهادة للشاعر عاطف عبدالعزيز في هذه الأنطولوجيا أيضا حكي هذه الحكاية:
"وذات مساء رطب في صيف عام 1993، قرأت قصيدة ’المرآة في القاعة’ للشاعر السكندري ’كفافيس’ وكان المترجم، على ما أذكر، هو ’بشير السباعي’ الذي كان قد نقلها إلى العربية عن ترجمة فرنسية للنص الأصلي الذي كان قد كتب باليونانية بطبيعة الحال ... وأدركت منذ هذه اللحظة كم أضعت من الوقت، وسألت نفسي كيف أمكن لهذا النص أن يخترق حاجزي اللغتين ... كيف تم هذا في غيبة الوزن وغيبة الأشكال التي ظلت تلعب دور الحدود الفارقة بين الشعر والنثر".
قلت إن هذه هي الإجابة التي كنت أريد الخروج بها من الأنطولوجيا، فلوقت طويل كنت أرى في تركيب الجملة الشعرية لدى شعراء التسعينيات ومن أعقبهم أثرا واضحا من لغة الترجمة، لا ترجمة الشعر بالذات، بل وترجمة الروايات، وترجمة الروايات في الشام على وجه التحديد. لا أقول إنني آمنت للحظة بأن الترجمة هي التأثير الوحيد على قصيدة النثر، أو هي سبب نشأتها، فلا فن ينشأ لسبب واحد، بل دائما ما تكون جملة من الشروط والظروف المعقدة هي الكامنة وراءه، ولكن الشعر العربي لدينا ظل دائما يتطور من بعضه بعضا، سامحا لمؤثرات من غير الثقافة العربية بالتوغل إليه، لكنه بقي ضاربا بجذوره في القالب العمودي القديم، يخرج عنه ويبقى في ظله، يخرج عنه حريصا على مواربة الباب. أما قصيدة النثر المصرية التسعينية فلا يبدو من الممكن حتى القول بأنها أغلقت الباب فأحكمت إغلاقه، إذ يبدو أقرب إلى الصواب أنها جاءت عبر باب آخر تماما، أحسب أنه باب لغة الترجمة.
***
لعل من مزايا هذه الأنطولوجيا بالنسبة لي كقارئ أنها حرضتني على التفكير، وألهمتني أفكارا مبدئية ربما ما كانت لتخطر لي. من ذلك أنه بدا لي وأنا أتنقل بين شعراء أربعة أجيال من شعراء مصر أن ثمة ما يشبه نمطا يتبعه الشعر المصري في مساره منذ حركة الإحياء في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وحتى اليوم. نمط الجيل الناصع يعقبه الجيل الباهت. فمن جيل حركة الإحياء الذي أفرز ثلاث قامات كالبارودي وشوقي وحافظ، إلى جيل الرومنتيكية الذي لم يبرز في موجتيه أحد بروز محمود حسن إسماعيل. ومن جيل الخمسينيات وفيه صلاح عبد الصبور وصلاح جاهين وعبد المعطي حجازي، إلى جيل الستينيات الخافت شعريا لولا أمل دنقل، ومن جيل السبعينيات الذي أفرز حلمي سالم وعبد المنعم رمضان ورفعت سلام وفريد أبوسعدة وغيرهم إلى جيل الثمانينيات الذي لا يزال شعراؤه حائرين بين البقاء في ظل السبعينيين أو الدخول في ظل التسعينيين، ومن جيل التسعينيات الذي يسهل أن يشار فيه إلى بضعة شعراء شديدي التميز، إلى جيل بعدهم لم يسم بعد وأرجو ـ بما أنني أنتمي إليه ـ أن تكون لديه فرصة لكسر هذا النمط.
ربما لا أهمية على الإطلاق لهذا "النمط" الذي أزعمه. وبالقطع ينطوي هذا النمط على نقاط ضعف ويتعامى عن بعض الأسماء المهمة لكي يقيم نفسه، ولكنني أدين بالتفكير فيه لهذه الأنطولوجيا التي تجعل قارئها ينظر إلى الشعر المصري كله باعتباره كلا واحدا على مستوى من المستويات وليس جزرا  منفصلة.
ومن الأفكار التي حرضتني عليها الأنطولوجيا كذلك فكرة أوشك رفعت سلام أن يقترحها في مقالته. فهو يبدي نفوره من التقسيم الجيلي الشائع في الأدب المصري، وربما العربي، بعامة، ويكاد يقترح بديلا له إذ يكتب قائلا إننا "إزاء نمطين شعريين يسودان قصيدة النثر المصرية، نمط ’شعراء السبعينيات’ ونمط ’شعراء التسعينيات’". صحيح أنه يستعمل التقسيم الشائع هنا، لكن في إضافته للأقواس إشارة إلى اضطراره إلى استعمالهما. يمضي سلام بعد ذلك فيشرح ماهية النمطين ويمايز بينهما. ولعل الحديث عن أنماط هو البداية الصحيحة لتقسيم مختلف لـ"اتجاهات" الشعر المصري، أو حتى "مدارسه" بالتعبير القديم، والعدول عن التقسيم الجيلي المقيت الذي يبدو في ظله الشعراء وكأنهم قبائل متصادمة.
النمط السبعيني حسبما يصفه سلام موجود لدى شعراء الثمانينيات بوفرة، وموجود في بدايات شعراء التسعينيات، ولعله باق إلى الآن لدي آحاد من شعراء ما بعد التسعينيين. ونمط شعراء التسعينيات حاضر أيضا قبل التسعينيين بطريقة أو بأخرى في بعض أعمال أمل دنقل مثلا، وفي بعض أعمال أحمد طه السابقة على ظهور التسعينيين وغيره من شعراء السبعينيات وهو مستمر بعد التسعينيين بالتأكيد. وقد لا أكون الأقدر على رصد هذين الاتجاهين في الشعر المصري، ولكنني أغامر فأقول إنني أستشعر كقارئ أن ثمة وشائج جمالية يمكن أن تجمع شوقي بمحمود حسن إسماعيل بصلاح عبد الصبور بعفيفي مطر بالسبعينيين، وإن ثمة وشائج جمالية يمكن أن تجمع حافظا بحجازي بأمل دنقل بالتسعينيين. الفريق الأول فريق الفخامة والثراء التصويري والجزالة اللغوية، برغم أن بداخله بالقطع كل ما شئت من الاختلافات. والفريق الثاني فريق البساطة والبعد عن الزخرفة وإعلاء المعنى والاحتفاء بالمفارقة. وربما يثبت لي أن هذا التقسيم كله غير صالح بالمرة، لكنه بعض مما تثيره مقالة رفعت سلام وأنطولوجيا الذئب بصفة عامة من رغبة في خلخلة ما استقررنا عليه طويلا برغم نفورنا جميعا من نقائصه.
***
لم تكن قصيدة النثر المصرية ـ مثلما تبدو في هذا الكتاب ـ فصيحة طول الوقت. فقد كان يسير بجانب شعراء الفصحى، وأمامهم، ووراءهم، شعراء ملأوا التسعينيات شعرا جميلا وضجة كبيرة، لكن الأنطولوجيا لا تورد لأي منهم قصيدة، ولا تذكر لأحد منهم اسما فتدعو قارئها إلى البحث عنهم في أماكن أخرى. شعراء مثل مسعود شومان ومجدي الجابري ومحمود الحلواني ويسري حسان ومدحت منير وصادق شرشر وعشرات غيرهم كتبوا قصيدة نثرية بالعامية المصرية، وساهموا في تشكيل جماليات شعر النثر بعامة، ونالوا نصيبا غير قليل من الهجوم الضاري الذي تعرَّض له شعراء التسعينيات من رافضي شعرهم بل رافضي وجودهم، لكن الأنطولوجيا لا تكشف عن شيء من ذلك. وكأن عماد فؤاد الذي أشار في مقدمته إلى أنه حرص أن ينأى بكتابه هذا ـ في إصداريه ـ عن المؤسسة الرسمية قد حذا حذوها وتمثل وعيها فقصر كتابه على الشعر الفصيح كأنما لا شعر غيره.
ذلك بالضبط ما تفعله المؤسسة الرسمية في مصر. فالدولة على سبيل المثال لديها جائزة تشجيعية عريقة للشعر، لم يحصل عليها قط شاعر يكتب بالعامية، وحينما انتبهت الدولة أو نبِّهت إلى هذا، استحدثت لشعر العامية جائزة مستقلة، كأن جائزة الشعر لا تنطبق عليه.
ومثلما أصدرت مجلة "إبداع" التابعة للدولة قبل بضع سنوات مختارات من قصيدة النثر المصرية استبعدت من شعراء هذا التيار أكثر ممن تضمنت، تأتي أنطولوجيا عماد فؤاد  بنصيبها من المستبعدين. صحيح أن أنطولوجيا الذئب أكثر رحابة واتساعا ومعرفة بالشعر، لكنها لا تنبئنا في أي موضع من مقدمتيها بـ "معيار" اختيار الشعراء أو استبعادهم، ولو كان عماد فؤاد قال إن هذا الكتاب هو مختاراته هو من الشعر المصري لما كان لأحد أن يأخذ عليه غياب أحد أو حضور أحد.
غير أن هذا المأخذ ـ وغيره ـ لا يقلل إطلاقا من أهمية هذا الكتاب وقدرته على الإمتاع وإثارة الإعجاب بقدر إثارته للتساؤلات، ولا يمنعني هذا المأخذ أو ذاك مطلقا من القول بأنني لا أعرف كتابا آخر يصلح صلاحية هذا الكتاب كمدخل لنصف القرن الأخير الثري من الشعر المصري.



نشرت هذه القراءة في ملحق شرفات بتاريخ 18 أكتوبر 2016