Sunday, January 19, 2014

حيث يخفي القرد أولاده والكاتب ذاته

حيث يخفي القرد أولاده والكاتب ذاته

ذات يوم، وقفت حمامة بجوار شاعر، فرأى أنها تنوح، وأن في عينيها دموعا، وأنه أولى منها بهذه الدموع لأنه: "أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ، ويسكت محزونٌ، ويندب سالِ؟". سؤال منطقي فعلا. والإجابة: لا، الأسير أولى بالدمع من الطليق، والحزين أولى بالندب من السالي. بل إنه أكثر من سؤال منطقي، إنه اعتراض وجيه. لماذا بالفعل تنوح الحمامة؟
نعرف طبعا أن الشاعر لم يكن يتكلم عن الحمامة، على الأقل لم يكن يتكلم عن الحمامة التي وقفت بجواره. إنما كان يتكلم عن نفسه. وهكذا الشعراء لا يتكلمون إلا عن أنفسهم، وإن تكلموا عن غير أنفسهم فهم يتكلمون عن أنفسهم. هكذا هم، أو هكذا يحلو للقراء ـ برغم أنوف النقاد وربما الشعراء ـ أن يروهم.
فالنقاد عندما ينفردون بقصيدة ليكتبوا عنها، لا يرون فيها الشاعر، اللهم إلا في صنعتها، أما معانيها وإيحاءاتها وفضائحها فينسبونها إلى ما يعرف بـ الذات الشاعرة، أو ذات القصيدة، أو الذات الناطقة بالقصيدة. لماذا؟ لأنهم يعرفون أنهم يتكلمون عن مجرد نص عابر في حياة الشاعر، ولأنهم يعلمون أن هذا النص عمل فني وليس اعترافا كنسيا أو قضائيا أو صفحة من يوميات تخص صاحبها الذي كتبها فعلا. وهذا ما يجعلنا جميعا نقول إن الذات الناطقة بقصيدة التماثيل الرخامية على الترعة، هي التي كان طبيعيا أن تنتحر بعد فشل مشروع ثورة يوليو. طبعا، إنها الذات الناطقة وليست صلاح جاهين بأية حال!
الحقيقة أن الشعر نفسه في كثير من نماذجه يبدو محرضا على رؤية الشاعر من وراء كتاباته وفيها، فكثير من القصائد يبدو معلقا في الفراغ، غير محتوٍ على ضحية تحمل العبء عن كاهل الشاعر، وتعالوا نتكلم عن جريمة في أي فيلم عربي. أليس من أركان الجريمة، التي لا تكتمل بغيرها جريمةٌ، ذلك الشخصُ الذي ليس له في الثور ولا في الطحين (وهذا هو التطور الطبيعي للشخص الذي لا ناقة له ولا جمل) لكنه يترك بصماته على سلاح الجريمة، فيشيل هو القضية؟ هذا بالضبط ما يفعله كتّاب القصة والرواية دون الشعراء.
انظروا إلى قول الخيام في قصيدة له: "فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعين ساحرة الاحورار". من قائل هذا البيت؟ عمر الخيام. لم يأت الخيام بشخص اسمه مثلا "سعيد مهران" ليحمِّله هذه الجريمة. هكذا ينشئ القراء في خيالهم صورة للخيام يرونه فيها ـ من واقع هذا البيت ـ شخصا يرفق حتى بالتراب. وهي صورة لن يتبرأ منها الخيام، عساها تزعزع صورته الأخرى التي يبدو فيها سكّيرا منحلا، أو أن تتجاورا فتأخذ كلٌّ من الأخرى وتضيف إليها.
أما كتّاب القصة فيدبّرون من يحمل عنهم الجريمة قبل أن يفكروا في الجريمة، أو هم لا يستطيعون التفكير في الجريمة إلا بالتوازي مع تفكيرهم فيمن يلبسها نيابة عنهم. وانظروا إلى "طارق إمام" وقد مدّ يده إلى الأرض يلتقط إحدى الأعين التي رآها الخيام في التراب. هل هو "طارق إمام" الذي مدّ يده؟ لا، هناك شخص، منسوب إليه هذا الفعل، بل هو الذي يرويه لنا. هناك "أنا" ربما لم يسمِّها الكاتب، ولكنه ضمن أنها لا تشير إليه.
وانظروا كيف يبدأ إمام قصته "عين": "ذات مرة، وجدت عيناً ملقاة في أحد الشوارع ...". كأنما هو الذي يتكلم، لكن لن تنتهي هذه القصة إلا ويقول لنا راويها ما يوحي لنا بأنه مسكين أعور فقد عينه ذات يوم، ولعل العين التي عثر عليها وفقأها في ثنايا القصة، هي نفسها عينه المفقودة، فهو إذن رجل فقدت له عين واحدة مرتين. والآن، بوسع طارق إمام أن يواجه أي قارئ يتهمه بأنه بطل هذه القصة بأن ينظر في وجهه بملء عينيه ويقول له: هذه القصة عن شخص فيها، لا عن شخص فيكم، وأنا فيكم، وأنا أؤلف.
وأكثر من ذلك. راوي هذه القصة لا يتكلم في ثناياها عن نفسه كلاما سافرا إلا لماما، وفيما عدا ذلك يتكلم عن العين، فهي التي ترى المدينة مهزومة لا هو، وهي التي تظلم الدنيا أمامها لا أمامه. وإذن، هذه القصة لا تكشف شيئا عن "طارق إمام"، ولا عن الشخص غير المسمَّى في القصة، بل هي عينٌ المدانة بالجريمة، وهي عينٌ فقئت، و"هي دي الجريمة الكاملة يا ريِّس" على رأي الأستاذ أحمد عز في "ملاكي اسكندرية".
في هذه القصة القصيرة، البالغ عدد كلماتها تسعا وتسعين تكتمل بعنوانها مائة، ثمة خيوط لا ينبغي لمحقق جنائي أن يتركها هكذا دون أن يعرف من أي المتاهات قد تنجيه.
نحن في هذه القصة إزاء راو يرى الأعين متناثرة على الأرصفة، برغم أنه يرى الكثيرين ممن لم يفقدوا أعينهم، فمن أين هذه العيون؟ ولماذا، عندما يجد شخص وسط ركام الأعين المصفّاة التالفة عينا حقيقية قادرة على الرؤية، يفكر أول ما يفكر فيمن يهديها له، لا في أن يحتفظ بها لنفسه؟ لماذا "يسترق" النظر إليها كمن يخاف أن يضبط متلبسا بجريمة النظر، جريمة الرؤية؟ لماذا يوحي أنه مشفق عليها حين يشير إلى أنها وحيدة بلا جارة ـ عين أخرى ـ تشاركها ما تراه، ودون وجه تكون معلقة إليه بدلا من أن تكون مقطوعة هكذا من شجرة؟
أي ذات هذه بالضبط: تلك التي لا ترى نفسها جديرة بالعين الوحيدة الحقيقية، ولا ترى حولها من يستحق هذه العين، وتخشى أن تضبطها عينٌ مسكينةٌ  متلبسةً بالرؤية؟ أي ذات هذه التي تفقأ العين الوحيدة القادرة على الرؤية بين جميع العيون المصفّاة على أرصفة القاهرة المهزومة؟
ثمة ما يغري فعلا بالنظر إلى هذه القصة بوصفها اشتغالا جديدا على النبي الذي لا كرامة له وطنه، على زرقاء اليمامة المبصرة البصيرة التي لا تصدقها القبيلة، على المثقف المأزوم الذي يعرف أين يخفي القرد صغاره ولكن لا أحد يريد هذه المعرفة فلا أحد بحاجة إلى مؤخرة حمراء إضافية. ثمة ما يغري بهذه القراءة وربما ثمة ما يبررها، لولا أن الراوي ينتبه في نهاية القصة إلى أنه فقد عينا ذات مرة. ينتبه كمن يأسف على فرصة ضيّعها بيديه في أن يرى من جديد بعينين. لعل هذه إشارة إلى أن هذا الرائي الأعور، يعرف أنه لا يرى الصورة كاملة، وأن ثمة الكثيرين منه ممن أعينهم مطروحة في الطرقات ـ حيث كانت المعاني من قبل على عهد الجاحظ ـ لكنها أعين مصفاة، مفقوءة، ربما لم تفقأها إلا أيدي أصحابها.



نشر المقال اليوم في موقع قل