Wednesday, April 22, 2009

قراءات 19 ابريل 2009

خبر طريف حملته الجارديان الأربعاء الماضي عن مجلة سلوفاكية تعرضت لإدانات بسبب نشرها قصائد لـ رادوفان كارادزيتش، زعيم صرب البوسنة السابق المتهم بارتكاب مذابح جماعية وجرائم حرب وجرائم أخرى ضد الإنسانية.
كانت المخابرات الصربية قد اعتقلت رادوفان كارادزيتش في يوليو الماضي بعد "اثني عشر عاما" من الاختباء، وكان قد استطاع خلال هذه الفترة الطويلة أن يصدر ديوانا "جديدا" قال في إحدى قصائده: "يعذبني القضاة على أتفه الأمور، وما عدت أقوى على رؤياهم، على رؤيا أضابير النفاية هؤلاء، أضابير الحلازين".
تقول الجارديان إن نادي القلم السلوفاكي التابع لنادي القلم الدولي انتقد مجلة دوتايكي "من وجهة نظر أخلاقية وعرقية" لنشرها شعر كارادزيتش دون أي "تعليق تحريري يوضح خلفيته (أي خلفية كارادزيتش) كمجرم حرب مدان بارتكاب جرائب ضد الإنسانية في حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي. كما قام الفرع السلوفاكي لنادي القلم بتعليق عضوية رئيس تحرير المجلة في النادي لمدة عام.
وهذا كلام فارغ.
خبر الجارديان يشير إلى أن كارادزيتش حصل عن قصائده في عام 1994 على جائزة ميخائيل شولوخوف التي يمنحها اتحاد الكتاب الروس. كما يشير الخبر إلى أن قصائده دائما تتناول ثيمات العنف والحرب وتحمل عناوين من قبيل (وأرجو ألا يقرأ الأطفال ما يلي) "قنبلة يدوية في الصباح" و"القتلة" و"رجل من رماد" و"أحذية حربية". أتفق طبعا مع كل من يرى أن هذه الجائزة ـ والجوائز عموما ـ لا تؤكد شاعرية شاعر، ولكنها على الأقل تبين لنا أن اهتمام الرجل بالشعر قديم، ومواز لاهتمامه بالذبح والقتل. (كم يذكرني هذا برواية جميلة للصديق طارق إمام عن شاعر/قاتل متسلسل خصص إحدى يديه للقتل والأخرى لكتابة القصائد. أنا أدين هذه الرواية طبعا، أقصد أني أدين لها). فيما أقرأ الخبر، كان ما لفتني كثيرا هو الفترة الطويلة التي قضاها ذلك الرجل مختبئا (بالمناسبة، وجود أسامة بن لادن كل هذه السنوات في مجاهل أفغانستان بين السماء والجبل واليقين بأنه على حق، وبأن كل العالم على باطل، يثيرني بالقدر نفسه، برغم رفضي الطبيعي كإنسان لما فعله كارادزيتش وبن لادن).
يرى كارادزيتش أن قضيته التي حارب من أجلها قضية عادلة، ويرى أن ما يعذبه القضاة بسببه ليس إلا أفعالا تافهة، أخطاء بسيطة وقعت على هامش النضال النبيل. حسن، هذا رجل تفكيره مريض. أو لنقل إنه مغاير لإجماع الأغلبية من البشر. وهو لذلك يتلقى عقابه الآن.
ولكن الحديث الآن عن الشعر. سيكون من دواعي سروري كمحرر أن أنشر الأعمال الشعرية الكاملة لإبليس لو قرر نشرها، فالشعر له قوانين أخرى، حتى لو حمل رسائل أخلاقية مسمومة. وقارئ الشعر ليس طفلا يحتاج إلى "تعليق تحريري" من أي نوع. والحضارة الإنسانية حضارة بشر لا ملائكة، فليس لأحد أن يحذف من طبيعة البشر جانبها الشرير. نحن أبناء قابيل لا هابيل. أجدادنا هم المركيز دي ساد وهتلر ونابليون والقديسون والأولياء والأنبياء. ومنا الآن، وفي كل آن، قتلة وقتلى ومجرمون وأبرياء. وليس من السهل دائما أن نميز القاتل المحتمل من القتيل المحتمل.